حينها كانت ضفائري تتزين بالأشرطة البيضاء وكان الزي المدرسي (المريول) لطالبات الثانوية العامة يبعث السلام في القلب وينبت فيه بعضًا من رائحة الزعتر الجبلي بلونه الأخضر وقسماته التي تبعث الهيبة والاتزان، وأذكر أن قلبي كاد يتوقف من الفرحة عندما ارتديته لأول مرة، حينها شعرت أنني كبرت حقًا كما يكبر الجميع، وأصبحت أخطط لعالم أكبر وأوسع تمتد حدوده من أطراف مريولي الأخضر إلى زرقة السماء العالية.

يبدأ المشوار التعليمي حقًا عندما تبلغ السادسة عشرة؛ فتختار وجهتك الدراسية، علمية كانت أو أدبية، ثم تخصصك الجامعي في عمر الثامنة عشر، ولا ننكر الكم الهائل من التوجيهات التي تقدمها العائلة بخصوص اختيار التخصص الجامعي، والذي عليه تترتب حياتك لعشرات السنوات المقبلة، وهو ما جعلني على الصعيد الشخصي أعيش في دوامة نوعًا ما ، فما يريده القلب لا يريده العقل، أو لا تشجعه العائلة، وهكذا تتعدد الخيارات، ثم عليك أن تنتقى أقربها لقدراتك واهتمامك؛ كي لا تكون من الأخسرين، أو تعض أصابع الندم بعد فوات الأوان.

اعتدت منذ صغري الاهتمام بالأمور الطبية، وكانت ألعابي لا تخلو من أدوات الطبيب وأدوية الصيدلاني، وما يشابهها ولو نطقت الدمى المصففة على سريري؛ لبكت من ألم العلاج المتكرر لها، والحقن التي اهترأت لأجلها معظم الدمى، ولكن عندما تصبح الأمور جدية؛ فالاختيار أصعب، هل سأصبح طبيبة كي يناديني الناس دكتورة، كما أحببنا ونحن صغار، أم أي بديل آخر يرضي رغبات النفس وقدرات العطاء والنفع للمجتمع، فالعمل المستقبلي هو خدمة تقدمها لوطنك وشعبك وأمتك، هو رد الدين للوطن الذي أعطاك اسمه وأرضه لتلهو ما شئت تحت أفيائه. كما أن الوطن ليس بحاجة لأن يقدم الجميع نفس العمل؛ فهو يحتاج الطبيب والمحامي والمعلم والمهندس والبنّاء والفنان والرياضي والكاتب وغيرهم، كلٌّ يعطي؛ فيرفع سقفًا في حصون الوطن أو يسد ثغرةً أو يشعل قنديلًا فتشرق أنوار الوطن.

اتخذت قراري بعد صراع طويل واستخاراتٍ كثيرة صليتها قلبًا وروحًا، فما بقي في البال سؤال ولا حيرة، عزمت الأمر، لن أكون طبيبة، ولن أكون صيدلانية؛ أريد أن أصبح (دكتورة صيدلانية)! رفع والدي حاجبيه، وعقدت أمي ذراعيها، كان يبدو حينها أنني أعاني من اكتئاب ما بعد الثانوية العامة، وإحباط ما قبل الجامعة؛ لم يكن القرار واضحًا أو مفهومًا ولا حتى غامضًا، هو فقط كان محيّرًا وغريبًا، لكن بجدية الأمر، هذا ما أردت، وحينها كانت فلسطين تفتتح لأول مرة – بعد أن سبقتها إليه بعض الدول العربية وتصدرته الولايات  المتحدة – تخصص دكتور صيدلة أو فارم دي Pharmacy Doctor Pharm.D!

إذن ما هو تخصص (دكتور صيدلة) أو الصيدلة السريرية؟

دكتور صيدلة تخصص طبي في ست سنوات دراسية يعزز من دور الدكتور الصيدلاني في الفريق الطبي، ويجعل جسر التواصل بينه وبين الكادر الطبي أقرب وأوضح في جميع ما يخص المريض؛ نظرًا للتركيز الدراسي في هذا التخصص الذي يعتمد على التدريب السريري المكثف؛ مما يجعل المريض المستفيد الاول من الاهتمام والمتابعة المقدمة له قبل خضوعه لأي إجراء طبي وبعده.

ويقدم الفارم دي خدماته الطبية للمريض في كل ما يتعلق بالخطة العلاجية له منذ دخوله المؤسسة الطبية إلى حين خروجه منها، وأيضا متابعة سجلّه الدوائي بما يخص جرعات الدواء وآثاره الجانبية، إضافة إلى التوعية الصحية للمريض في كل ما يلزمه. ويقدم الفارم دي المعلومات الدوائية المحدّثة للفريق الطبي، ويناقش مع الطبيب الأخصائي كافة التطورات الدوائية بما يخص المريض أو يخص التثقيف الدوائي الصحي للمجتمع ككل، وهذا يقلل بشكل كبير من نسبة الأخطاء الطبية ويزيد فاعلية العلاج.

الدكتور الصيدلي بعيد عن مجال الصناعة الدوائية لتركيزه السريري في العمل، وهنا سمي التخصص: صيدلة سريرية؛ لأنه يختص بالعمل داخل المستشفيات ومع المرضى بشكل خاص لرفع مستوى العلاج الدوائي لهم.

هل أنا راضية اليوم؟

أنا دائما أدعو فأقول: اللهم علمنا ماينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.

فالإجابة هنا ليست بنعم أو لا، ولكن طالما المريض أو المواطن هو المستفيد من أي تطور طبي أو استحداث لتخصص جامعي؛ فالرؤية سليمة والنية خالصة، وإن كان الضباب يعم الأرجاء لحداثة المفهوم والفكرة، ولكن التجربة الفعلية هي البرهان والضمان، وإن كان هذا التخصص الطبي قد نجح في كثير من الدول وأثبت قدرته، فلا مانع أن يكون لدينا تجارب من النجاح أيضًا. نحن العرب لدينا القدرة على المنافسة، ولكن ينقصنا بعض الثقة والأمانة، في النهاية الرضى عن الشيء مرادف للقناعة به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد