تنتفض الشعوب لأسباب شتى منها الفقر والمرض والقمع والاستبداد، وتمر الثورات بعدة منحنيات تارة صاعدة وأخرى هابطة، فهنا موقع تنتصر فيه الثورة وهنا تُهزم فيه شر هزيمة ولكن العبرة دائمًا بالنهايات فيمكن أن تنتصر نصرًا ساحقًا وتفشل فشلًا ذريعًا أو يحدث توافق بين الثورة والنظام المُثار عليه.

 

و المرحلة التي يصعب فيها معرفة نتيجة الحراك الثوري هي الفترة الضبابية، وهي اللحظة التي ينعدم فيها الرأي الصائب أو لا يتضح فيها الطريق الذي يجب أن نسلكه لتحقيق النصر وهنا يتحول الحراك الثوري من نيران آكلة للاستبداد إلى نيران تأكل بعضها وتتصارع.

 

والثورة الفرنسية هي خير مثال على المرحلة الضبابية فبها قاتل الثوار بعضهم البعض وكلما تولى فصيل الحكم استبد به وأطلق العنان للمحاكمات الإقصائية والاغتيالات العشوائية أو يتولى فصيل آخر فتسارع الفصائل الأخرى لإسقاطه لاختلافهم في وجهات النظر وطريقة الإدارة أو لرغبة داخل النفس في السيطرة على مقاليد الحكم.

 

فتقوى شوكة النظام المستبد ويعمل على تنظيم صفوفه واستغلال الفرصة للقضاء على الثوار المتناحرين. واستطاعت فرنسا التخلص من هذا التناحر الداخلي بعد إراقة الكثير من الدماء وهبت موجات ثورية عديدة وانتصرت الثورة الفرنسية.

 

و لأن التاريخ يتكرر ونفوس البشر وحاجاتها لا تتغير فالعصر الحديث شهد أكبر عمليات تناحر داخل صفوف الثوار في المنطقة العربية ونتج عنه اشتداد شوكة الأنظمة الفاسدة على الحركات الثورية بل وتولي الأنظمة الفاسدة للحكم مرة أخرى والانتقام من كل من يقف في وجهها واستغلال فصائل ثورية ضد فصائل أخرى ليصل منحنى الثورة إلى أقصى هبوط يمكن أن تشهده في بعض الدول العربية ونتج عن هذا واحدة من أكبر المذابح في العصر الحديث – مذبحة رابعة العدوية – على يد النظام المصري الفاسد الذي عاد لينتقم من القوى الثورية.

 

و ليس معنى عودة النظام المستبد أن الثورة انتهت ولكنها تشير إلى ضرورة فترة من التدقيق والتمحيص لمعرفة السبب الحقيقي وراء الفشل في مواجهة أذناب النظام القديم وهي فترة هامة لإعادة تنقية الصفوف من العملاء والانتهازيين والمنتفعين والجهلة، ولا يمكن تحقيق الهدف المنشود دون تكاتف حقيقي من القوى الثورية وظهير شعبي قوي داعم للحراك الثوري وقد تستمر الاضطرابات إلى سنين عديدة وتختل الصفوف وبعدها تنتظم إلى أن تصل لمرحلة محورية تكون قادرة على ضرب النظام المستبد في قلبه والتخلص منه نهائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد