لعل حال الشعب المصري اليوم مع رئيسه «عبد الفتاح السيسي» يُشبه قطارًا، يرى سائقه أن المنطقة التي يقف فيها قطاره منطقة خطرة على وشك الانفجار، والقطار به عربة مكيفة، وكراسيها جلد فاخر يجلس فيها أصحاب الياقات البيضاء (الأغنياء المتخمون بغناهم وشهواتهم)، وبقية عربات القطار من الدرجة الثالثة ممتلئة ومزدحمة من الشغيلة (الفقراء المطحونين بفقرهم وعوذهم)، وسائق القطار يسير بأقصى سرعة آملًا النجاة بنفسه وبالقطار، وهو يتحرك بسرعة.

وأثناء انطلاق القطار إلى رحلته يسقُط الركاب المتزاحمون على الأبواب، والركاب يصرخون ولا يسمعهم أحد، ولأن الرحلة شاقة يموت بعض الركاب الفقراء من الجوع، والبعض الآخر يموت من العطش، والبعض الآخر يموت من شدة الحرارة لأن التكيفات لا تعمل إلا بعربة الدرجة الأولى التي يجلس بها الأغنياء.

وسائق القطار يسمع صُراخ رُكاب الدرجة الثالثة (الفقراء) الذين يطلبون منه الوقوف لأنهم جميعًا يوشكون على الموت. لكن الأكثر طرافة أن رُكاب الدرجة الأولى (الأغنياء) بدؤوا هم أيضًا يصرخون طالبين من قائد القطار زيادة السرعة التي يسير بها أكثر كي يصلوا في موعدهم أو قبل موعدهم!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏2‏ شخصان‏

ولعل احتمالات النهاية أمام ذلك القطار هي:

  1. أن يصل سائق القطار إلى نهاية رحلته، ولكن سيكون أغلب رُكاب القطار (من الفقراء) قد ماتوا. بعضهم سقط من على الأبواب، وبعضهم مات من الجوع، والبعض الآخر مات من العطش، وذلك أمر سيكون مُخيفًا وتأثيره فادحًا على الحاضر والمستقبل، بالإضافة إلى أن ذلك لو حدث لن يكون إنسانيًّا ولا سياسيًّا.
  2. أو سيجد ركاب الدرجة الثالثة (الفقراء) في أنفسهم الجسارة والشجاعة والمقدرة على أن يتسلقوا فوق عربات القطار في ظل تلك السرعة الجنونية حتى يصلوا إلى قُمرة القيادة، ويُلقوا بالسائق من القطار، ويوقفوا القطار بأنفسهم لأن الحياة عزيزة وغالية!

ولا أتجاوز إذا قُلت إن أول انطباع يشعر به أي ناظر للشعب المصري أنه أمام شعب عظيم بالمعيار التاريخي للأمم العظيمة، وآية ذلك هو قدرته على الصبر والاحتمال والصمود رغم كل الصعاب التي مر بها.

فهذا الشعب تحمل مسئولية تحقيق حلم إنساني ضخم (مع جمال عبد الناصر)، وإن لم يتحقق حلمه لسوء حظه في تحقيق مطالبه (لأن من خلفه «السادات» أضاع تضحيات وإنجازات سلفه «عبد الناصر»)، ثم أن هذا الشعب يعرف أنه كان صانع النصر الحقيقي في الصراع مع إسرائيل، وأنه «دفع» في هذا النصر حياة الآلاف من أبنائه على طول جولات الصراع . وهذا الشعب يعرف أنه ناضل وضحى في سبيل صنع ثورتين عظيمتين (25يناير، 30 يونيو) من أجل الإصلاح.

  وأخيرًا فإن هذا الشعب يعرف أنه بعد بذله لتضحياته من أجل النصر (في الحرب للتحرير أو الثورة للتغيير) أفلت من يده وعده، كمن أمسك الماء بيده وأطبق عليه وظن أنه امتلكه، ولكن بمجرد فتحه لقبضة يده لم يجد شيئًا إلا الخيبة والفشل؛ لأن الشعوب لا تُضحي بالعرق والدموع والدماء سواء في الميادين العسكرية أو المدنية من أجل أن تضع أكاليل الغار على هامات الرؤساء (كما حدث في حرب أكتوبر مع السادات)، أو ليحقق أحدهم رؤيته في منامه باعتلاء مقعد الحكم (كما حدث بعد عزل مرسي مع الجنرال السيسي)، وإنما تُضحى الشعوب رجاءً منها في غدٍ أفضل. وبالنسبة للشعب المصري فإن هذا الغد الأفضل لم يجئ بعد برغم مُضي السنوات وطول الصبر والانتظار.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

والملاحظ أن السياسة المصرية والمتحدثين باسمها اليوم يهربون أو يتهربون من الحديث عن آلام الحاضر وقسوته، فهم يقولون دومًا تصريحًا: «إن الأمس كان سيئًا، وأن المستقبل يحمل في طياته شيئًا أحسن». لكنهم لم يقولوا لنا شيئًا عن اليوم ما هو وصفه؟ هل هو حسن أو سيئ؟ كأن هذه اللحظة الحاضرة لا تعنيهم، وكأنها ليست حياتنا التي نحياها الآن!

ونتيجة لكل ما مر بالمصريين على طول السنين الماضية أصبح الشعب المصرى في حالة انكسار نفسي على مستوى الأفراد. ثم إن هذا الانكسار النفسي يجد لنفسه مُتنفسًا في عدة ظواهر:

ظاهرة الخروج والنفور من أحضان الدين

في الغالب عندما يواجه مجتمع من المجتمعات أزمة فهو يرتمي في أحضان الدين ليكون له مُهدئًا ومُطمئنًا وحاميًا له بسيف الإيمان، ولكن المشكلة لدى المصريين أن سنة حُكم الإخوان ومعهم بقية تيار الإسلام السياسي من كافة الأطياف قد نفرت المصريين من الدين الذي يمثله هؤلاء.

ومن بعدهم جاء بعض شيوخ الأزهر ليزيدوا الطين بلة؛ فأصدروا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان مثل: «إرضاع الكبير!»، و«تحريم خلع الملابس للزوجين أثناء ممارسة العلاقة الحميمة!»، وأخيرًا وليس آخرًا «جواز ممارسة الزوج الجنس مع زوجته الميتة!»، والغريب أن أغلب فتاوى هؤلاء تنصب على النصف الأسفل من الجسم! (وكأن المصريين لا يفعلون شيئًا طوال يومهم غير ممارسة الجنس)، ونتج من ذلك أن مصر تزايد بها عدد الملحدين.

ظاهرة العودة إلى نوع من الوطنية البالغة حد التعصب

ولعل أدق من عبر عن تلك الظاهرة هو  الأستاذ/ محمد حسنين هيكل (رحمه الله)، حينما قال في كتابه وجهات نظر– رجال ومواقف:

«من أن ذلك عائد إلى أن مصر ليست واثقة كل الثقة بعد من عروبتها، وربما أنها الوطن العربي الوحيد الذي يملُك منطقًا كاملًا له عوامله (بالحق أو بالوهم) يُغريه باختلافه عن بقية شعوب الأمة.

العامل الأول: هو الجغرافيا المصرية بوادي النيل وضفافه حيث تتركز الحياة في حصار حزام من الرمال يحوط كل شيء: الناس والنهر والوادي، وذلك يخلق مجتمعًا مكتفيًا بذاته وليس بالضرورة منكفئًا على ذاته.

العامل الثاني: هو الحضارة الفرعونية القديمة، وهنا فإن مصر تخلط بين الميراث والتراث.

فالميراث تركة خلفها تاريخ مضى. في حين أن التراث ثقافة وضعها على الأرض تاريخ حي.

والعامل الثالث: هو ضرورة وقوة الدولة المركزية التي تُدير مسئولية التعامل مع الجوار وراء الصحارى المحيطة بالصراع أو بالغزو».

ظاهرة الشك في الحاضر والتشاؤم والإحباط من المستقبل

ولعل جُزءًا كبيرًا من ذلك الأمر عائد لخداع وكذب وفساد أنظمة سبقت (السادات، مبارك، مرسى)، وزاد على ذلك أن النظام الحالي بسياساته وتصريحاته وتصرفاته وقراراته الغريبة أحيانًا، والعجيبة أحيانًا، والمزعجة أحيانًا، والمُريبة مُعظم الأحيان، يزرع «الشوك» قبل «الشكوك» في الصدور بدلًا من أن يُطمئن الخواطر ويبعد الهواجس عن العقول قبل القلوب (موضوع جزيرتي صنافير وتيران مثالًا).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

ظاهرة رفض كل القيادات والرموز والأفكار

فـ«أحمد عرابي» (مجنون تسبب في احتلال مصر من قبل الإنجليز) و«جمال عبد الناصر» (ديكتاتور)، وهكذا رفض كُل شيء (الأفكار) قبل (الأشخاص)، ولعل ذلك عائد إلى أن تلك طبائع النُظم في البلاد التي لم يكتمل نموها الاجتماعي بعد، ثم تجد نفسها في بعض مراحل تطورها معتمدة على رجل واحد يقف بمفرده على قمة هرم السلطة، وعندما يغيب هذا الرجل الواحد لسبب أو آخر، فإن من يخلفه يبحث عن شرعيته في أسباب قصور سلفه ناسيًا أو متناسيًا إيجابياته، وهكذا يبدو الحاضر دائمًا نقيضًا للماضي.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏6‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏حشد‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏‏

ولعل ذلك أيضًا عائد «لتداعي» العقائد، و«تهاوي» المُثل و«سقوط» القيم و«انكشاف» الوجوه الحقيقية لنخبة متعفنة، و«تخلي» المنظومة السياسية والاجتماعية والثقافية للدولة عن دورها في رفع الوعي، وتجميع الصفوف، وشحذ الهمم بمشروع حضاري حقيقي واضح المعالم، ومحدد القسمات بعيدًا عن المساحيق الإعلامية.

كانت تلك كلها أعراض حالة اجتماعية لشعب فقد يقينه في كل شيء وأي شيء، وذهب يبحث عنه في أي مكان ومع أي شخص حتى في الكهوف المُظلمة مع السحرة والحواة والمشعوذين واللصوص والأفاقين والقوادين!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏4‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏بدلة‏‏‏‏

إن مشكلة الرئيس «السيسي» في رأيي أن شرعيته من أساسها هي شرعية (لحظة تاريخية). فهي ليست شرعية طبقة، وليست شرعية توافق وطني عام، وليست شرعية إنجاز تاريخي مُحدد، وإنما هي شرعية لحظة تاريخية غريبة الأطوار جمعت ما بين اليأس والأمل. والمأزق أن «شرعية الأمل» تلك فوق ارتهانها بلحظة معينة، ترتبط أيضًا بتحقيق هذا الأمل أو بخطوات محققة على طريقه، وهذا لم يتحقق.

وتتضح أزمة الرجل أكثر عندما نعلم أن ثورة 25 يناير أيقظت آمالًا كانت نائمة، وحقائق ظلت مخفية، وطموحات ظلت مخدرةً لزمن طويل. وكان على الرجل أن يتعامل مع كل ذلك. يُضاف إلى ذلك أن الرجل وقع في خطأ آخر، وهو أنه حاول إعادة البناء من جديد بواسطة ما تبقى من أطلال النظام القديم!، وهو ما وصفة الراحل الأستاذ «محمد حسنين هيكل»: «بحاجة السيسي (لثورة) على نظامه».

لكن على الناحية الأخرى نجد أن إنجازات النظام الحالي ضئيلة، وغير منعكسة على حياة المصريين بفرض وجودها، رغم غزارة التصريحات الحالمة أحيانًا والواهمة أحيانًا أخرى عن (الإنجازات التي لم تتحق منذُ عهود) من النظام ومؤيديه، ولعل النكتة المنتشرة اليوم تُظهر وتُلخص الكثير: فقد ذهب رجل يسأل عن دكتور يعالجه في تخصص «أذن وعين». وقيل له إن هذ التخصصي غير موجود، فهناك اختصاصي أنف وأذن وحنجرة، وهناك اختصاصي عين، وكلاهما فرع من الطب مُستقل، ولكن الرجل أصر على ما يريد، وسألوه: لماذا؟                                                                                                   فقال: «لأن مرضي أنني أسمع شيئًا وأرى شيئًا غيره!».

ولهذه النكتة دلالة خطيرة، وهي أن هناك أزمة ثقة نشأت وتزداد بين الشعب وقيادته. فالنكتة معناها أن الناس يراودهم شك أن الجديد في حياتهم كله «كلام»، أو أن الجديد في حياتهم تسمعه الأذُن على نحو، وتراه العين على نحو مغاير.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏ليل‏‏‏والغريب أن أرقام السلطة الرسمية تتصادم مع التصريحات الوردية للمسئولين. فعلى الناحية «الاقتصادية»، وحسب النشرة الإحصائية الشهرية رقم 243 الصادرة عن البنك المركزي فقد كشفت:

  • عن وصول الدين الداخلي بنهاية شهر مارس 2017 إلى (3.07 تريليون جنيه) مقابل (3.05 تريليون جنيه) في ديسمبر 2016، ووصول الدين الخارجي إلى (73.8 مليار دولار) أي ما يعادل (1.3 تريليون جنيه) بسعر صرف 18 جنيهًا للدولار بنهاية شهر مارس 2017، مقابل (67.3 مليار دولار) في ديسمبر 2016، بزيادة (6.5 مليار دولار).
  • وكذا أصبحت مصر مدينة بـ(4.3 تريليون جنيه)، ومن ثم فإن كل مواطن من 91 مليون مصري أصبح مدينًا بما يقارب 47.6 ألف جنيه، وهي ديون ستتحملها الأجيال القادمة التي ستضطر الحكومات القادمة لزيادة الضرائب عليها من أجل سداد هذه الديون التي تتراكم وتزداد يومًا بعد الآخر.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏3‏ أشخاص‏

وعلى الناحية الاجتماعية يُظهر «بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك» و«الكتاب الإحصائي السنوي» الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والذي عرضه الكاتب «محمد أبو الغيط» في تقرير له نُشر في جريدة المصري اليوم عددًا من الحقائق تهدم بعض الأكاذيب والأساطير التي حاولت السلطة وإعلامها ترويجها لتبرير فشل النظام وحكومته، مثل:

أسطورة «الناس كلها معاها فلوس وزاحمين المولات»

فإذا كانت أسرتك كاملة يصل إجمالي إنفاقها الشهري إلى 4160 جنيهًا، (يبقى ألف مبروك)! أنت في أغنى شريحة من المصريين التي تنفق 50 ألف جنيه فما فوق سنويًّا، وهي لا تزيد على 15.7% فقط. نعم، 4160 جنيهًا شهريًّا، وهو المبلغ الكافي بالكاد لتطفو أسرة فوق سطح الطبقة الوسطى، هو الاستثناء، أما باقي المصريين جميعًا فهم في الفقر أو على حافته. هذه هي المعلومة الأولى الأساسية، نحن الأقلية والاستثناء وسط بحر هائل من الفقراء أو المستورين.

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

أسطورة «محدش بيبات من غير عشاء»

في شريحة أفقر 10% من المصريين يُنفق الفرد سنويًّا 3332 جنيهًا، أي 277 جنيهًا شهريًّا على حياته كلها طعامًا وملابس ومسكنًا وغيره. بالتأكيد المبلغ غير كافٍ لا للعشاء ولا للغداء!،فالملايين الذين يشترون عظام وأرجل الدجاج والمواشي لا يفعلون ذلك على سبيل التجديد.

فالطعام لا يكفي الأطفال أيضًا. نسبة التقزُم (قِصر القامة بسبب سوء كمية أو نوع الغذاء) بين أطفال مصر أقل من 5 سنوات بلغت 21% عام 2014. ربع الأطفال في الفئة العمرية 6- 59 شهرًا يعانون الأنيميا.

نسبة الفقراء ارتفعت إلى 27.8% عام 2015، مقابل 26.3% في 2013. خلال عامين سقط مليون و368 ألف مصري جديد تحت «خط الفقر المصري»، وهو معدل دخل 482 جنيهًا للفرد شهريًّا. خط الفقر العالمي سيزيد الصورة سوادًا.

السبب ببساطة هو ارتفاع الأسعار الذي لا يقابله ارتفاع في الأجور، ومعدل التضخم السنوي وصل في أغسطس 2015 إلى 10.6%، ثم قفز في أغسطس 2016 إلى 16.4%، وهو ما يعني أننا سنعرف بالإحصاء القادم أن المزيد والمزيد سقطوا.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏رسم‏‏

أسطورة «البلد زحمة من كثرة العربيات، وكل الناس دي معاها فلوس»

من أكثر العبارات جهلًا على الإطلاق. الأسر التي تملك سيارة خاصة تبلغ نسبتها 7.9% فقط، أقل من أقلية. فعدد السيارات المُرخصة ملاكي في ديسمبر 2015 هو 4.1 مليون سيارة فقط على مستوى الجمهورية، أما الغالبية الساحقة من المصريين فهم هؤلاء المهروسون في المترو والأتوبيسات والميكروباصات.

أسطورة «المصريين شعب كسول»

عدد ساعات العمل الأسبوعية للعاملين المصريين بالقطاع الاستثماري 50 ساعة، ثم بالقطاع الخاص 48.9 ساعة، ثم بالقطاع العام 47.1 ساعة. هذه معدلات عالية عالميًّا إذا قارنا مثلًا بلندن 33.5 ساعة، نيويورك 35.5 ساعة، طوكيو 39.5.

معدل الإنتاج والإتقان له نقاشات أخرى، لكن من حيث عدد الساعات البحت بالتأكيد المصريون ليسوا كُسالى أبدًا. وهذا منطقي، إذا كانت الغالبية بحاجة للعمل في أكثر من جهة، وإلا سيجوعون حرفيًّا.

وماذا بعد؟ وإلى أين المُتجه؟

وفى ضوء هذا الواقع الصعب المرير والأليم، وعندما وجد الجنرال الرئيس أن النقد العام اتسع نطاقه وامتد ليشمل تصرفاته وقراراته وتصريحاته وسياساته؛ مما سيؤثر حتمًا على الصورة الذهنية العامة له (من الجنرال المُخلص المُنقذ إلى الجنرال الفاشل) وهذا سيؤدي إلى «نحر» قوائم شرعيته و«ضعف» لأوجه مشروعيته، يساعد عليه اختلال الأداء العام في كُل المناحي سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى أمنية، بالإضافة لغياب منطق «السياسة» وبروز منطق «الأمن».

وفي ضوء كل تلك الأرقام الرسمية (الصادمة) قرر الرئيس السيسي أن نشر «الظلام» أسلم وأضمن وأنجع من إشعال «الأنوار»، وأن قبضة الحديد الصلبة أفضل من قُفاز الحرير المخملي.

 وهكذا أصبحنا في الفترة الأخيرة من حُكمه لا نرى ولا نسمع إلا إعلام الصوت الواحد، على شاشات  الفضائيات، وأمام ميكروفونات الإذاعات، وفي منشتات الصحف والمجلات، وحتى في الخُطب على منابر الجوامع، وفي دروس الوعظ والإرشاد داخل غرف الكنائس، وكذلك تم حجب أكثر من أربعمائة موقع من الظهور في مصر. وكذلك أحكمت القبضة الأمنية سيطرتها على الأوضاع المصرية، كما جاء بتقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش»، كما ارتفعت أعداد المعتقلين في مصر مما دفع الحكومة لإنشاء سجون جديدة على الرغم من حديث النظام الدائم عن شُح الموارد (إحنا فقراء قوي!).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لحية‏‏‏

وكان على الإعلام الرسمى بشقيه العام والخاص أن يُغطي ويُداري على مسالب وفشل سياسات الجنرال، وذلك برفع شعارات التعبئة واستثارة الوطنية الجامحة مثل شعار «تحيا مصر» و«المؤامرات الكونية على السياسة المصرية»، وأن السيسي «يمشي بسرعة الصاروخ» في حين أن الحكومة «تمشى بسرعة السُلحفاة» (كأن تلك الحكومة ليست من اختياره). وهنا اعتمد القائمون على الإعلام المصري اليوم مدرسة «السياسة بالانطباع» وليست مدرسة «السياسة بالإقناع»، وهو نفس الفارق بين علم «الإعلان» وعلم «الإعلام» (وتلك مدرسة أمريكية في الإعلام ظهرت مع مجيء الرئيس «الممثل» رونالد ريجان في أوائل الثمانيات من القرن الماضي).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏3‏ أشخاص‏

ولكن

مشكلة الجنرال «السيسي» ومؤيديه أن أحوال الناس السيئة لا يمكن مُدارتها بالتصريحات الوردية مهمًا كانت درجة تنسيقها.  وأن الأداء السيئ للنظام وحكومته لا يمكن ستره والتغطية عليه بالمساحيق الإعلامية مهمًا كانت جودتها. وأن شمس الحقيقة الساطعة لا يمكن حجبها بغيوم مصطنعة مما تصنعه بعض الأقلام الصحافية الطامعة للدخول (عرايا) لقصر السلطان، تلك الأقلام التي تملأ الآن الآفاق بالصُراخ والصخب، هؤلاء الذين يتصورون أن أعلى الأصوات وأشدها جلبةً وضجيجًا سيكون في نفس الوقت أقواها حُجةً وأقدرها على الإقنـاع!، ولكن ماذا يُجدي الصُراخ والصخب وللناس منطق، وللناس عقول! أو اللجان الإلكترونية المأجورة المسعورة، أو الحديث في البرامج الحوارية الفضائية من بعض الذين أجادوا أن يلعبوا دور كهنة كل العصور، أو لمن باعوا أنفسهم للشيطان آملين أو طامحين أو طامعين في منصب هُنا أو في عطيةٍ هناك!

وأخيرًا، وبعد كل هذا وذاك يتبقى سؤال كان قد ألح على مثقف الثورة البلشفية المعروف «فلاديمير  لينين» وهو: (ما العمل؟) لدرجة أنه ألف كتابًا عنه بنفس العنوان، وأظن أن نفس السؤال كان ولا زال وسيظل يواجه الجنرال «السيسي» بعد أكثر من تسعين سنة من كتابة لينين لكتابه.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

ولا زال السؤالُ قائمًا :ما العمل؟

ولكن المشكلة أن الجنرال المصري «السيسي» لا يمكنه الإجابة عن ذلك السؤال بتأليف كتاب كما فعل المثقف الروسي الثوري «لينين»، ويضع فيه عينة من خُطبه العصماء التي يُلقيها على المصريين كل فترة! وإنما يلزمهُ بالتأكيد شيءٌ آخر؟! تُرى ما هو؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

يا مجتمع الـ15% نقدم لكم: مصر
موقع البنك المركزى المصرى
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة