قراءة في كتاب المَاجَرَيات للدكتور إبراهيم السكران

«وكم للنفس من أغوارٍ نائيةٍ سحيقة»

عندما قرأت وبحثت في ظاهرة «المَاجَرَيات»، استحوذت عليَّ صدمة الاكتشاف، وأذابت حرارة الدهشة غفلة عقلي عن معانٍ كنت أختان نفسي لأتغافل عنها، ولملمت جاذبيتها شتات أُخَر كانت مبعثرة بداخلي، ودعوت بكل الخير والبركة لمن أرشدني للقراءة عن هذه الظاهرة.

كتاب الماجريات للدكتور أبي عمر إبراهيم بن عمر السكران لا يُعد ورقة بحثية عادية، ولكن يُعد بمثابة مجهر بحثي يكشف آفات ثاوية في أغوار وبواطن جيل الصحوة المعاصرة يغفل عنها، ومرآة تصارحه وتعكس له سوآت أخرى ظاهرة يعلمها جيدًا، ولكن يحاول أن يتناساها أو أن يهرب من أمامها حتى لا يراها فيتذكرها.

المَاجَرَيات: مركب مزجي من مفردين وهما (ما) بمعنى الذي و(جرى) بمعنى وقع وحدث، ثم أُدخل عليهما أداة التعريف وجمعت جمع مؤنث سالم فأصبحت (المَاجَرَيات).

وهي بمعنى: مُجْمَل ما يجري من أَحْداث، كالاضطِرابات السِّياسيَّة أو الاجتماعيَّة أو الحُروب وغيرِها أثناء مدَّة معيَّنة من الزَّمن.

تمييزات ضابطة لمفهوم المَاجَرَيات

هذه التمييزات ترسم حدود نقد ومعالجة ظاهرة «مغالاة وإفراط في أصل صحيح مطلوب»، لتشذيب القدر المشتط وتقليم الغصن الناشز، لا استئصال الجذر واجتثاث الأصل.

التمييز بين فقه الواقع والغرق في الواقع

من أسس التفكير التي ركبها الله عز وجل في العقل البشري أنه لا يمكن أن يعالج أمرًا وهو لم يتصوره، وهذا ما تأصله القاعدة الأصولية «الحكم على الشيء فرع من تصوره»، أو ما يطلق عليه «فقه الواقع».

لذلك فمن يطمح للنهضة بأمته والقيام بمشروعات علمية وإصلاحية جادة، فيتعذر عليه ذلك دون فقه الواقع، وامتلاك معطيات الواقع المحيط.

ولكن هل هذا كل شيء؟ هل القضية بهذا الإطلاق فقط وهو أننا يجب أن نفقه الواقع لنتمكن من إصلاحه؟ أم أن ثمة إشكالية أخرى؟ الحقيقة أن كثيرًا ممن اقتنع بضرورة «فقه الواقع» في العلم والإصلاح، تحول لا شعوريًا إلى الغطس في المَاجَرَيات والانغماس في دوامة الأحداث والوقائع حتى تجاوز القدر المطلوب، وخصوصًا عبر الأدوات الشبكية المعاصرة، والأحداث والوقائع السياسية، والجدل والمهاترات الفكرية والقضايا الصغيرة الفرعية، فخرج من «فقه الواقع» إلى «الغرق في وحل الواقع».

التمييز بين المتابعة المتفرجة والمتابعة المنتجة:

يقتنع الكثير من المعنيين بالعلم والإصلاح بأهمية متابعة الواقع السياسي والفكري لأنها تؤثر في زيادة الإنتاج الإصلاحي كمًَّا وكيفًا، وهذا ما يمكن تسميته «بالمتابعة المنتجة»؛

ولكن ليست الأمور بهذا المسار السعيد دومًا، فثمة قطاع واسع للأسف ممن يتابع الواقع الفكري والسياسي، وبمقصود نبيل وحسن، لا تتمخض متابعتهم عن الإنتاج لا كمًّا ولا كيفًا، بل يتحول لكائن متفرج في مدرجات الجماهير السلبية مراقب منخرط في سلسلة المَاجَرَيات دونما إحداث أي تغيير يذكر فيها، ويتصرم عمره في هذا المشهد الحزين، وهذا ما يمكن تسميته «بالمتابعة المتفرجة».

التمييز بين المتابعة زمن التحصيل والمتابعة زمن العطاء

متابعة الواقع الفكري والسياسي ليس معطى مصمتًا ذا درجة واحدة، بل هو عمل يتفاوت قدره بحسب المرحلة العلمية والدعوية للمتابع، فالشاب الذي في السنوات الذهبية للتحصيل العلمي يفترض أن يكون انكبابه وتركيزه الأساس على التحصيل والتثقيف العلمي والتزكية الإيمانية، وأما فضول وقته فيمكن الاطلاع فيه على مجمل الواقع الفكري والسياسي دون تتبع التفاصيل.

وأما من تجاوز مرحلة التحصيل وبدأ في مرحلة العطاء والنشر والبث فيزيد من قدر متابعة الواقع بما يحقق أغراضه اتجاهًا وكمًّا وكيفًا.

التمييز بين توظيف الآلة والارتهان للآلة

من الجوانب الإيجابية التي وفرتها ثورة نظم الاتصالات الحديثة الشبكية والفضائية للمصلحين والدعاة، فرصة نشر وبث الأمور النافعة للناس في دينهم ودنياهم، ولكن هناك شريحة واسعة ممن دخلت هذا القطاع للنشر بمقصد نبيل، تحولوا من منتجين يوظفون الآلة إلى متلقين مستهلكين لأدنى ما تُنتجه هذه الشبكات من المهاترات الفكرية والشائعات السياسية فتخرطهم الآلة في مَاجَرَياتها.

التمييز بين دروب منزلة السياسة

ما هي منزلة السياسة في سلم المطالب؟ وما موقعها ضمن جدول الاهتمامات؟ من تدبر واقع المشتغلين بالعلم والدعوة والإصلاح ربما يلاحظ أن هناك ثلاثة دروب أو اتجاهات من حيث درجة ونوعية الاهتمام بالسياسة يمكن تسميتها التعميم والسلطنة والتخصص وسنحاول إيضاحها فيما يلي:

اتجاه «التعميم»: يرى هذا الاتجاه أن أس البلاء هو النظم السياسية والأنظمة الفاسدة، ويدعو – صراحة أوضمنًا – إلى عامة المشتغلين بالعلم والإصلاح لترك ما بأيديهم والاشتغال بالعمل السياسي، ويميل هذا الاتجاه إلى الانهماك في متابعة تفاصيل الأحداث والمَاجَرَيات السياسية، ويعمر مجالسه وندواته بالتعليق وعرض الأفكار السياسية، ولا يكف هذا الاتجاه عن اللمز والتهكم بمن ينشر فتوى في الطهارة أو مفطرات الصيام ونحوها، ويعتبر أصحاب هذا التيار أن الاشتغال بمثل هذه المسائل الفقهية تغييب للأمة عن قضاياها الكبرى التي هي القضايا السياسية.

اتجاه «السلطنة»: يعني الغلو السلطاني فقد ظهر في المجتمع المسلم كرد فعل تجاوزي على اتجاه «التعميم»، حيث يقر أصحاب هذا الاتجاه أن السياسة من صميم الدين والشريعة، لكنهم يرون أن الاشتغال بها حق حصري على ولاة الأمور، وأن اشتغال غيرهم بها يثير الفتن ويزعزع الاستقرار، ولكنهم لا يثيرون هذا إلا في وجه المخالف الحزبي، أما من يوافقهم ولا ينكر على ولاة الأمور ظلمهم وجورهم فإن انهماكه السياسي من الذب عن المنهج.

ويمكن أن نقول إن كلا الاتجاهين مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة والمنهج الشرعي الصحيح في فهم الإسلام.

والصواب في منزلة السياسة أنها «تخصص» مطلوب يجب التمييز فيه بين الاطلاع الإجمالي والاطلاع التفصيلي، أي أن المتخصص ينبغي له استيعاب تفاصيلها بقدر إمكانه، وأما غير المتخصص فيكفيه معرفة مجملات الواقع السياسي، وطبقًا لهذا التصور فإن السياسة جزء من الشريعة، لكن لا يتصدى لها إلا ذو الأهلية في معرفة الأحكام الفقهية، والسياسة الشرعية، وأيضًا الخبرة بفنياتها وبعض دروبها، وأما دعوة عامة الفقهاء والمصلحين وطلاب العلم والشباب والعامة للانهماك في المتابعة التفصيلية للأحداث السياسية فخطأ، كما أن حصر الرأي السياسي في ولي الأمر خطأ.

وطبقًا لهذا التصور التخصصي فإن هذا الاتجاه لايعتبر الاشتغال بالسياسة هو المفتاح الوحيد للإصلاح، بل هو وسيلة معتبرة لكن ضمن شبكة وسائل كثيرة علمية ودعوية لا يجوز تقزيمها في سياق تضخيم مفتاحية الاشتغال السياسي في الإصلاح، بل يجب أن يوضع في الرف المناسب لحجمه.

-ظواهر الماجريات الشبكية

ظاهرة التصفح القصري

من الملاحظ أن بعض الناس أثناء الأوقات الجادة المخصصة للمهام، كاجتماع عمل أو حضور درس أو مذاكرة لاختبار أو بحث علمي أو ساعة ذكر وتلاوة، تتسلل يده مرارًا إلى هاتفه الذكي ويفتح شبكات التواصل مثلًا، ويبدأ إبهامه في تمرير الصفحات، فهل هذه مجرد عادة أم هي إدمان؟

العادة تظل محكومة بالقدرة على السيطرة على الإرادة، بخلاف الإدمان الذي يتحول إلى سلوك قهري، يمكن أن نقول إن الأمر يبدأ بعادة ثم ينتهي بإدمان، وهذا ما تشير إليه الأبحاث الحديثة.

إغراء أم مهرب؟

من التصورات الشائعة: الظن أن العامل الجوهري في الإدمان الشبكي هو بفعل الجاذبية الاستثنائية للمحتوى بحيث يخلب المرء عن المهام الأخرى، وهذا التصور غير دقيق، فقد أكدت الدراسات أن الإدمان الشبكي كثيرًا ما يكون «آلية هروب نفسي» للفرار من تعقيدات المهام والمطالب العلمية والعملية، ومما يؤكد هذه النتيجة أن المرء يلاحظ أن الطلاب يتكثف شعورهم بالإلحاح النفسي لزيارة تلك المواقع في أوقات ضغط المهام، أو في أوقات العبادة الجادة كرمضان مثلًا، وهذه حيلة ذاتية للتنفس خارج ضغط المهام الثقيلة.

ويمكن أن يكون التسلل الشبكي في لحظات خطيرة، فحين تتهدج التسابيح وينجمع الهم على الإخبات والاستكانه لرب العالمين، ويعكف القلب في محراب التعبد، وتتعاقب الواردات الرحمانية، فلا يزال شيطان الخطرات ينزغ وينفث حتى تندس كف الالتفات تنثر شاشات الفضول، فيتبلبل القلب ويتشعث الهم وتتبعثر الخطرات في خلجان المرادات.

ظاهرة التصفح الملثم

من أكثر الظواهر لفتًا للانتباه محاولة المفرط في استعمال الإنترنت إخفاء الوقت الحقيقي الذي مكثه أمام الشاشات، وكم من متعلم وباحث يردد أنه لا يعلم مافي هذه الشبكات وأنه مشغول، وربما أبدى التعجب في البداية لبعض ما ينقله الجلساء عنها، حتى إذا ثار الحديث عن آخر المعارك الشبكية نسى نفسه وتحدث حديث المتابع لأدق تفاصيلها.. لكنه يخفي متابعته خجلًا من الناس أن تتخلخل صورته الذهنية العلمية السامقة في تصوراتهم.. وكم للنفوس من أغوار نائية سحيقة.

ظاهرة العمى الزمني

وهي ظاهرة يسميها بعض الباحثين «الثقوب الزمنية» بحيث يبدو المتصل كأنما يقفز من لحظة زمنية إلى أخرى، أي فقد الإحساس بالزمن أثناء الاتصال بالشبكة.

حادثة باح بها الفقيه الواعظ الدكتور محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في إحدى محاضراته المسجلة، وهي واقعة لها دلالات تهز الوعي وتُورِد واردات الدهشة والذهول، حين سأله شاب سؤالًا يفور بالحرقة من معاناته من شبكات التواصل الاجتماعي، وانفلات مقود التوازن منه.

فأجاب الشيخ بارك الله فيه جوابًا مطولًا مؤصلًا علميًا، وفصل وميِّز في أحوال وأقسام الناس في التعامل مع هذه الشبكات، وبيِّن الحال المحمود والمذموم.

ثم باغت مستمعيه بواقعةٍ يتيمةٍ حدثت له شخصيًا، وهو المنصرف المنقبض عن هذه الأمور أصلًا قائلًا:

«والله هذه الوسائل أمرها عجيب، جلستُ مرة من المرات على ما يسمى بتويتر، واسمه في النفس منه شىء، وفعلًا جلست من بعد صلاة العشاء لأول مرة، حتى فوجئت بالسَّحَر، ذهب عليَّ وردي من الليل، مصيبة عظيمة، ما تشعر بشيء، ومن يعرف هذه الأشياء يعرف هذا.

فانظر إلى هذه الواقعة وتدبر، فهذا الشنقيطي المعرض عن ما يخوض الناس فيه والمنشغل بشرح المتون الفقهية والمواعظ الإيمانية، يُحدث عن نفسه ويتحسر في ليلة واحدة يتيمةٍ؟! فكيف بأمم من الشباب صرعى على جنبتي شبكات التواصل الاجتماعي في السنوات الذهبية للتحصيل العلمي؟

موقع المَاجَرَيات عند أئمة المسلمين

ومن دقائق المعاني حول المَاجَرَيات تلك التي ذُكرت في المعالجات الجوزية لهذه الظاهرة حيث تكلم الإمام ابن القيم رحمه الله عن المَاجَرَيات من زاويا دقيقة وهي:

«الطاقة الذهنية» فالإنسان يملك في النهاية كمية معينة من وقود التفكير، فينبغي للمرء أن يكون حاذقًا في صرف طاقته الذهنية في المواد المجدية، ولا يتم إحراقها في المَاجَرَيات وأحوال الناس.

يقول ابن القيم في كتاب الفوائد «أصل الخير والشر من قبل التفكير، فإن التفكير مبدأ الإرادة»، ثم واصل سبر وتقسيم مسارات التفكير البشري إلى أن قال: «وبإزاء هذه الأفكار، الأفكار الرديئة التي تجول في قلوب هذا الخلق.. ومنها الفكر في جزئيات أحوال الناس، ومَاجَرَياتهم، ومداخلهم ومخارجهم، وتوابع ذلك من فكر المبطلة الفارغة».

ثم انتقل إلى منزلة أعلى في الكمالات ففي كتابه مدارج السالكين عندما تعرض لشرح منزلة السر وذكر الأخفياء ذكر من خصائصهم ما يلي:

«أهل هذه الطبقة أثقل شيء عليهم: البحث في مَاجَرَيات الناس، وطلب تعرف أحوالهم، وأثقل ما على قلوبهم سماعها، فهم مشغولون عنها بشأنهم، وإذا عد غيرهم الاشتغال بذلك وسماعه من باب الظرف والأدب وستر الأحوال، كان ذلك من خدع النفوس وتلبيسها، فإنه يحط الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها، وربما يعز عليه أن يحصل همة أخرى يصعد بها إلى موضعه الذي كان فيه».

ثم نبه رحمه الله على خطورة صحبة الماجرياتيين، ففي رسالته إلى أحد إخوانه استفتح بالتالي:

«فإن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حل، ونصحه لكل من اجتمع به، قال الله إخبارًا عن المسيح «وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ»، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه، فإنه يضيع الوقت في المَاجَرَيات ويفسد القلب».

أما ابن الجوزي فقد أورد في كتابه صيد الخاطر عن ذم الغرق في المَاجَرَيات ما يلي:

«ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة، ومنهم من يُقطِّع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين، والغلاء، والرخص، إلى غير ذلك، فعلمت أن الله تعالى لم يُطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية، إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم».

تنبيهات وإرشادات حول ظاهرة الماجريات

الاستنامة للواقع

ولكم هناك من شخص يظن أنه حمل هموم الأمة والتحرُّق لقضاياها، وما هو إلا مستغرق في متابعةٍ متفرجةٍ لأحداث الواقع وأنبائه، لأن الدوران في ترس المَاجَرَيات يزيح المرء عن الجهود الجادة والمشاريع الحقيقية المنظمة في معرفة الإيمان والإصلاح، وينتهي بصاحبه إلى حالة كثرة الثرثرة، وشح العمل، ويخلق الوعي المزيف بأن المرء في كبد مشروعات الإصلاح لأن طول العهد بالبعد عن المشروعات الفعلية الجادة المنتجة يورث الاستنامة للواقع.

مصارف طاقة التفكير

كما سيسأل الإنسان عن عمره فيما أفناه، فإنه سيسأل أيضًا عن فكره وذهنه فيما أبلاه، وقد كان أهل العلم ينبهون إلى أن التفكير ليس رصيدًا بسقف مفتوح أو طاقة لا نهائية، بل التفكير ثروة لها قدر محدود، وهي آيلة يومًا إلى النضوب، ولذلك كانوا ينهون عن صرف رصيد التفكير في فضول طلب العلم، فكيف بمن يتعانى التفكير، وكد التأمل في هذه المَاجَرَيات، فينفق ذهنه وذكاءه في سوق كاسد!

يروي البشير الإبراهيمي الجزائري عن طفولته قائلًا:

«كان عمي يشغلني في ساعات النهار بالدروس المرتبة في كتب القواعد، فإذا جاء الليل أملى عليَّ من حفظه، حتى أحفظ 100 بيت، فإذا طلبت المزيد انتهرني وقال لي: «إن ذهنك يتعب من كثرة المحفوظ كما يتعب بدنك من حمل الأثقال».

فانظر كيف كان يأمره بالتوقف عن الإفراط في زيادة الحفظ إبقاءً على ذهنه من الكلال، فكيف بمن يصرف ذهنه في قيل وقال، وحدث وجرى.

الصوم عن الأخبار

ويكون عبارة عن «انفصال مؤقت» أو «عزلة نسبية» عن الأخبار، من أجل إعادة تأهيل الذهن والتفكير للإنتاج العلمي والعملي.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب الموسوعات الشهيرة التي من أشهرها «اليهود واليهودية والصهيونية» (8 أجزاء) التي استغرق في تأليفها قرابة 30 عامًا:

«ولإنجاز الموسوعة كان علي أن أتبع نظامًا حديديًا في حياتي.. فعلى سبيل المثال كنت في الولايات المتحدة عام 1967 حينما وقعت النكسة، وقد احتفل الإعلام الأمريكي احتفالًا هستيريًا بالانتصار الإسرائيلي، ومع ذلك فقد بدأت رسالتي بعد الحرب مباشرة، متجاهلًا الصحف اليومية، والتليفزيون، والهيستريا الإعلامية، ثم نشبت حرب 1973، وكنت مشغولًا بكتابة موسوعة 1975، والتصقت زوجتي مثل معظم المصريين بالتليفزيون، واستمررت أنا في عملي ولم أتوقف، ولعل هذه القدرة على «الانفصال المؤقت عن الواقع» هي التي مكنتني من كتابة الموسوعة فيما يزيد عن ربع قرن، كان الصراع العربي الإسرائيلي في أثنائها يأخذ أشكالًا كثيرة».

ثم نبه رحمه الله على مقود التوازن حيث لا إفراط ولا تفريط قائلًا:

«وبالرغم من «انغلاقي النسبي» على ذاتي، وهو أمر أرى أنه ضروري أحيانًا ليحمي الإنسان نفسه مما هو شائع مألوف، وليقي نفسه شر التفاصيل، والتفاهات، ولغو الحديث، والأحداث اليومية، فإني لم أتقوقع قط، بل ظللت منفتحًا على ما هو أمامي، وعلى من هم حولي».

الغيرة على الزمن لأنه أنفاس

يقول ابن القيم في الفوائد «وكذلك يغار على أوقاته أن يذهب منها وقت في غير رضى محبوبه». وقال في مدارج السالكين في باب الغيرة «الوقت أعز شيء عليه، يغار عليه».

وقال أبو حامد الغزالي في الإحياء «فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها».

وقال ابن الجوزي في المدهش «وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم».

والحق أن التمعن في العمر باعتباره أنفاسًا، ومشاهدته يغادر بزفيره بين يديك فلا يعود، وأنه يذهب مع ما سُجل فيه من عمل، مشهد لا تكاد تطيق النفوس رهبته وأثره على العزيمة.

وأخيرًا أدعو القارئ الكريم إلى قراءة هذا البحث والكتاب الفريد، فإنه كما ذكرنا يعد مجهرًا يكشف للقارئ، ومرآة تواجهه بمعان يغفل أو يتغافل عنها، كما يمكن أيضًا إسقاط بعض مباحث الكتاب على ظواهر أخرى نالها قدر من المغالاة والإفراط غير المَاجَرَيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد