تشهد الكثير من دول العالم حربًا غير معلنة أطلق عليها مصطلح حرب الكمامات التي تستخدم للوقاية من وباء كورونا أو كما يطلق عليه علميا بكوفيد 19 (COVID-19) الذي تفشى في جميع دول العالم، حيث أوردت وسائل إعلام عالمية أنباء عن اختفاء شحنات من الكمامات والمواد الطبية الخاصة بمكافحة الفيروس. استدعى بعضها الإدلاء بتصريحات من مسؤولين رفيعي المستوى للتبرؤ من التهم من جهة، أو لتوجيه الاتهامات التي وصفت جلها ما حدث بعمليات القرصنة من جهة أخرى.

وتعد القرصنة من أقدم ظواهر الإجرام المنظم، فقد عرف الإنسان القديم القرصنة في أشكالها البدائية وامتهنها واختارها أسلوبًا لحياته في تلبية حاجاته الضرورية، وكان يستخدم في القرصنة أساليب بدائية إلا أنها كانت كافية لنجاح مهمته في الاستيلاء على أموال الغير في البر والبحر.

ويبدو أن كلمة القرصنة كانت ذات مدلول تاريخي، فهي مترجمة عن الكلمة الإيطالية كورسال وتفيد معاني عديدة: منها المغامرة في البحر بقصد اللصوصية، وقد لا تدل في بعض الأحيان على نفس هذا المعنى؛ لأن كلمة القرصنة تطورت واختلف استعمالها اللغوي بحسب اللغات المختلفة، فكل لغة أعطت للكلمة اللاتينية مدلولًا معينًا، والمدلول لا يخرج عن نطاق اللصوصية في البحار. ولم تعرف اللغة العربية كلمة القرصنة، بالرغم من أن هذه الكلمة استعملت في كتب التاريخ في مجال اللصوصية في أعالي البحار، وأحيانًا في مجال الدفاع عن النفس وأحيانًا كانت تستعمل بمعنى الجهاد البحري المعبر عن وسائل المقاومة البحرية عن طريق اعتراض سفن العدو والاستيلاء عليها.

وقد أصبحت كلمة القرصنة في العصر الحديث أعم من مفهومها السابق، وهي تطلق على أعمال العنف المسلح الذي يستهدف الاستيلاء على أموال الغير. وجاء تعريف القرصنة في القانون الدولي مقترنًا بأعمال العنف غير القانوني الذي ترتكبه سفينة ضد أخرى بنية النهب والاستيلاء على ما تحمله من بضائع وأموال، وقد حدد الفقيه الإيطالي جاكوبيني معنى القرصنة بقوله القيام أو محاولة القيام بأعمال عنف من جانب أشخاص على ظهر سفينة خاصة أو طائرة خاصة ضد أشخاص أو ممتلكات على ظهر سفينة أو طائرة أخرى بهدف السلب والنهب، كما أن القرصنة تشمل التمرد الناجح.

وقد اتخذت القرصنة في العصر الحديث مظاهر جديدة لأن معناها العام المعبر عن الاستيلاء غير المشروع عن طريق القوة على أملاك الغير ما زال قائمًا، ومن اليسير أن نجد مظاهر جديدة للقرصنة وأشكالًا متطورة في البحر والجو والبر، كما نجد أن الاستيلاء لا يتوقف عند حدود الاستيلاء على الممتلكات المالية، فقد تكون حقوق معنوية لأفراد أو لدول أو لشعوب، فالقرصنة هي الاستيلاء على حقوق الآخرين. (1)

أشكال القرصنة

ومع ظهور الحركات الاستكشافية، سواء من كريستوفر كولومبس وماجلان لاستكشاف الأمريكيتين، وسيطرة كل من إسبانيا والبرتغال على هذه الأراضي المكتشفة بدأت كل من فرنسا، وإنجلترا، وهولندا، وغيرها من الدول الأوروبية في ممارسة أعمال القرصنة ضد السفن الإسبانية والبرتغالية وظهر ما يعرف بقرصنة الدولة. قرصنة الدولة: أدت زيادة الحركات الاستعمارية بين إسبانيا والبرتغال من جانب، وفرنسا، وإنجلترا، وهولندا من جانب آخر، إلى زيادة أطماع كل دولة من هذه الدول في خيرات المستعمرات، سواء الجديدة أو الموجودة فعلًا، وأدى ذلك إلى كثرة الحروب بين كل هذه الدول، بل استعانت الملكة إليزابيث الأولى مكلة بريطانيا بالقراصنة في حربها ضد إسبانيا ومن هؤلاء جوت هوكينز وفرانسيس درليسك ووالز رالي وغيرهم من القراصنة، وذلك لما لهؤلاء من خبرات في مجال الملاحة البحرية لتحقيق الدعم للأسطول البحري خلال الفترة من 1701 ـ 1714م، وأصدرت لهم وثائق الاختطاف Letter of marque وهذه الوثائق كانت بمثابة خطابات أمان لهؤلاء القراصنة عن أعمالهم غير المشروعة، فضلًا عن ذلك كانت هذه الخطابات تضفي على أعمال القرصنة التي تتم بموجب هذه الوثائق صفة المشروعية من وجهة نظر هذه الدولة، بل وصل الأمر إلى أنه إذا تم مهاجمة هؤلاء.

القراصنة الذين صدر لهم وثائق اختطاف من جانب سفن تابعة لهذه الدولة فيتم القبض على هذه السفن ومحاكمة مستغليها باعتبارهم قراصنة عاديين. وكان هؤلاء القراصنة المرخص لهم بذلك يحضرون الغنائم التي اقتنصوها من سفن الأعداء، وتفضي المحكمة على هذه الأعمال الصبغة الشرعية ويتم اقتسام الغنائم بين القراصنة والدول التي منحتهم الترخيص. ومن هنا جاء مصطلح القراصنة المرخصين.

القراصنة المرخصون: وهم بحارة يملكون سفنًا تصدر لهم تراخيص أو تصاريح من حكومة دولة معينة، وتتم هذه الأعمال وفقًا لقانون وتعليمات معينة. وفي بعض الأحيان يكونون مساعدين للدول المانحة للترخيص أو ممثلين لمصالحهم (2). وهذا ما تشهده اليوم العديد من الدول التي تمارس هذا النوع من القرصنة ضد سفن وطائرات الدول الأخرى، وقد أشعلت الندرة غير المسبوقة في العالم للكمامات والتجهيزات الطبية وزيادة الطلب القياسي عليها وانخفاض مستويات إنتاج هذه المواد في جميع دول العالم بسبب إجراءات الحجر الصحي وحظر الجولان وتعليق نشاط المؤسسات والمصانع ومسالك التوزيع، وإغلاق المجالات الجوية، والبحرية، والبرية، أدى ذلك إلى شلل تام ما دفع بالدول إلى استغلال المسالك الدبلوماسية الغير تقليدية والرحلات الخاصة من أجل توفير المعدات الطبية والشبه الطبية، وبالرغم من هذه الحلول يبقى المشكل الأساسي هو ندرة هذه المعدات، وذلك ما شجع مجموعات الجريمة المنظمة واللوبيات التي تسعى إلى زيادة أرباحها إلى إنتاج معدات مقلدة أو ذات مواصفات منخفضة الجودة، أو ترويج لسلع منتهية الصلاحية عبر هذه الرحلات الاستعجالية.

وفي سياق متصل قال أندرياس جايزل وزير داخلية ولاية العاصمة الألمانية برلين أن مسؤولين أمريكيين في تايلاندا صادروا كمامات وجه طبية متهمًا الولايات المتحدة بـالقرصنة العصرية واستخدام أساليب الغرب المتوحش. (3)

كما صرح وزير التجارة التونسي في حوار تلفزيوني أن سفينة محملة بالكحول الطبي كانت قادمة إلى تونس تم سرقتها في عرض البحر من قبل ايطاليين وقد عمدوا إلى تغيير وجهتها كما وقع مع حادثة استيلاء التشيك على شحنة كمامات أرسلتها الصين إلى إيطاليا للمساعدة في مكافحة فيروس كورونا وأضاف وزير التجارة التونسي أن كلّ الدول تعيش اليوم حالة من الهستيريا، على خلفية تفشي كورونا. (4)

وقد صادرت التشيك 110 آلاف كمّامة كانت قد اشترتها إيطاليا. وتم حل المشكلة، بعد تدخل القنوات الدبلوماسية. وواجهت روما مشكلة مماثلة مع باريس، حيث احتجزت السلطات الفرنسية كمامات اشترتها شركة الرعاية الصحية السويدية مولنليكه (Mölnlycke) لصالح كل من إيطاليا وإسبانيا.

وبعد تدخل الحكومة السويدية، وافقت فرنسا على تسليم جزء من كمية الكمامات المحتجزة إلى كل من إيطاليا وإسبانيا، الأكثر تضررًا من الفيروس. وبعد نحو أسبوعين من الجهود الدبلوماسية، أرسلت باريس نصف كمية الكمامات المحتجزة فقط إلى إيطاليا وإسبانيا. فيما أعلنت الشركة السويدية أن طلباتها لشراء الكمامات لصالح إيطاليا وإسبانيا ستمر مستقبلًا عبر بلجيكا، لتفادي تكرار ما حدث.

وقال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون أن قضية الكمامات تعبر عن قضية سيادة وطنية حساسة، وإن فرنسا بدأت بزيادة إنتاجها من الكمامات ومعدات الحماية اللازمة من الفيروس.
كما صادرت ألمانيا 240 ألف كمّامة كانت معدّة للتصدير إلى سويسرا، التي أطلقت بدورها مبادرة دبلوماسية لحل المشكلة.

وأعلن رينو موسيليه، رئيس منطقة باكا الفرنسية (جنوب)، أن الصين أرسلت كمامات ومنتجات حماية أخرى، كانت قد طلبتها فرنسا، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف أن الأمريكيين اشتروا الكمامات، التي طلبها الفرنسيون، ودفعوا ثمنها للصين نقدًا، فغيرت طائرة الشحن مسارها من فرنسا إلى الولايات المتحدة. (5)
وتداولت وسائل الإعلام الإسبانية تصريحات لوزيرة خارجية مدريد أرانتشا غونثاليث لايا تفيد بمصادرة السلطات التركية في مطار إسطنبول آلات التنفس الاصطناعي قادمة من الصين، وهي آلات ضرورية لمواجهة الحالات الحرجة لمرضى فيروس كورونا، لا سيما وأن إسبانيا تسجل ثاني معدل في المصابين بعد الولايات المتحدة وثاني معدل في الوفيات بعد إيطاليا.

وشنت المعارضة حملة قوية ضد حكومة مدريد مطالبة إياها بضرورة الضغط على تركيا واللجوء إلى القانون الدولي لوضع حد لهذه القرصنة. واعتقدت الحكومة بدورها أن تركيا قامت بسرقة آلات التنفس.

وقد أعلنت إسبانيا في ما بعد أن تركيا لم تصادر آلات التنفس الاصطناعي القادمة من الصين، بل يتعلق الأمر بأجهزة مصنعة في تركيا وكانت تنتظر التأشير فقط للتصدير. (6)
دور أجهزة المخابرات في عمليات القرصنة:

وأفاد مختص مطَّلع بالشؤون العسكرية في الكيان الصهيوني لعرب بوست، بأن الموساد كثف جهوده لاعتراض وقرصنة كثير من شحنات الأدوية والمستلزمات الطبية وهي في طريقها من أوروبا الغربية والشرقية والصين واليابان، بحيث تكون في طريقها من الدولة المصدرة إلى نظيرتها المستوردة.

ويقوم الموساد، بدوره بتقصي أثر ومسار الطائرة المحملة بالشحنة الطبية (أجهزة تنفس اصطناعي، وشرائح فحص كورونا، ومواد كيماوية لازمة للفحص، وأدوية، إضافة إلى مستلزمات وقائية مثل الكمامات والألبسة).

وعند لحظة هبوط الطائرة في مطار مُحايد لغرض الشحن قبل إكمال مسيرتها نحو الدولة المقصودة، يقوم عناصر الموساد باعتراضها عند مدرجات المطار، وعقد مقايضات مع الجهة المصدّرة؛ ومن ثم تحويل مسارها إلى تل أبيب.

ووفق ما كشفه مصدر يقيم في أراضي 48، لعربي بوست، فقد تمكنت أجهزة استخبارات إقليمية وعالمية من قرصنة شحنات طبية، بينها أجهزة تنفس اصطناعي، بعدما اشترتها إسرائيل من شركات دولية، حيث تم اعتراض الطائرة التي تقل الحمولة عند مدرجات مطارات أوروبية وحتى في الهند وسنغافورة وأفريقيا وأيضًا في منطقة الشرق الأوسط.. هذه الوقائع، زادت من الطابع السري لعمليات الموساد الشرائية؛ خشية رصد مسار الشحنة والاستيلاء عليها من قِبل أي دولة كانت. (7)

وحسب موقع i24 الإسرائيلي فقد صرح ضابط سامي في وكالة الاستخبارات الإسرائيلية الموساد أن وكالات التجسس في العالم تسخر كل جهودها في التسابق نحو الحصول على المعدات الطبية. وكما صرح مسؤول قسم التكنولوجيا في حوار أجرته معه القناة 12 حسب الموقع الإخباري ذاته أن جميع الدول مجندة في الوقت الراهن لمعركة سرية ومفترسة للسيطرة على الكميات المحدودة لأجهزة التنفس الاصطناعية، وبأي ثمن كان. وعن طريق الثغرات التي يعملون على إيجادها. ويقول إنهم يستغلون جميع اتصالاتهم الخاصة من أجل السيطرة ووضع اليد على الكميات التي تم طلبها من قبل الآخرين. ويوضح في مثال عن إحدى عملياتهم في إحدى الدول الأوروبية أن شاحناتهم وصلت إلى حد أبواب المصنع، لكن إحدى الدول تمكنت من شحن المعدات. (8)

وحسب منظمة الصحة العالمية أن أحدث الإحصائيات المحينة لحد كتابة هذه الأسطر تقدر: ب 138 مليون و688 ألف و383 حالة إصابة مؤكدة لفيروس كورونا، كما يقدر عدد الوفيات بالفيروس بمليوني و978 ألف و935 وفاة. (9) وقد وضحت منظمة الصحة العالمية أن عدد الجرعات المقدمة من اللقاح ضد الوباء قد قدرت ب751 مليون و452 ألف و563 جرعة لقاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد