من أجمل الأقدار في هذه الحياة أن يسوق الله لك رزقاً، فتستقيم حياتك، وتأمن فاقتك، وتصون كرامتك، وتحفظ ماء وجهك، ومن أجل الأقدار أن يهيئ لك الأسباب ويذلل لك السبل للعمل في مؤسسات خيرية، ومنظمات مجتمعية إنسانية حقيقية تُعنى بالفقير، وتأوي الشريد، وتكسي العاري، وتعلم الجاهل، وتحمي اليتيم، وتمنح السائل، وتطعم الجائع، وتروي العطشان، وتبلغ المحتاج حاجته، وترفع الفاقة والعوز عنه.

إنه لشرف كبير أن يسخرك الله لتكون سفيرًا في خدمة الآخرين، وإنه لاصطفاء أن يصرِّف عمرك لفعل الخير فتتقلب بين سحائب الحسنات نهارًا، وبركات الدعوات ليلًا، وخمائل النفحات التي تتعاظم كلما ازددت عطاء، فتكون سببًا لسعادة ذاتك ورفع تعاسة غيرك في آن واحد، فتحوز خيري الدنيا والآخرة.

إن السعادة كل السعادة أن تسلك دروب الخير، وتقصد سبلها ومنابعها كلما سنحت لك الفرصة وبسطت لك الأسباب، كون المفتاح الذي ستحمله سيكون أملًا وأمانًا لمن ستقصد دارهم، وتطرق بابهم، فلا شك أن من خلف تلك الأبواب المحتاج والفقير، والأرملة واليتيم، والضعيف والكسير، والمحبط واليائس، والغارم والمسكين الذين سترسم لهم ذلك الأمل وتعيد إليهم جمال الحياة وبريقها، الذي طالما افتقدوه ونسوا أنهم يعيشون في بحبوحة عليها أناس يأكلون ويشربون ويضحكون ويتنعمون بخيرات الحياة.

وقياس شرف المهنة والمهمة في هدفها وغايتها؛ فعندما يصطفيك الله من بين خلقه لصنع المعروف وزرع الخير فقد نلت الشرف وسموت بالهدف ألا ترى أن خير البشر، عليه الصلاة والسلام، قد جعل من هذه المهمة تضاهي أعلى قمة وبذل في الإسلام بقوله: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله».

وقال الشاعر:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ** لا يذهب العرف بين الله والناس

من يزرع الخير يحصد ما يسر به ** وزارع الشر منكوس على الراس

كما أن المرء يسعد بفضائل هذا الدرب كون العمل والأجر فيها متعديًا ولا يقتصر نفعها على النفس فقط أو الحال، بل يتجازهما وبهذا يتسابق أهل الخير لاغتنام هذا الفضل كون العمر قصيرًا وسريع الانقضاء، ويبقى الأثر والأجر، يقول عليه الصلاة والسلام: «لأنْ أسعى في حاجة أخي أحب إليَّ من أن أعتكف في مسجدي شهرًا»، فالأعمار قصيرة، والوقت ينفد، والفائز من بارك الله له في مثل هذا الخير، وساقه إلى هذه البحبوحة الربانية.

روحانيات في سوق العمل الخيري

لا شك أن الأعمال الخيرية والإنسانية تعطي المرء شعورًا بالراحة، وتقذف في روعه الروحانية الحقة، وتسدل على قلبه سحائب السعادة، والإحساس بالاطمئنان، والشعور بالاستقرار النفسي، كما تخالجه سلوكيات أخلاقية وإنسانية راقية، وقيم عالية مثلى، وثقافة سامية بسمو ما يقوم به من أعمال، وما يقدمه من جهود تضفي عليه شرف الكسب لشرف الهدف الذي يسعى إليه، كما تخلق في ذاته وبين طياته مشاعر الحب، وفيضانات من الرحمة والحنو والعطف، والأنس الذي يخالج روحه كلما زاد عطاءه وتنوعت مجالات خدماته، فيرحم من دونه، ويحترم من فوقه، ويبتسم لمن هم في مستواه شعاره سأتدثر ببساط الفقير، وبساطة المسكين، وبسمة اليتيم، وأتزين بفرحة الأرملة، وأستقوي بدعوة العاجز، وأشدوا بنغم الأذان، وهمهمات العباد في الهواجر.

لم لا فصاحب الخير يتنعم في حياته بالمكرمات بالتقلب بين جناتها عن يمين وشمال، أينما ولّى فهو بين بساتين الدعاء، وحيثما يمم شطره تجده بين بلابل الربيع المغردة بمقامات القرآن، وحيثما وقف تجده بجوار جنات ذوات الأقدام الطاهرات.

استغلال العمل الخيري

قد يصير الخير سبيلّا للبغي، ومرتعًا للظلم، ومنبرًا لجلد العامل، وكسر الخواطر، فبعض تلك المؤسسات تفوح منها تلك الرائحة، وتسود بين جنباتها تلك السلوكيات.

فهناك العديد منها من تتحور الأهداف الظاهرة في داخلها إلى سراب، والمفاهيم المرسومة إلى لجج غامضة، فتقضي على الظاهر الزاكي إلى أفلام درامية وحبكات بهلوانية فور دخولها إلى مكاتبها، فعندما يخلو جو الإدارات بأفرادها يتغير قناع الرحمة  إلى شبح، ويتبدل الحنو على الأرملة واليتيم إلى أسد كاسر يفتك بأتباعه، ويتحور الهدف السامي إلى نزاعات شخصية ومغالبة ولي للأذرع، وعندما تتحول المهنة من جبر للخواطر إلى كسر الأواصر، وعندما يخفت التأمين على الدعاء عند افتتاح بئر أو مسجد إلى صوت يعلو على العامل، وعندما يتحول من محاضر يحمل قبعة في أحد زوايا المساجد إلى جاحد وناكر لكل جميل في أداء موظفيه في المكاتب، وعندما تتحول راحة اليد من المسح على رأس اليتم وحضن المشرد إلى استحقار لجهد الموظف واستصغار لدوره، وعندما يهدي الكسوة والعيدية للمحتاج والطفل والأرملة وتسلب العامل الاستقرار النفسي، وعندما تبني مسكنًا للأسر الفقيرة، وتنزع أمل المعتكف لديك في مكتبه، وعندما تتلطف للشيخ والعجوز وتهزأ بمن أوصل الخير لتلك القرية أو ذلك المكان البعيد والمترامي الأطراف، وعندما تفتح مدرسة لتعلم الجاهل هناك وتجهل العامل بالاستخفاف بقدراته وتهميش مستواه، وعندما تطلب الإبداع ويثقل لسانك بكلمة تحفيز أو أسلوب الشكر.

قد يستغرب الكثير من هذا التصرف، أو قد يقول قائل أن هذا ضرب من الخيال وهذا التحور غير المبرر في بعض إدارات العمل الخيري! لكن أيها القارئ اللبيب لا تستغرب كثيرًا؛ فطول الأمد يكسب تلك الإدارات هذا الأسلوب، ويجعلها تنتهج هذا النهج المريع كونها تستكثر إنجازاتها وأعمالها ولولاها لما كانت هناك مؤسسات، ولولالها لما كانت إنجازات وأعمال على الواقع حتى تصير ربما ورقة رابحة أو –ضغطًا- بأيديهم عند أدنى مشكلة، فتتحول تلك العقول ذات الخبرة الطويلة في هذا العمل الريادي إلى اعتبار تلك المؤسسات إقطاعية خاصة بهم، أو ملكية خالدة بين أيديهم فأمنوا مكر الله من جانب، كما أمنوا أي إجراءات إدارية عليا من جانب آخر كون الثقة المفرطة في أداء الكثير من مؤسسات العمل الخيري غالبة على العمل الإداري، بالإضافة إلى أن الرقابة في غالب أعمالها وتقييمها تركز على الموظف العادي والمستويات الأدنى، وتترك الرؤساء، فما تقوله تلك الإدارات هو الحقيقة، وما ترفعه فهو الواقع، ويا ترى من يصدق ذلك الموظف المسكين ومن يسمع همومه أو ينظر إلى شكواه، فإن حاول تجاوز مستواه الإداري ليبث شكواه تم قمعه ونفيه، وإن تم السماع منه لم يسلم مما ينتظره من سلوك وتعامل سيئ، يسود نهاره ويذهب اطمئنان ليله، إلا أن هناك حكمة إلهية قد يخيل للبعض أن بقاءه في مركزه منقبة ومكرمة لكنها نقمة ومزلق سلس يسوقه إلى الاستدراج قال تعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولمن امتلأ قلبه بجور الإدارات وسوء المعاملات تذكر: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ففوض البصير، ولا تستعجل التقدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد