أصحو فى الواحدة مساءً متقلبًا على سريري مع شعور عارم بالسعادة والانتشاء المفرط، لا أعلم هل هو بسبب الحلم الجميل الذى كنت أحلم به، أم أنه بسبب أنني ذقت كفايتي من النوم؛ مما حدا بأحلامي أن تكافأني وتتجمل لي هذه الليلة، ربما ليس هذا ولا ذاك، وإنما بسبب أن اليوم هوا إجازة آخر الأسبوع، وليس علىَّ الاستيقاظ مبكرًا ككل يوم.

أتناول إفطاري المعتاد على عربة فول أبي أحمد المتمركزة في وسط الجماهير المتعطشة لالتهام أكبر قدر من الطعام، وأحاول جاهدًا أن أستذكر أجواء الحلم، ليس فضولًا فقط، وإنما لإيمانى الشديد بأن الأحلام لا يجب أن تُهمل أبدًا، وإنما هي علامات كما يقول فرويد: بأن الأحلام عادم يخرج فضلات الروح ورغباتها المكبوتة لا أكثر.

ألتهم شطيرة الطعمية الثالثة والأخيرة لي، ولا أتذكر شيئًا سوى أننى كنت أحلم بفتاة كنت أعرفها فيما مضى، لا أقدر على تقييم شعورى تجاه الحُلم، هل كنت فعلًا سعيدًا لأننى تركتها، أم أننى كنت سعيدًا لأنها أوهمتنى أنها لم تتركني، ربما فقط أنا سعيد لأنها وُجدت في أحلامي؛ مما يوحي لي بأنها لم تختفِ بعد من عالمي إلى الأبد كما أحاول أن أقنع نفسي! وأن هنالك فُتات الحنين ذاك الذى يباغتك، ويظهر لك من أوقات لأخرى؛ ليذكرك بأن هنالك أشياء لا تزال.

أحاول أن أتذكر كيف التقينا وكيف ارتحلنا، على حد ذاكرتي إذا لم – أقم بتزويرها بخداع نفسي – فهي من تخلت عني في آخر المطاف، وأنا بالطبع لم أكن نبيلًا كما يكون أبطال الأفلام والروايات، وإنما قابلت ذاك التخلى بتخلٍّ مثله، وربما أشد، بأنني لم أُحكمْ الإمساك بطرف الحبل، بل أننى شددته حتى انقطع!

ربما يرجع ذلك لأننا كنا غير ناضجين بالشكل الكافي، وربما لأنني كنت أرى أن مثل هذه العلاقات هي مجرد لعبة مراهقة لا أكثر؛ لإثبات لرفقائى بأنني قادر على مصاحبة فتاة مثلهم، وما إلى ذلك من هراء عقد نقص ما قبل النضوج. أو ربما كانت هي الضحية، كما أنا موقن بأنها تدعي الآن، وأنني وغد نرجسي لا أكثر بالنسبة لها.

لكنني أتساءل: ما الذى يجعل فتاة شفافة مرهفة الحس يكاد يخرج لها جناحان من فرط الملائكية أن تبعث برسالة لمثل ذاك الوغد كي تطمئن على حاله بعد فترة طويلة من هجره، وتدعوا له بالتوفيق كما تزعم، هل هي لحظة تهور، أم أنها لحظة إنسانية منها؟ مع أنني أرجح أنها لحظة حنين لا أكثر، وأنها ربما تريد أن تفتح الصفحات المطوية، وترجع الماء إلى مجاريها!

لكن لماذا تجاهلته كل الأوقات السابقة التي كان فيها يلملم ذاته، وكانت هي تراه منكسرًا هشًا بدورها! لماذا اختارت هذا الوقت بالذات كي تطمئن عليه، وهي تعلم أنه ليس بحاجة لهذا النوع من الإحسان وادعاء الاكتراث! وإنه هو الآن قوي بدوره وبجانبه من هم يهتمون لأمره حقًا. عندما أفكر فى هذا السلوك لا أقدر على تفسيره سوى أنه صادر من شخصية طفل، كان قد قرر التخلى عن صديق له، وعندما رآه سعيدًا مع آخرين بدونه، خدش ذلك كبرياءه وجعله يحاول جاهدًا أن يرجع الود بينهم، بمعنى آخر يحاول أن يستعيد لعبته!

هنالك نماذج عدة لعلاقات غير ناضجة كانت قد فرضت نفسها على معظمنا فى سن مبكرة، ربما علمتنا أشياء واستفدنا منها، وربما تركت بنا ندوبًا ساذجة يسهل التئامها مع الوقت، ولكن ما هو موقنٌ منه تمام اليقين أنها خلقت بداخل البعض منا نوعًا خاصًا من الخوف، نوعًا خاصًا من الفوبيا يدعى: فيلوفوبيا philophobia، أو الخوف من الوقوع في الحب.

ونتيجة لذلك فهم يشعرون بأن الوقوع فى الحب شيء يجب عليهم تجنبه، بل الهرب منه إذا كانت بعض المشاعر قوية بما يكفى لمهاجمة سكون حياتهم، ربما يرجع ذلك لمرورهم بعلاقات سابقة فاشلة، أو ربما بسبب تلك القصص التراجيدية التى يُغرقنا بها مَن حولنا – ممن فشلوا بتجارب أيضًا – بتصوير الحب لنا على أنه شبح لا يجب أبدًا السماح له بالتسلل إلى عالمنا، وإلا سينتهى بنا المطاف مثلهم، والحقيقة أنك تنظر لهم ولا تجدهم جُنوا كما يدعون، وإنما هم أناس أصحاء لا تشوبهم شائبة ياستثناء اتباعهم المفرط للمَثل الشعبى القائل: داري على شمعتك تقيد، وأنهم ما زالوا يطبقون هذا المَثل معك أنت! فى أشياء انتهت أصلًا بالنسبة لهم.

يأتى هنا شبح آخر لا يقل خطورة عن الفيلوفوبيا، بل إنه يدور معها فى دولاب واحد، ألا وهو فوبيا الالتزام commitment phobia، والذي كتب عنه عالم النفس الكندي Stanley Rachman كتاب بعنوان: الخوف والشجاعة، وناقش فيه أسباب فوبيا الالتزام، وأنه ناتج عن التجارب والبيئة المحيطة بالإنسان، وكان الاستنتاج الصادم بأن فوبيا الالتزام ليس كباقى الأنواع من الفوبيا بأنها خوف أو رهاب من شيء سيئ، وربما نستطيع أن نتجنبها، وإنما هو جزء متأصل من مشاعر الحب لدي الشخص الحامل لها إذا وجدت، بأن حبه دومًا مقرون بالخوف.

الخوف من الإلتزام وتحمل المسؤولية تجاه شريكه؛ مما يحول حياته إلى مآساه بأنه يريد أن يعيش تجربة الحب كاملة مع شريكه، وأن يقدم له كل ما يستطيع، ولكنه لا يستطيع، لأنه أجبن من فعل ذلك، أجبن من أن يعطى وعدًا ويلتزم به، فيتحول إلى شريك فاشل، ويحول حياه شريكه إلى مأساة آخرى بدوره، كونه قد ضحى من أجله بأشياء عديدة، وربما كان يساعده على التغلب على هذا الخوف، ولكن الآخر كان غير قادر على اتخاذ قرار. كان غير قادر على الحب، فتلخصت حياته في جحيم كما يخبرنا دوستويفيسكى بتعريفه له: بأنه عذابُ الإنسان من أنهُ أصبح لا يستطيعُ أن يحبّ.

فهل تعبث بنا الفيلوفوبيا لهذا الحد!

أم أننا ما زلنا قادرين على الحب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد