الأستاذ الأديب سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي المصري، المفكر والشاعر واللغوي البارع، من أبناء الصعيد الشرفاء، ولد بمحافظة أسيوط وتعلم كتاب الله فيها حتى أتم حفظه وإتقانه، تدرج في تعليمه حتى تخرج في كلية دار العلوم قسم الآداب 1933م.

عمل مدرسًا فترة في مصر، ثم بعد ذلك سافر إلى أمريكا وظل بها عامين، ثم رجع إلى مصر مُنفتح البصيرة بالعالم الغربي الذي ينقم على بلاد الشرق بكل وسيلة!

فطن الأستاذ سيد قطب رحمه الله إلى تلك الحالة التي يعيش فيها الغرب؛ والتي ينخدع الكثير بمظاهرها وشعاراتها، حتى جعله يقول عن أمريكا: «شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والارتقاء، بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى، بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور والسلوك. إنها حياة عمادها اللذة والنجاح العملي، وأنه لا حساب فيها لأي خلق من الأخلاق، التي تعتز بها الإنسانيَّة. وإن كل القيم الخُلقية هي موضوع السخرية عن الأمريكان».

محبة الناس

عاش الأديب سيد قطب، رحمه الله، مُحبًّا للناس، مؤمنًا بأن الخير فيهم أصل وفطرة وسجيَّة؛ وأن ما يعتري الإنسان من صور الشرور المختلفة إنما هو استثناء طارئ على النفس البشرية العظيمة، التي أحياها الله بروحه التي أفاحت الخير في الوجود الإنساني الكبير.

لو أننا تأملنا شعور القطب الأديب وهو يتكلم عن الخير والشر في الناس، لأدركنا هذه الحقيقة الجلية عن سيد قطب، رحمه الله، يقول: «عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة.

لقد جربت ذلك. جربته مع الكثيرين. حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور.

شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية – غير المتصنعة – باهتماماتهم وهمومهم. ثم ينكشف لك النبع الخيِّر في نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص.

إن الشر ليس عميقًا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي نتصوره أحيانًا. إنه في تلك القشرة الصلبة التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء. فإذا أمنوا تكشفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية. هذه الثمرة الحلوة، إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم، و على أخطائهم أو على حماقاتهم كذلك. وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله، أقرب مما يتوقع الكثيرون.

لقد جربت ذلك، جربته بنفسي. فلست أطلقها مجرد كلمات مجنحة وليدة أحلام وأوهام»

كما كان سيد قطب، رحمه الله، ودودًا بالآخرين، كان على ثقة من واجبه تجاههم، وأن تعليمهم ما ينفعهم هو عظمة الشعور الإنساني في هذه الحياة القصيرة، حتى وجدناه يقول: «حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلًا، لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة.

إن العظمة الحقيقية: «أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطأهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع.

وليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقًًا. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد: هو العظمة الحقيقية».

الحُب العفيف

إن عظيم جمال الحب وكمال روحه التواقة إلى الخيرات والسعادة، والأُلفة بين المُحبين لا تُنال إلا بمقاييس مختلفة عن مقاييس الشهوة والغريزة، وليس حبًّا بالمنظور الذي عبَّر عنه الدكتور على الوردي حين قال: «ما الحُب إلا شبكة يتصيد بها صاحبها ما يشتهي كشبكة العنكبوت».

وقد لام الشيخ سيد قطب، رحمه الله، على هذا الصنف السيئ من الناس؛ الذين يجعلون من صفاء الحب الطاهر سبيلًا إلى نزوات الطفولة والمراهقة؛ حتى وجدناه ينشد قائلًا:

إن ذكرتُ الحب قدسيًا نقيًّا ** حسبوه من خيال الشعراء !

إنني أُدركه روحًا خفيًّا ** يهبط الأرض ومأواه السماء

وهم يبغونه إثمًا فريًّا ** يُرتدى في أثواب البغاء!

الحُب الإلهي

لطالما كانت أزهار الحُب متفتحة في قلب الأستاذ سيد، رحمه الله؛ حُب الناس إلى الهداية، وحُب الهداية للناس، وحُب السعادة الكونيَّة المستجلبة من واهب الحياة للبشر على هذه الأرض المحدودة الميعاد.

ولأن الله، عز وجل، قد وهبَ الوجود حُبًّا للموجود المُعمِّر المتمثل في هذا الإنسان الذي أحبه الله وخلق كل شيء لأجل حبه له؛ فصيَّر العقل في النفس للتعقل والرشاد، وأنزل الكتب الهادية للناس، وأرسل الرسل المُبينين للبشر طريقهم القويم ومآلهم السليم.

لأن هذا يُجلي عظمة المحبة الإلهية؛ فقد أحس سيد قطب هذا الإحساس الرفيع عندما عاش زمنًا في رحاب المقام الإلهي المُعظم (القرآن الكريم)، وقال هنا: «لقد عشت أسمع الله – سبحانه – يتحدث إلي بهذا القرآن. أنا العبد القليل الصغير. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟»

لقد عاش قطب مع القرآن معيشة المُحب لا معيشة القارئ.

حتى فتح الله له آفاق الأسرار والهبات، وما كانت لتنفتح لولا صدق توجهه ومثابرته وصبره على طريق الحق والمعرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد