أجزم أن من لا يتمنون المدينة الفاضلة، هم الذين يحبون الشرّ أكثر من الخير، ويفضلون الظلم على العدل، والباطل على الحق، وهؤلاء هم أساس تبعثر الحروب في الأوطان، وهم ومن يجنون الصراع في بلدانهم، ويحبون أن يظل النزاع الداخلي مستمرًا. ولا يوجد معاكس لتلك الصفات، ويوجدون من يطبقون ما لا تطبقه أيادي الشر، إلا قلة داخل أقلية، وهم من يمتلكون الحكمة، ولهم فضل كبير في فلسفة الحياة الحسنة، لذا هم سيكونون الزعماء الأخيار، وبعد ذلك البقية سيكونون طيبين إذا كان الزعماء فلاسفة وحكماء. ليس هناك ريب من أن أحدًا ما، لا يتمنى أن يسكن في مدينة مثالية، ينبثق فيها النور، ويجتمع فيها كل شيء حسن، من الشيء الصغير حتى الكبير، وينعم بحريته ورفاهيته، ويكون فيها شعب مفعم بالسعادة.
المدينة الفاضلة هي مدينة تنتظر فلاسفة، لم يبقَ إلا الفلاسفة  لكي تكون مدينة مثالية، ولكن المشكلة أن الفلاسفة الحقيقين انتهوا، فمن المحتمل أن لا تكون هناك مدينة فاضلة مثل التي يصفها الفلاسفة، إلا إذا كان للملوك قدر نبيل من الحكمة والفلاسفة. بالرغم من هذا لن تكون بقدر ما كان يوصفها الفلاسفة.

ما يميز المدينة الفاضلة هو أن يتوفر فيها كل شيء، ولن يكون فيها شعب فقير يتطرق إلى الشعور بالحزن، أو هناك فساد في الدولة، أو فساد من المواطن نفسه، ولا يوجد فيها شيء يؤدي إلى انتفاضة حروب أو معارك، ولن  يكون أحد أرفع من أحد، وسيجتمع لبنائها الموظف، والعامل، والمسؤول، رجل أم امرأة، كبير أم صغير، في كل سوق، أو محل تجاري، وكل موسسة حكومية، وفي المدارس، والجامعات، سيكون عمل واحد يحمل في طياته معاني سامية.

تمنى الفيلسوف الشهير «أفلاطون» المدينة الفاضلة، وكان يحلم بأن تكون تحت حكم الفلاسفة؛ ذلك لأنها في ظلّهم ستكون مدينة ناجحة، وسامية بكامل معاني الفضل. لقد كان يظن ذلك؛ لأن حكمتهم ستجعلها مدينة فريدة من نوعها، ومن خلال حكمهم سيكون كل شيء في هذه المدينة جميل وجيد، ومن خلالها سيكون الناس سواسية، ويعملون من أجل تحقيق هدف واحد، وبذلك سيكون الشعب برمته مغمورًا بالسعادة دون أدنى شك.

لم يكن أفلاطون الوحيد الذي يرغب بأن تكون هناك مدينة «طُوبَاويّة»، بل كان الفلاسفة يصبّون تخيلاتهم وأفكارهم في كتاب، غير أن هذا الكتاب لو تطبق، لرأينا أفضل مدينة فاضلة على الإطلاق، من خلال ما كتبوا عن المدينة فلاسفة كثير، الذي كان على رأسهم «أفلاطون، وأغسطين، والقديس، وكمانيلا، وكذلك توماس مور، و الفارابي الفيلسوف العربي أيضًا».

لم يعش الفلاسفة حياة سعيدة، وإلا لما كانوا يحلمون بمدينة فاضلة. بالنسبة لأفلاطون فلقد أعدموا أستاذة «سقراط»، وهذا شيء ليس بالسهل، ليس هذا فقط، إنما إنما كان يرى أمام عينيه ظلم واستبداد الحكام وتعسفهم. أما عن الفارابي، فقد كان يرى بأم عينيه تدهور السياسة وفتور الدولة العباسية، وتقسيم الدولة إلى ولايات أيضًا. و«تومس مور» عاش في حكم ملك، جعل مصيره الإعدام، وتعليق جثته على جسر لندن. وآخرون كانوا يعيشون في ظروف أكبر من صعبة، وأخطر من مستعصية، وكان السبب الأكثر هو ظلم الحكام.

كل فيلسوف كتب مدينته الفاضلة بحسب ثقافته وحكمته التي تنطوي على ففلسفته، وبحسب المكان الذي يقطن فيه أو خُلِق وترعرع فيه، وما احتوى العصر من أشياء، وما حدثتْ من تقلّبات وأحداث أثناء حياته. لذلك عملوها وأتقنوها بهمة عالية، وبحماس كبير، كما يرى الباحثون. وظل كتاب «جمهورية» أفلاطون مصدرًا هامًا وواضحًا للمدن الفاضلة التي كتبها الفلاسفة، الذين كانوا من بعده، وكان مصدر إلهامهم وقت الضرورة.

قال «أرسطو» «الإنسان مدني بالطبع». وكذلك طرح الفارابي صفات أخلاقية، من الضروري  أن يتمتع بها حاكم المدينة. كذلك كانوا يقولون: لا يحكمها فيلسوف قط، حتى لا يتطمع بالحكم، إنما يحكمها فلاسفة كثيرون، تحت حكم زعيم فيلسوف لهم؛ لأن كثرتهم ستجعل المدينة آمنة مستقرة، والحياة طبيعية، ومن خلال حكم الفلاسفة لن يحدث للمدينة انهيار اقتصادي في يوم من الأيام، حتى ولو بعد حين من الزمن، ولن تحدث انقلابات على الحكم، ولن يقوم سكانها بعمل ثورة، ما دامت تحت حكم كثيرين من الفلاسفة، وكبيرهم سيكون الملك الفيلسوف الذي تساءل عنه أفلاطون، وقال: من الصعب صنع الملك الفيلسوف؛ لأن الملك دائماً ملك، والفيلسوف فيلسوفٌ، فكان له رأي يقول: لا بأس بأن يتفلسف الملوك، وهذا لكي يتزودوا بالحكمة، وبسياسة شؤون الدولة بوجه كامل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد