تأثير المجتمع في النهضة والابداع

لماذا البيئة العربية بيئة طاردة للإبداع؟ وما علاقة الاختلاف الفكري والتعدد بالإبداع؟

عندما نرى مجتمع تتشابه فيه جميع أطيافه في الجوانب الفكرية والعقائدية فتلك ظاهرة تدل على أنه مجتمع محاط بنخب تتصف بالاستبداد الفكري، بحيث لا يستطيع فيه الآخرون المختلفون من إظهار طقوسهم الفكرية وممارستها في ذلك المجتمع بحرية وأمان، فيكون الأفراد فيه مجردين عن التفكير قسرًا، وتصبح النخب الاجتماعية هم الذين يشكلون الطريقة التي يجب أن يعيش وفقها الآخرون، وبذلك يصبح المجتمع متجانسًا ومتشابهًا في النمط الفكري السائد فيه،  فتصبح بيئة طاردة للأفكار المختلفة والجديدة.

ووفقا لهيجل فإن كل فكرة جديدة تولد معها نقيضتها، ومن ثم صرح الأفكار يولد الإبداع وتحقيق الذات والثروة الفكرية.

وهنا ربط هيجل في منهجه أن الاختلاف الفكري يخلق بيئة مفكرة تكون فيه الصراعات الفكرية وسيلة للوصول إلى غاية، وهي السمو في عالم التفكير والفلسفة؛ مما ينعكس على المجتمعات في مستوى وعيهم وإبداعهم، كما حدث في العصر اليوناني قديمًا والدول الأوروبية في العصر الحديث.

وقد لا تخلو الصراعات الفكرية من ضرائب باهظة تدفعها المجتمعات، حيث قد يحمل الصراع الفكري شيئًا من العصبية التي تتعب المجتمعات من قبل بعض الأفراد والجماعات المتعصبة، إلا أنه بالضرورة ستتغلب الأفكار على العصبيات وتهزم المشكلات التي تنتج عنها؛ لأنه لا يمكن للصفات الشخصية مهما كان سوؤها أن تهزم الفكر، فلا يوجد سلاح أقوى من سلاح المعرفة. وبالضرورة أيضًا فإن المجتمعات التي تعيش ذلك الصراع ستصل إلى مستوى الفضيلة والحياة المرجوة.

وبنفس المنظور في المجتمعات التي ينعدم فيها الاختلاف الفكري فهي لا يمكن أن تحقق أي تقدم على مستوى التنمية والنهضة، ويبقى النمط الفكري السائد فيها يتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل دون إحداث أي تغيير خوفًا من تلك الظاهرة التي تصبح عادات وتقاليد يصعب تغيرها كل ما مر عليها الزمن.

لذلك على المجتمعات وعلى وجه الخصوص مجتمعاتنا العربية أن تؤمن بالاختلاف والتعدد، وتجعله مبدأ أساسيًا لها من أجل تحقيق نهضة عربية شاملة، فالتغيير يبدأ بالافكار والسلوك العائلية والمجتمعية، وليست الدول أو الحكومات وحدها هي التي تقود التغيير وتصنع النهضة كما يعتقد الكثير.

في مقالي أجزم أن التغيير ليس من السلطة فحسب؛ إذ لو كان منها وحدها فستكون ردة الفعل قاسية عليها.

لكن في المقابل هنالك نقطة: المجتمعات هي التي تصنع التغيير، لكن من أين تأتي فكرة التغيير لدى هذه المجتمعات؟ يقول المفكر مالك بن نبي إن عالم الأفكار الناجح لدى النخبة المثقفة المصحوبة بالعمل السياسي الدءوب هو الذي يصنع التغيير.

اختار صدام حسين إلغاء النخب، وارتد عليه الشعب لاحقًا ولو بطريقة مخالفة لسيادة الدولة، اختار معمر وزين العابدين، وعمر البشير مؤخرًا، نفس النهج فكانت النتيجة هي الفشل، والتخبط للأنظمة ككل.

التغيير الديمقراطي هو نتاج عالم أفكار حي من أشخاص ذوي قيمة عالية ورفيعه يستطيعون مواجهة التحديات ويؤمنون في ذواتهم أن التحديات مهما بلغت دائمًا ما يكون لها حل ما.

ليست السلطة وحدها من تصنع التغيير كما قلت، بل المجتمع والذي يقوده النخبة. وتؤثر فيه أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي وعالم «السوشيال ميديا» الذي يستطيع فيه الفرد مقارنة ما لديه هو وما لديهم هم في الدولة القادمة.

عذرًا كارل ماركس ليست السلطة وحدها التي تصنع الثقافة، فالعالم السياسي الحديث خصوصًا فترة ما بعد المدرسة السلوكية أصبح النظام السياسي كيانًا يؤثر ويتأثر بالبيئة المحيطة به بشكل كبير.

فالنظام السياسي للدولة وفقًا – لديفيد إيستون – أنه عبارة عن مدخلات ومخرجات، فالصفات التي يتبناها المجتمع هي مدخلات على النظام السياسي مما يجعل مخرجات النظام وتحركاته مقيدة تسير وفق المدخلات التي غذي بها من قبل المجتمع، بحيث يتجنب التغذية الراجعة وغضب المجتمع الذي يعبر عن ركن أساسي لاستمرار أي نظام، فلا يستمر النظام في حالة من عدم الرضاء المجتمعي، لذلك فالمجتمعات هي التي تحدث التغير والنهضة، فلو قامت دولة ديمقراطية حديثة كالولايات المتحدة بقمع الحريات في ولاياتها لشارف النظام على الانتهاء، لأن التغذية الراجعة على النظام ستكون قاسية ومرفوضة وبأي حال من الأحوال لن يستطيع النظام الاستمرار وتحقيق الاستقرار في جميع المجالات.

 وهذه دلالة على أن المجتمعات هي التي تحدث النهضة، وترسم شكل دولها وبيئتها وتحديدها من إبداعية أو طاردة للإبداع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد