مقاربة أولية

1- المهاجرون غربًا والاغتراب

  أضحت مشكلة الهجرة، من أهم المشاكل والتحديات التي تواجه عالمنا المعاصر. بالأدق، فإنها وضعت على سلم أولويات البحث والنقاش بسبب أنها تؤرق العالم المتقدم (أوروبا والولايات المتحدة بالأساس)؛ وذلك بسبب ما تسببه من إشكاليات، خاصة مسألة التهديد الذي تواجهه الهويات الأوروبية والأمريكية لاستقبال تلك البلدان موجات مهاجرين من الجنوب بالأساس (العالم الثالث)، معبأين بحمولات قيمية تختلف عن تلك السائدة في الغرب، ذلك غير ما يفرضه هذا الأمر من تحدي وجود إثنيات مختلفة وجديدة على تلك المجتمعات، وما يرافق أيضًا تلك الهجرة من تنامي وتصاعد مشكلات اقتصادية، خاصة بانتشار البطالة والضغط على الموازنات العامة.

بالتأكيد نحن لا نريد هنا أن نفتح نقاش مستفيض وواسع حول تلك المشكلة والتحدي، ولكن تم البدء بالتعرض لها؛ لأنها على علاقة مباشرة بموضوع ذلك المقال، وهو الاغتراب، وبضع مقالات أخرى قادمة. فالدفاع الأول لظهور وانفجار مشكلة الهجرة هو تنامي شعور واسع وعميق بالاغتراب بين قطاعات واسعة من سكان بلدان العالم الثالث، فأصبحت ليست فقط كارهة لمجتمعها، بل لا تستطيع أن تتصور أن تكمل الحياة فيها، والدليل أنها تندفع في مغامرة خطيرة محفوفة بتهديد الموت من أجل الهروب من أوطانها التي ولدت وتربت فيها، ملقية نفسها في جنبات ما هو غريب عنها، بكل ما يحمله ذلك من ضغوط نفسية وإنسانية. إن هذا بالفعل يعكس أزمات الفروق الهائلة بين الشمال والجنوب، حيث الغنى والتقدم والوفرة يتركز في قلة من دول العالم، في مقابل أنتشار الفقر والمرض والجهل بين الأغلبية من سكان هذا الكوكب. لكن أضف إلى ذلك، وربما قبله، أن يعكس أيضًا الانتشار الواسع لفقدان الأمل في تحسن الأوضاع في دول الجنوب، وما يرافقه من فقدان للانتماء، فأصبحت الكثير من الكيانات القائمة على هذا الكوكب، تعاني من تفاقم ظاهرة اللامنتمي.

  عندما نتكلم عن المنتمي، فذلك بالتأكيد لا يشمل هؤلاء الذين يعيشون في أوضاع مادية عالية ويحتلون مكانة اجتماعية متميزة، وبقاء ارتباطهم بالوطن أو المجتمع، مرهون ببقاء تلك الأوضاع الخاصة. فالمنتمي هو الذي يعيش في قلب مجتمعه، مانحًا له طاقاته الفكرية والنفسية والجسدية، بالرغم من المعاناة التي يعيشها فيه، بالرغم من كل مشاكل وأزمات هذا المجتمع حتى وإن بدت مستعصية، فهو يملك أملًا في المستقبل، ويجند طاقاته الإنسانية من أجل ولادة هذا المستقبل الذي يتجاوز فيه مجتمعه أوضاعه المأزومة. اللامنتمي هو مقلوب المنتمي، وهو ذلك الذي إما يعيش بلا تعاطف حقيقي مع مجتمعه، والأكثر أن يستفحل هذا الشعور، فأصبح لم يعد يطيق البقاء في موطنه، ويسعى إلى الفرار منه نحو واقع أخر بأي طريقة، حتى ولو في ذلك يخاطر بحياته نفسها. في اللامنتمي، نجد ظاهرة الاغتراب متجلية في أحدى أوضح صورها، فكلمة (الاغتراب) في حد ذاتها تستدعي إلى المخيلة مشهد الغروب، المقترن بدلالة غياب الشمس، وبدء نهاية حضورها ومغادرتها لسماء عالم ما، منسحبة منه بشكل تام!

  إن هذا التلاقي بين الاغتراب وفعل غياب الشمس (الغروب)، يكشف عن ما يحتويه اللفظ من انسحاب مؤلم من عالم ما ومغادرته. فالمغترب، هو إنسان يعيش في معاناة مستمرة، معاناة ليست وليدة موقف عابر، بل وليدة أوضاع ثابتة، ولو حتى نسبيًا، أوضاع تشل قدراته وتمنع عنه دفء التواصل مع محيطه وعالمه، فيصبح وكأنه في حاجة إلى أن يولد من جديد.

2- الاغتراب وضرورة البحث الفلسفي

  وإن تم الربط فيما سبق بين الاغتراب ووضع الإنسان في المجتمعات المتخلفة، إلا أن هذا الربط ليس سوى مدخل. فظاهرة الاغتراب هي أشد الظواهر سيطرة على الإنسان المعاصر، لا يوجد تقريبًا مجتمع، سواء غني أو فقير، متقدم أو متأخر، إلا وتخترقه أفقًا وعمقًا. فكلمة الاغتراب نجدها حاضرة عند طرح مسألة طبيعة العمل وسيره في المجتمع الصناعي وفي الأجهزة البيروقراطية للدولة، والذي يبين كيف صار الإنسان في المجتمع التكنولوجي القائم على الإنتاج الآلي وتقسيم العمل، شذرة إنسان وأشبه بترس في عجلة العمل والإنتاج. بل لقد شاع المصطلح في النقد الأدبي والفني، للتعبير عما يستشعره الإنسان الحديث من غربة كونية، وما يحسه من زيف الحياة وعتمتها، وما يلاحظه على علاقات الأفراد ببعضهم البعض من سطحية واستغلال ولا إنسانية.

إن من الصعوبة بمكان وضع تحليل شامل وعام لمفهوم الاغتراب بالاتفاق مع الحاجة النظريّة لوضع أسسٍ فكريّة للبحث، بحيث تنعكس في حقيقة استخدام هذا المفهوم في عددٍ من المواضيع الإنسانيّة كالفلسفة، والسياسة، وعلم الاجتماع، والتحليل النفسي… إلخ.

  من هنا تنبع قيمة البحث الفلسفي بالذات في هذا الموضوع، حيث إن البحث الفلسفي يكشف عن أن مسألة الاغتراب ليست في الحقيقة مشكلة طارئة، بل هي مرتبطة بالوضع الإنساني نفسه، فالإنسان، بما يتميز به من وعي، هو بالضرورة مغترب!

هذه النتيجة تعتبر قفزة كبرى في مجال بحثنا هذا، ونتائج من هذا النوع ليست في مقدور العلوم، من سيكولوجية وسيسيولوجية وأنثروبولوجية وغيرها، أن تتوصل إليها بمفردها، فلا يمكن التوصل لتلك النتائج الخاصة بالوضع الإنساني، إلا بما يحتوي تلك العلوم ويتجاوزها في آن، وهنا تبرز قيمة الفكر الفلسفي. فالفلسفة، هي ذلك النوع من التأمل والتفكير، الذي لا يرضى بالنتائج الجزئية، مهما غطت من مساحات واسعة وكبيرة، وتسعى إلى اختراق الوضع الإنساني وتلمس كينونته، ففي فهم هذا الوضع والانفتاح على خصائصه ودوافعه وأفاقه، يتم فقط الوصول إلى الإشباع الفلسفي، ولو بدرجة!

  ولكن كيف يمكن تقبل هذه النتيجة؟ ما معنى هذا؟ هل معناه أن الاغتراب هو جزء من الوضع الإنساني لا سبيل للتخلص منه.. كيف يمكن لشخص أيًا كان أن يجزم بهذا الأمر ويلقيه هكذا بخفة وبساطة، بل ورعونة، في وجهنا؟

  الإجابة على هذه الأسئلة وفهم أسباب التوصل إلى مثل هذه النتيجة، هو الغرض والمبتغى من تلك السلسلة من المقالات. تلك النتيجة المفجعة كان يمكن الإفصاح عنها في الخاتمة، بعد الانتهاء من التحليل والبحث، لكن تم الإفصاح بها بداية، حتى تكون في ذهن القارئ طوال رحلته مع هذا البحث، فمثل هذه النتائج المقلقة لا تعني سوى التحفيز على السؤال والاستقصاء وعدم الاكتفاء بأطروحات لا تنقذ إلى عمق المسألة، عكس أخرى تريد أن تصل إلى جواب سريع، تام ومغلق ومكتفٍ بذاته.

  عندما ذكرت أن مثل هذه النتيجة لم يكن من الممكن التوصل إليها إلا عبر طريق الفلسفة، لم أكن أقصد تهميش العلوم الإنسانية الحديثة والمعاصرة، التي لا يمكن إنكار تطورها وتقدمها ونجاحها في تفسير وفهم ظواهر ظلت عصية على عقولنا، ولكن اقتصار البحث داخل واحدة من تلك العلوم أو حتى باستخدام أكثر من واحدة منها، لن يفضي إلى نتائج تتسم بالكلية والشمول التي يستطيع أن يتلمسها البحث الفلسفي. في الوقت نفسه، فإن أي بحث فلسفي معاصر، يتجاهل ما يتوصل إليه العلم الحديث ويعزل نفسه عنه، ويكتفي بالتأمل الخالص والانعكاس الذاتي وحده، هو بحث منزوع القيمة ولا يمكن أن يشكل إضافة ذات معنى.

  ولنبدأ بتوضيح المعنى والسياق اللغوي لكلمة الاغتراب وذلك في اللغة العربية وبعض اللغات الأجنبية.

3- السياق اللغوي لمصطلح الاغتراب

  لماذا نبدأ بفحص كلمة الاغتراب في السياق اللغوي؟

منذ فجر الفلسفة اهتم الفلاسفة بالكلمات ومعناها، بتعدد المعاني وكيف يمكن التمييز في استعمال نفس الكلمة أحيانًا، لكن بإطار مختلف، وهل طريقة لفظ الكلمة تغير القصد منها؟ والأهم الدقة في صيغة التعبير، والعلاقة بين القدرات التعبيرية والقدرات الفكرية، بل بين المفردات السائدة وبين مستوى الفكر والوعي.

فإذا اعتبرنا اللغة، كما يقول هيجل، حاملا للفكر، فإن السياق اللغوي، للمصطلح والمفهوم، يمثل انعكاسات لعلاقات قائمة في الواقع، ولتطور هذه العلاقات في التاريخ.

الاغتراب في اللغة العربية

تعني كلمة غربة في العربية البعد عن الوطن والانفصال عن الآخرين، ومثل هذا الانفصال لا يمكن أن يتم دون مشاعر نفسية تسببه أو تصاحبه، كالخوف أو القلق أو الحنين. وتعبر كلمة الغربة عن الغريب الذي يحس بالغربة في وطنه، فالغريب الحق هو الذي يكون غريبًا وهو في الوطن وبين الآخرين.

أيضًا الغريب هو غير المعروف أو غير المألوف، وهذا الاسم يطلق على الإنسان ألذ ينفصل عن مجتمعه ويتميز عن الآخرين بأفكاره الفريدة والصادقة. كما تدل الكلمة – من ناحية أخرى – على الإنسان الذي ينحرف في سلوكه النفسي أو الاجتماعي ونقول عنه إنه شخص غريب الأطوار للتعبير عن حالته المتقلبة أو شذوذه ومرضه. وهذا النوع الأخير يعرف بالاغتراب الذهني الذي يحول دون سلوك المريض سلوكًا سويًا يجعله غريبًا عن مجتمعه، ولذلك يلجأ إلى عزله عنه.

الاغتراب في اللغات الأجنبية

  اشتقت الكلمة الإنجليزية Alienation والكلمة الفرنسية Aliénation (الدالة على الاغتراب) من الكلمة اللاتينية Alienatio وهي اسم مشتق من الفعل اللاتيني Alienare، والذي يعني نقل ملكية شيء ما إلى آخر، أو يعني الانتزاع أو الاقتلاع أو الإزالة. وهذا الفعل مأخوذ من كلمة لاتينية أخرى هي Alienus بمعنى الانتماء إلى الآخر، وهذه مشتقة أيضًا من كلمة Alius بمعنى الآخر، أو آخر. أما الكلمة الألمانية Entfremdung والتي تعني الغربة، فقد استخدمت في العصور الوسطى بمعان مشابهة لمثيلتها في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. واللفظ الألماني Fremd يماثل اللفظ اللاتيني Alienus والإنجليزي Alien حيث يعني الانتماء إلى الآخر أو التعلق به، وقد استخدم هذا اللفظ أصلًا للإشارة إلى معاني في مجال العلاقات الإنسانية.

  وقد استخدمت الكلمة اللاتينية Alienatio – قديمًا – للتعبير عن الإحساس الذاتي بالغربة أو بالانعزال Detachment، سواء عن الذات أو الآخرين، كذلك استخدمت في مجال القانون لتدل على نقل أو تحويل أو تسليم أي شيء إلى شخص آخر. ووردت هذه الكلمة في العصور الوسطى للدلالة على فعل يفيد قيام شخص ما بتغريب شيء يملكه – كالأراضي والمنازل – أي يصبح ما يملكه من عقار أو مال أو غير ذلك خلال عملية النقل شيئا آخر غيره، غريبًا عنه لأنه قد دخل ضمن نطاق ملكية إنسان آخر.

  يقال إن مصطلح الاغتراب ظهر في اللغة اللاتينية كترجمة لبعض المصطلحات اليونانية التي تشير إلى حالة تحول الكائن خارج ذاته، ولهذا يعبر المصطلح عن التغيرات التي تجعل من الإنسان كائنًا مغتربًا عن ذاته. وقد عرف أفلاطون التأمل الحق بحالة الكائن الذي فقد وعيه بذاته، فصار الآخر مغتربًا عنها، فهذا الاغتراب يشير إلى حالة التجاوز. كما استخدم القديس أوغسطين S. Augustine مصطلح الاغتراب للإشارة إلى الأذهان المغتربة Alienatio mentis، والتي تبين أيضًا حالة الانغمار في الدائرة الإلهية.

  أما في العصر الحديث، فقد استخدم الفيلسوف الهولندي جرويتوس – وهو أحد فلاسفة القانون الدولي – الفعل اللاتيني Alienare ليبين حقوق الملكية في المجتمع المدني، أي حقوق النقل والتسليم، حيث يرى أن الفرد ينتقل من الحالة الطبيعية التي كان يعيش فيها متمتعًا بحقوق مطلقة إلى حالة المجتمع المدني، حيث يتنازل هو وغيره من الأفراد عن هذه الحقوق، فيخلعوها – طواعية أو عن اختيار – على إنسان واحد معين يمثل السلطة السياسية. وقد وجدت هذه الفكرة صداها العميق لدى أصحاب نظرية العقد الاجتماعي، فاستخدموا مصطلح الاغتراب للدلالة على المعنى الأخير، أي نقل الملكية السياسية.

الخاتمة

ما سبق يكشف لنا، من ضمن ما يكشف، أن الظاهرة والحالة التي يطلق عليها تعبير الاغتراب (والذي يتضمن الاستلاب، الانتزاع، الانفصال، نقل الحقوق.. إلخ) ترتبط بشبكة من العلاقات المادية أو العلاقات الفكرية – الروحية، أو العلاقات المادية – الفكري في ميادين الإنتاج الثقافي والاقتصادي وميادين العلاقات السياسية والحقوقية. ما يسبغ على المفهوم المزيد من التنوع والتشابك والتداخل، رغم وجود وحدة جوانية في قلب هذا التنوع نفسه.

إن مفهوم الاغتراب كان دائمًا موضوع التفكير الإنساني، ربما منذ انبثاق الوعي وإدراك الوجود، لكن ما يمكن رصده، أنه أصبح في قلب اهتمام الفكري الغربي، منذ القرن الثامن عشر، ومن وقتها ومناقشته ووضعه كحجر زاوية في بناء الرؤية الفلسفية للعالم والإنسان، تزداد توسعًا وعمقًا، فأصبح من أهم المفاهيم الفكرية البارزة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة. فعلى مدى أكثر من قرنين من الزمان، تشعبت استخداماته وتنوعت، حيث سنتناول في هذه السلسلة من المقالات مفهوم الاغتراب، بدأ من تجلياته في اللاهوت البروتستانتي، ثم عند توماس هوبز وجون لوك، مرورا بجان جاك روسو، وصولا إلى هيجل الذي يحتل الاغتراب موقعًا مركزيًا في فلسفته ويمثل ذروة كبرى في الفلسفة الألمانية، وأخيرًا فيورباخ وماركس كأكثر المطورين والبنائين انطلاقًا من الفلسفة الهيجلية.

بالتأكيد لم تنته رحلة المفهوم الفكرية عند هذا الحد، فنجده حاضر بقوة عند فلاسفة أمثال مارتن هايدجر وجورج لوكاش وجان بول سارتر وألبير كامو، و يشكل حجر زاوية عند مفكرين مدرسة فرانكفورت الأوائل: تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، وأريك فروم وهربرت ماركوزة وروبرت تاكر، إضافة إلى عدد من فلاسفة وعلماء الاجتماع أمثال ريتشارد شاخت، واشتيفان ميساروش (تلميذ لوكاش). إلا أننا سنتوقف في دراستنا، ولو إلى حين، عند ماركس، وذلك لأنه أحد أكبر العلامات التي تقع على الحدود بين الفلسفة الكلاسيكية الحديثة والمعاصرة.

آمل كما هو الهدف من كتابة تلك المقالات، أن تكون تلك الرحلة في المعالجات الفلسفية الحديثة لمفهوم الاغتراب، هي بمثابة إلقاء ضوء كاشف على طبيعة الوضع الإنساني، وتجعلنا أكثر قربًا وفهمًا لأنفسنا ولمجتمعنا ولجدلية حركة وحوار واشتباك الإنسان/ العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد