إن الدارس للفلسفة الغربية بفروعها المتنوعة ما بين فلسفة الحياة والعلم والدين والتاريخ وفروعها المتنوعة التي تتطور مع تطور الإنسان وأساليبه في البحث، والإجابة عن أسئلته التي تتعقد هي أيضًا مع ذلك التطور حتى تعريف الفلسفة بحد ذاته اختلف كثيرًا ما بين تعريف الأوائل مثل أفلاطون وتلامذته وصولًا إلى آخر العنقود نيتشه وفرويد.

ولكن هل فعلًا بعد كل تلك المدة والتطور وصلنا إلى إجابة شافية للفلسفة أو على الأقل أصولٍ يمكن الارتكاز عليها لنبني إجابات مستقبلية، لا أقصد تلك الإجابات المعقدة؛ بل أبسطها؛ مثل تعريف الإنسان وماهيته ووظيفته في الحياة. وأخشى أن يسمعني أحد الفلاسفة أقول عن ذلك بسيطًا، فهم يرون ذلك أعظم ما حاولوا الإجابة عنه كما قلت منذ بدأَ الإنسان التفكير ووضع الإجابات إلى يومنا هذا وهو يحاول أن يعرِّفَ الإنسان.

للصدق هي ليست بسيطة خاصةً إن كانت الإجابة نابعة من تفكير الإنسان المجرد، وقد يسأل البعض وكيف يكون ذلك التفكير المجرد، وهنا نأتي لنقطة جوهرية، وهي الاختلاف ما بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية حتى نأتي إلى موضوع مقالنا وهو الكيان الفلسفي، وكيف يكون ذلك الكيان.

إذا نظرنا للفلسفة الغربية، وأقول الفلسفة الغربية وهنا أقصد مكان النشأة اليونان وأوروبا؛ نجد التخبط العجيب في الإجابات، وحتى تلك الإجابات التي في العصر نفسه، ولكن من مدارس مختلفة، ولكن ما هو واضح أن المرجعية البحتة لتلك الإجابات هو الفهم الخطأ لفكرة العقل، والتي تنشأ من آلية النظر الأحادية للإنسان الذي خُلق من عدم، وأنه مجرد مركبات كيميائية تجمعت لتشكل ذلك العقل الذي يفكر به، وجميعهم حاولوا الهروب من الثنائيات المعقدة للإنسان مثل المشاعر والروح والإله، وإنْ كان المتقدمون من الفلاسفة مثل نيتشه وفرويد هم أكثر من ساروا على هذا النهج والقدامى كانوا أقرب إلى وضع إجابات غير واضحة لهذه الثنائيات، وهذه النظرة أبعدت الفلسفة الغربية كل البعد عن فكرة الكيان الفلسفي الذي يمكنه الإجابة عن الأسئلة مهما اختلفت الأزمان على العكس كليًّا من الفلسفة الإسلامية.

على سبيل المثال وأضرب الفلسفة الإسلامية لأنها ربما هي أقرب ما يكون لفكرة الكيان الفلسفي خاصةً إذا تكلمنا عن فلسفة الحياة أو فلسفة العلم؛ فنجد أن الإجابات في الفلسفة الإسلامية تدخل في منظومة أصولية مرتبة وهذه المنظومة تُخرج الإجابةَ اعتمادًا – كما قلت سابقًا – على جميع جوانب الإنسان وما جعل هذه الفلسفة أقرب ما يكون للكيان هو وجود عامل الإله الذي يتفق عليه كل من تعاقبوا على تلقيح هذه الفلسفة الإسلامية مع إدراك التطور العقلي للإنسان، ونحن نتكلم عن الفلسفة الإسلامية البدائية هنا، ولا نتكلم عن الطوائف واختلافها مع بعضها في الفروع، ومن اختلف في الأصول هو فعليًّا خارج هذه المنظومة الفلسفية الإسلامية، ويكون أقرب ما يكون إلى فلسفة منفصلة مثلها مثل الفلسفات الغربية؛ إذ كلٌّ يغني على ليلاه، ولن ندخل في تفاصيل كثيرة في هذا الصدد ، ومن هنا نرجع لنقطة الاختلاف مع الفلسفة الغربية التي تبتعد بمرور الوقت كليًّا عن الإجابات المنطقية؛ إذ إن النظرة الأحادية تنخر في هذه الفلسفة شيئًا فشيئًا لأسباب كثيرة؛ منها الهروب من أخلاقيات الإنسان التي تقيد تلك الأحادية، وتضبطها والتي راعتها الفلسفة الإسلامية حق المراعاة، ما بين احتياجات الإنسان الغريزية واحتياجاته الروحية؛ بل حتى احتياجه لتلك الضوابط أو الأخلاقيات التي تنظم حياته ، إذًا في الختام أقول لو تخيلنا أن الفلسفة مثل لوحةٍ كبيرة من قطع متناثرة نحتاج بين كل قطعة وقطعة إلى ما يربطهم معًا، وهذا بالضبط ما يمكن أن يُطلق عليه كيانًا فلسفيًّا نستطيع من خلاله أن نرتب معاني الفلسفة لنشكل لوحةً كاملةً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد