في بعض الأوقات التي يكون فيها الإنسان بعيدًا عن مشاغل الحياة تراودك تلك الأسئلة .. كيف يحدث هذا الشيء؟ لماذا أعيش وحيدًا؟ هل يوجد تسعة وثلاثون مني، تحكيمًا للمثل: يخلق من الشبه أربعين؟ وما صفاتهم؟ وهل جيمعهم يعيشون على الأرض؟ .. وما إلى ذلك من أسئله نتيجة ما نطلق عليه من مصطلح انتشر مؤقتًا: الأوفر ثينكنج.

ومنها سؤال حير كثرين أثناء التفكير فيه، و هو: هل الإنسان مسير أم مخير؟

سأبدأ المقال ببعض الاقتبسات التي طرحت إجابات منطقية، ولكن عليك في النهاية اللجوء إلى عقلك.

نفي الحرية

الجبرية: إن فرقة الجهمية – نسبة للجهم بن صفوان – ترى أن إرادة الإنسان عاجزة عن تسيير مجرى الحوادث، ولا وجود لحرية في عالم يستمد وجوده من غيره. إن الله سبحانه خلق الإنسان وخلق معه أفعاله، وإنما نحن ننسب الأفعال للإنسان على المجاز فقط، كما نقول: طلعت الشمس، وهبت الرياح، وسارت السحب، نقول وقف علي، وذهب عمر، والفاعل الحقيقي هو الله، إذًا كل ما يحدث ليس من اختيارنا، بل من قضاء الله وقدره، قال تعالى: قل لن يصيبناإالا ما كتب الله لنا.. صدق الله العظيم.
سبينوزا Spinoza  فيلسوف هولندي يرى أن قانون الطبيعة (الله) قدر لنا جميع الأفعال، وأن الإنسان بيد الله كالغضار بيد صانع الخزف. غريزة اللذة تقرر الرغبة، والرغبة تقرر الفكرة، والفكرة تتحول إلى عمل، يقول: يظن الناس أنهم أحرار لأنهم يدركون رغباتهم ومشيئتهم، لكنهم يجهلون الأسباب التي تسوقهم إلى أن يرغبوا.
الحتمية الاجتماعية الفرد يتأثر بوسطه الاجتماعي، يضطر إلى تنظيم نشاطه وفق ما تمليه العادات والتقاليد والقوانين، كما يتصرف تبعًا للجماعة التي ينتمي إليها بهدف الاندماج في المجتمع، ولا يستطيع الانعزال عنها، فيصبح بذلك صورة طبق الأصل لمجتمعه يقول دوركايم Durckeime (الفرد صورة مجتمعه).
الحتمية النفسية ترجع مدرسة التحليل النفسي أغلب الأفعال إلى الدوافع النفسية اللاشعورية كالرغبات المكبوتة، والنزوات الخفية التي تؤثر في السلوك بطريقة غير إرادية. أما المدرسة السلوكية، فتخضع السلوك إلى آلية المنبه والاستجابة، وأن نفس المنبهات تعطي نفس الاستجابات.
الحتمية البيولوجية يقول البيولوجيون (إننا تحت رحمة غددنا الصماء)، فإذا زاد إفراز الغدة الدرقية كان الشخص كثير الحركة، وإذا نقص إفرازها كان خاملًا وبطيء الحركة، وإذا زاد إفراز الأدرينالين كان الشخص سريع التهيج والعكس.
مناقشة  لو كان الله سبحانه هو الذي يخلق الأفعال، فلماذا يحاسبنا يوم القيامة، ولماذا أرسل الرسل والأنبياء؟ وما الفائدة من وجود العقل؟ يمكن للفرد أن يتجاوز الحتمية الاجتماعية بالتمرد على العادات والتقاليد كما يفعل المصلحون، فرضية اللاشعور لا تنطبق على جميع الأفعال، ونفس المنبهات لا تعطي دائمًا نفس الاستجابات، البيولوجيون أهملوا العوامل النفسية في توجيه السلوك.

 إثبات الحرية

*البرهان النفسي يتوقف على شهادة الشعور، واعتمد عليه الكثير من الفلاسفة في إثبات الحرية، من بينهم المعتزلة – فرقة كلامية أسسها واصل بن عطاء – ترى أن شعور الإنسان بالرضا تارة وبالندم تارة أخرى لدليل على أنه حر، وصاحب الفعل، تقول: إن الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل .. فإذا أراد الحركة تحرك، وإذا أراد السكون سكن..
ديكارت –Descartes إن الحرية خاصية ملازمة للكائنات العاقلة، كل تفكير هو اختيار بين أمرين، والاختيار هو دليل الحرية، يقول: إن الحرية تدرك بلا برهان، بل بالتجربة النفسية التي لدينا عنها.
برغسون Bergson الحرية حالة نفسية تجري في الأنا العميق كالنهر المتدفق الذي لا ينقطع عن السيلان، وما الأنا السطحي، إلا أداة تنفيذ لقراراتنا الحرة، يقول: الحرية إحدى ظواهر الشعور.
*البرهان الأخلاقي ترى المعتزلة أن للانسان القدرة على التمييز بين الخير والشر والقدرة على الاختيار؛ لأنه مكلف، والمكلف لا بد أن يكون حرًا يختار بين الفعل أو الترك، وإلا فقد التكليف معناه، ومنه يصبح الإنسان خالقًا لأفعاله، خيرة كانت أم شريرة، ومسؤول عنها يستحق الثواب إذا أصاب، والعقاب إذا أساء، والتكليف مثبت شرعًا؛ قال تعالى: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. صدق الله العظيم.
كانط Kant يرى أن الواجب الذي يمليه الضمير لدليل على وجود الحرية (إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع)، ويقول (يجب التسليم بالحرية من أجل تأسيس الأخلاق)؛ لأننا لا نستطيع أن ندرك قيمة الفعل من الناحية الخلقية ما لم يكن صاحبه حرًا.
*البرهان الوجودي سارتر Sartre الإنسان حر، وهذه الحرية تعبر عن صميم وجوده، فالإنسان عندما يختار بين الرغبات، فإنه يشعر بذاته المستقلة والمتميزة، يقول: الشعور بالذات يقتضي الحرية، والحرية تقتضي الإمكانية؛ لأن الحرية تتضمن الاختيار، وكل اختيار هو اختيار بين ممكنات.
مناقشة إن الشعور ليس دليلًا واضحًا على وجود الحرية؛ لأننا كما نشعر بالحرية تارة نشعر بالحتمية تارة أخرى، كما تجاهل أصحاب الحرية أثر الحتميات في السلوك كأثر الوسط الاجتماعي والجغرافي. وأي معنى للحرية إذا بقيت حالة نفسية، أو تصور شاردًا، دون أن تتحول إلى سلوك واع يهدف إلى تحرير الإنسان من مختلف القيود. فالمفيد أن نطرح مشكلة الحرية واقعيًا لا ميتافيزيقيًا.
التركيب: إن الحتمية والحرية غير متعارضتين من الناحية العملية؛ لأنه من غير الممكن أن يتحرر الإنسان من القيود الطبيعية والنفسية والاجتماعية، إن لم يكتشف القوانين التي تكون وراء هذه القيود، يقول بول فولكيي: الحتمية شرط ممارسة الحرية، وهكذا تناول الفلاسفة المعاصرون مشكلة الحرية من جانب واقعي، وتحولت إلى سلوك تحرري يستعمل العلم والعمل الواعي من أجل فرض الوجود وبناء الحضارة الإنسانية.

ما رأيك بهذا الكلام؟ هل كونت صورة واضحة عن الموضوع؟ إذًا دعني أسألك: هل الإنسان مسير أم مخير؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد