النزاهة والموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الغرب ساهم بشكل كبيبر في التقدم الإنساني، (التقني) على وجه التحديد، حيث جعل التطور التقني الإنسانية أكثر راحة في قضاء حاجاتها الأساسية، وقرب المسافات، وأضفى على العالم نوعًا من الرخاء النسبي، هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها باحث جاد في الشأن المعرفي، ويمكن أن استدل على هذه المقولة بعدة أمثلة بسيطة منها اكتشاف المضادات الحيوية (Les antibiotique)، وتوصل الطب الحديث لإجراء عمليات استئصال أورام سرطانية  (عافانا الله وإياكم) عن طريق تقنية الجزيئات المتناهية في الصغر التي يصطلح عليها (Nanotechnologie)، أضف إلى استغلال نسبية أينشتاين  في صناعة الطائرات والقطارات القادرة على اختراق سرعة الصوت، وإطلاق الأقمار الصناعية التي أحدثت طفرة في وسائط التواصل والإعلام وغير هذه النماذج التقنية الغربية كثير لا يسع المجال لذكرها كلها، وبلا شك أن هذه التقنية ساهمت في إسعاد الإنسان كما قدمنا سابقًا نسبيًا، وهي النتيجة التي يركز عليها كثير من مفكري الحداثة في عالمنا العربي.

لكن للقارئ الكريم أن يستحضر معي في مقال سابق استمدادي مثالًا بشعًا جدًا يعد مخرجًا من مخرجات المعرفة الغربية في شقها التقاني المتطور، إننا نتحدث عن تقنية صناعة القنبلة الذرية، ثم تطور تلك التقنية لتتوصل إلى أفتك وأبشع الأسلحة التي لم تستعمل بعد في تاريخ الإنسانية، فكل من القنبلة النووية والقنبلة الجرثومية تعدان من أعقد وأخطر الأسلحة الغبية التي يمكن أن تدمر الإنسان بدلًا عن إسعاده في حال اندلاع حرب تستعمل فيها مثل هذه الأسلحة الفتاكة، أضف إليها أنواعًا أخرى من الأسلحة الذكية الصواريخ الباليستية والقنابل الموجهة عن بعد، أضف إليها القنابل الفراغية، وغيرها كثير.

 لقد وضعتنا مخرجات المعرفة الحداثية عند الغرب أمام صورتين متناقضتين اجتهدت في تلخيصها في هذه المقدمة، صورة المعرفة الخادمة للإنسان التي تسعى لإيجاد أفضل السبل لإسعاده وتخفيف معاناته أو القضاء عليها نهائيًا، وصورة المعرفة التي كشفت أبشع ما في الإنسان، وهو سعيه في دمار نفسه وإنهاء وجوده من الأساس.

تدفعنا  الصورتان المتقابلاتان لدراسة واستكناه تلك الخلفية الفلسفية التي أسست للمعرفة عند الغرب، والاطلاع على مكامن الخلل التي أنتجت لنا مشاكل الاستنساخ  والإجهاض والقتل الطبي السريري والتحول الجنسي والتعقيم الطبي (بالنسبة للرجل) واستئصال الرحم  (بالنسبة للمرأة)، وغير هذه المشاكل التي لا تزال مثار سجال في فضاء الثقافة عند الغرب  بين اللاهوتيين المسيحين وبين الاطباء والعلماء، ثم انقسام رجال السياسة حول تلك القضايا المجتمعية.

وفي ما يلي بعض الإشكالات الفلسفية التي يعاني منها الفكر الذي أسس للمعرفة عند الغرب.

1- إلغاء الغاية أو القصدية من المعرفة

والمقصود بالغائية المعنى، والقصد الذي يحرك الإنسان ليطلب الحقائق المعرفية في المرحلة الأولى، ثم يحسن استغلالها في المرحلة الثانية، يقول الفيلسوف العقلاني رينيه ديكارت ( Rene Descartes ) * الفكرة المعرفية في النظر العقلي المجرد هي المعرفة نفسها، والتي لا تخضع للمحددات الأخلاقية، ولا الأبعاد الماورائية، وكل من تلك الأخلاقيات والماورائيات لا تصلح لتكون معلمًا صالحًا للفكر البشري، ويقول الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume) في الحقيقة ليست هناك فلسفة للمعرفة تتطلب الحقيقة أو الحكمة لأن العلم في – ذاته – يعتبر حكمة يكتسب قدسيته في الضمير، والحضارة الإنسانية لم تعرف العلم كحقيقة إلا في الأعصر الأخيرة، وما قبلها مجرد فروض وتخمينات فلسفية أو أبحاث موهومة.

هذا الكلام فضلًا عن وقوعه في الدور وهي مغالطة منطقية تجعل الشيء علة ومعلولًا في وقت واحد، إلا أنه يسلط الضوء على إشكالية أعمق في الأسس المعرفية التي قامت عليها فلسفة الغرب للوجود، فمصادرة أي غاية وراء البحث والاستقصاء المعرفي أسس على التصور الذي اعتقده فلاسفة عصر الأنوار للوجود – أو على الأقل نظر أغلبهم له في كتبهم –  فهو وجود قائم على التفاعل الذاتي بين الأسباب الموضوعية التي تؤدي وظيفتها في حركة ميكانيكية مستمرة من الأزل وإلى الأزل – طبعًا هذا التصور الأرسطي للوجود قام على فكرة المحرك الذي لا يتحرك أو الإله الذي خلق الكون، ثم انصرف عنه للتأمل، المفارقة العجيبة في هذه المطارحة هي اتساع العقل الغربي للجمع بين المنطلقات الأرسطية الإلحادية وبين المناهج الإسلامية الأصيلة في البحث والاستكناه المعرفي من خلال الاحتكاك بالوجود الاسلامي في العصر الوسيط –  وأي طارئ يقع على المادة إنما هو من باب الطفرة التي تنقل الوجود من صورة إلى صورة، لكن المادة بالأساس قديمة أزلية، وعليه فلا قصد وراء دراسة المادة؛ لأنها لا تفنى ولا تستحدث، ولا معنى لمعرفة السر الكامن وراء السبب الذي يدفع للحركة والاشتغال في الوجود؛ لأنه يشتغل ذاتيًا، فالعلم في المطارحة الغربية يعنى بالتحليل والوصف أو التجربة والاكتشاف، ثم الاستغلال الأمثل في وقت لاحق إما التفسير فليس من وظيفة العلم، وما كان له علاقة بالجانب التعليلي يرجع في الأساس إلى التعليل الجزئي الذي يخبرك كيف تشتغل الظاهرة أو تلك، وهل يمكن استغلالها لخدمة البشرية أما وضعها في سياق عام متصل بالوجود فلا تكاد تسمع للعلم الغربي أي رأي حوله، يمكننا استمداد مثال الكهرباء، فهناك نظريات وكتب ألفت في ابتكار وسائط استخراجها وتوليديها والتحكم فيها، لكن لا أحد يقدم تفسيرًا واضحًا حول ماهيتها، يقول الطبيب والفيلسوف الفرنسي (Alexis Carrel) أليكسي كاريل الطبيب يخبرك كيف يعمل العضو المزروع مع بقية الجسم، لكنه لا يخبرك لما يقبل هذا الجسم هذا العضو ويرفض الآخر، وفي موضع آخر يقول كل ما يستطيع أن يخبرك به العالم هو كيف وليس ولماذا، فلماذا ليست من صلاحيات العالم، بل الفيلسوف، لماذا هنا هو سؤال عن الغاية والقصد وقد فصل العلم الغربي كما سبقنا آنفا بين المعرفة والقصدية بسبب تصوره القاصر للوجود، وهذا التصور القاصر محل بحث الفلسفة والكلام.

2- الفصل النظري بين الذات والموضوع

يقول الفيلسوف دفيد هيوم العلم يقتضي الفصل بين الذات والموضوع محل الدراسة، فنسبية الباحث ومعتقداته القبلية هي عدوه الأول، هذه التجريدية في التنظير وإن كانت متصورة في الذهن، لكنها لا يمكن أن تتحقق في الخارج فهو تصور غير واقعي بحال، فالباحث – الذات – لا يمكن أن ينفك عن افتراضاته المسبقة عن الموضوع محل البحث، ولا عن دوافعه النفسية التي تحرك وتوجه استقصائه في هذا المجال أو ذاك لأن هذا مرتبط بطبيعة الإنسان وتركيبته، فالإنسان ليس كائنًا منفصلًا عن الوجود، بل هو كائن يتحرك في فضائه – النسبي – الذي يتيحه له كفرد، فهو خاضع للأطر الزمانية والمكانية والظرفية التاريخية والظرفية المادية، والمعطى التربوي والاجتماعي، بل حتى السياسي، وهذا الافتراض الذي قدمه لنا ديفيد هيوم عن الموضوعية ينكر كل هذه المعطيات وعليه فهو افتراض خاطئ ، كما لا ينفك الإنسان أيضا عن جملة المعطيات التي تتيح له تكوين وبناء المادة التي تعد الإطار الإرشادي الذي يوجه تصوره عن الحقل المعرفي – الموضوع – وفي هذا السياق يمكننا استمداد مثال فيزياء نيوتن، وهي الفيزياء الكلاسيكية القديمة، حيث تعد التصورات التي قدمتها عن طبيعة الوجود والحركة وطبيعة الأجسام ومفاهيم الزمان والمكان قديمة جدًا بالمقارنة مع تصورات نسبية أينشتاين، هل يمكننا الحكم على تلك المعارف الكلاسيكية بالخطأ، وقد أتاحت للإنسان صناعة وتطوير وسائل تقنية في تلك الفترة أم أنه ينبغي أن نقول إن المعرفة الفيزيائية في تلك الحقبة تحركت في إطارها النسبي: الزماني، والمكاني، وعليه فالموضوعية لا تنافي النسبية والتجريد في الافتراض لا يغني عن المحاكمة للواقع.

3- استقلالية  الإنسان عن  الوجود

يقول الطبيب الفرنسي الكسي كاريل: وضع الغرب الإنسان في حالة عداء شديد مع الوجود؛ حيث افترض أن الطبيعة متوحشة تريد الإجهاز على وجوده؛ فاندفع إلى ابتكار أفضل الوسائل للسيطرة عليها واستغلالها، وفي ظل هذا السياق ولد معنى الصراع، أي صراع الإنسان مع وجوده.

يقول المفكر والفيلسوف المصري زكي نجيب محمود: الإنسان في المنظوم الفلسفي الغربي مستقل استقلالًا كاملًا، استقلال حتى عن الشروط الموضوعية التي يعيش ويتحرك فيها، استقلال زائف جعله في حالة عداء مع محيطه البشري والمادي يحاول السيطرة عليه بأي وسيلة حتى لو دفعه ذلك لإهدار ضميره، ولم تكن المعرفة الغربية في حالة انفكاك عن ذلك النظم الزائف؛ فأصبحت حقول واسعة من العلوم في الغرب تسعى لابتكار الأفتك من السلاح، والأفضل من طرق استمداد الطاقة، ولو كانت ذات ضرر بالغ، وأفضل البقاع للثروة ولو أبيدت شعوب تلك البقاع، في حقيقة الأمر كان يريد الغرب أن يمنح بتطوره التقني والمعرفي السعادة للبشرية، لكن بقانون الصراع الذي بين الإنسان والوجود قضى الفكر الغربي على أي إمكانية لتحقيق تلك السعادة الموعودة.

هذا الكلام من الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود يلخص لنا مضمون هذا النقد، فالغرب افترض أن الانسان مستقل استقلالًا كاملًا عن أي معطى حتى لو كان هذا المعطى هو الوجود نفسه الذي يعيش فيه الإنسان نسبيته في الزمان والمكان، حيث افترض وجود إنسان منفصل عن الوجود غير منسجم معه، فوجود الإنسان حالة شاذة ينبغي أن يسعى لاكتساب هيمنته عبر الإغراق في التطور التقني والعلمي الذي يؤمن له السيطرة على الطبيعة وغيره من بني الإنسان الذين هم في درجة أقل من رتبته في سلم التطور، هذا الافتراض – استقلالية الإنسان عن الوجود – وما أفرزة من مفهوم – الصراع – صراع الإنسان مع الإنسان، وصراع الإنسان مع الطبيعة أفرز لدى الإنسان الغربي الشعور الدائم بالقلق والخوف ورغبة شديدة في السيطرة، بل التحكم في الطبيعة، وهو ما برر لقيام عمليات الاستنساخ الحيواني، ثم البشري في مراحل لاحقة وهو الذي – أي قانون الصراع واستقلال الإنسان عن الوجود – برر لقيام تكنولوجيا تحاول صناعة إنسان إلى مقارب للخلقة البشرية، وهو الذي برر لقيام فكرة التحويل الجنسي الذكري والأنثوي، وهو الذي برر لقيام فكرة التفوق العنصري  (Nazisme)، والفكرة الاستعمارية (Colonialisme ) والتي في جوهرها فكرة صراع، صحيح أن قضية استقلالية الإنسان عن الوجود قضية لها مرجيعتها الأرسطية في الفكر الغربي ولا علاقة للفلسفة التي قامت عليها المعرفة في الغرب، إلا أنها لا تنفك تؤثر على المخرجات العلمية والتقنية، كما لا تنفك تؤثر أيضا على الحركات الاجتماعية السياسية التي تعتمد أيضًا العلم والمعرفة لتبرير أطروحاتها، كالداروينية وعلاقتها بفكرة استعمار الشعوب.

4- ضعف ونسبية المناهج التي تعنى بدارسة الإنسان

كما قدمنا بأن الغرب فصل بين الإنسان وبقية الوجود فقد اتجه إلى دراسة الوجود المحسوس، الكون، بعيدًا عن الإنسان نفسه الذي يفترض أنه من ضمن هذا الوجود لا مستقلًا عنه، فتطورت عنده التقنية عبر محاكاة الطبيعة، وتطورت عنده علوم الفيزياء والبيولوجيا والكوزمو وغيرها من المعارف الكونية، كما تطورت مناهج التجربة والاستقصاء والإحصاء؛ كونها مساعدة على بناء هذه العلوم والإفادة من مخرجاتها، إلا أن الإشكال المتبقي هو الإنسان نفسه حيث بقيت معارف التاريخ والاجتماع والنفس متأخرة جدًا بالمقارنة مع المعارف الأخرى، بل بقيت في حالة من الفوضى والنسبية، فمن ناحية المناهج نجد أن منهجي الحدس والاستمداد استعمل كثيرًا في حقل التاريخ، وهما منهجان خاضعان بالأساس للذاتية المتعلقة بالدارس، كما أن المنهج يعتمد على التخمينات والفروض والتي لا تسلم من الخطأ وعدم الصوابية، خصوصًا في ما يتعلق بالدراسات التاريخية الوسيطة والقديمة حيث يكاد ينعدم في الفضاء الأوروبي وثائق وسندات يمكن التعويل عليها، فضلًا عن ثقافة إسناد روائي يعتمد على شروط الدقة والحفظ، ولم يتم استحداث نظرية في تفسير التاريخ، إلا من طرف كارل ماركس، حيث فسره على أساس اقتصادي، أو عند توينبي، حيث فسره على أساس التحدي، كما أن حقل الاجتماع نسبي لما يكفي ليحدث كل عالم نظرية، خاصة في ما يتعلق بأي ظاهرة اجتماعية، ولم يتم إلى اليوم التحاكم إلى تعريف ماهوي للمجتمع، خصوصًا مع طفرة التكنولوجية الحديثة، أما فيما يتعلق بحقل النفس فإن الاختلاف والتباين قائم بين النظريات التي تفسر السلوك الإنساني، حيث حصره فرويد في اللذة، واعتقد ألفريد أدلر أن التنشئة هي المفتاح الأساس في توجيه السلوك الإنساني، بينما اعتقد وليام جيمس، وهو فيلسوف وطبيب نفسي، أن الاعتقادات والأعراف والقيم هي التي توجه السلوكات الإنسانية، هذه الحصرية والإقصائية في التصور تؤيد فكرة النسبية التي تتعلق بهذا الحقل المعرفي، وهكذا فإن المناهج المستعملة في وضع هذه النظريات متباينة ومختلفة، ولا يمكننا أيضًا إغفال ذاتية الباحث.

هذه بعض أوجه النقد المتعلقة بفلسفة المعرفة في الفضاء الغربي، والله تعالى نسأل التوفيق والسداد والرشاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • تاريخ الفلسفة / ابراهيم الزيني ; نحو فلسفة علمية / زكي نجيب محمود ; المنطق الوضعي / زكي نجيب محمود ; الانسان ذلك المجهول / اليكسي كاريل ; الفلسفة المادية وتفكيك الانسان / عبد الوهاب المسيري .

تعليقات الفيسبوك