منذ بدأ الخليقة والإنسان يبحث عن تفسيرات لكل الظواهر المحيطة له، فتوصل إلى ما توصل إليه من علوم الفلك والفيزياء وعلوم الطبيعة والعلوم الدقيقة، كما استطاع أن يطرح عدة إشكاليات في الفلسفة وعلم الاجتماع ودخل إلى أعماق النفس البشرية فأوجد علم النفس بمختلف مدارسه وأقسامه، غير أنه ولحد الساعة لا يزال يجهل الكثير مما يدور حوله وهذا ما دفع به إلى البحث في أعماق تاريخ حضارته ومخلفات أجداده التي اكتسبها تراكمًا من جيل إلى جيل، فيضع كل جيل بصمته على نوع معين من الآراء والأفكار وعادة ما يتخلل الأفكار خاصة التي تنتج عنها تساؤلات في الميتافيزيقا والماورائيات منظور من زاوية دينية أو معتقديه غير أن العصر الحديث أضاف زاوية أخرى مع ظهور بعض المؤمنين بالنظريات الفيزيائية والتفسير العلمي لكل ما حولنا وإبعاد أي جانب خارق للطبيعة، ما نتج عنه بروز تيارين متعارضين في أفكارهما ونتائج أبحاثهما متوافقين في الإشكاليات العامة المطروحة والفكرة العامة بإفشاء غليل النفس البشرية التواقة للمعرفة.

ويبدو أن أحد هذه المسائل الجدلية بين هذين التيارين هي مسألة عادية في وسط المجتمع الجزائري والذي يتصرف معها بسطحية كبيرة وهي مسألة الحظ، فالجزائريون عامة يؤمنون بوجود الحظ عاملًا من عوامل الحياة اليومية للفرد، وهو ذات المعتقد عند جل الحضارات القديمة على غرار الحضارة الأمازيغية والفرعونية في أفريقيا وكذا الأزتك في أمريكا بل والهنود في آسيا وغير ذلك كثير. بل وأن متراكمات العادات الاجتماعية والثقافية لهذه الشعوب لا تزال قائمة لحد الآن باعتبارها موروثات سلوكية أو عادات أو كلمات تقال منبثقة عن اللاوعي، ويطلق معظم سكان المعمورة مصطلح الحظ أو المحظوظ على الشخص أو الشيء الذي يجتاز عوائق بطريقة لا حول ولا قوة له فيها أو يحصل شيئا بذات الطريقة، ويرتبط عامل الحظ في أغلب الأحيان عند بني الإنسان بعامل الصدفة فيعتبر هذين العاملين خليلين متلاصقين في جل المواقف.

ولكن التفسير الذي يتفق فيه أصحاب المنظور الديني وأصحاب المنظور العلمي في مسألة الحظ هو استحالة قيامه من غير تفسير هذا وكون الأمور التي تحدث في حياتنا صدفة واعتباطًا، فالأولون يرجعون عاملي الحظ والصدفة لمسألة التسيير والتخير الإلهي لخلقه، فالحظ بالنسبة لهذا التيار ما هو إلا شيء مقدر ومكتوب للإنسان من فوق سبع سماوات لا تأثير لنا فيه وإنما هو من يؤثر فينا ويسيرنا لمنهج اختير لنا وكتب في لوح محفوظ، وأنه لا وجود للصدفة وإنما هي مشيئة مطلقة للرب تأتي بفعل قوته الدافعة وأنه لا سبيل لتغير أو التحكم فيه، في حين يرى أصحاب التيار الثاني والذي يعادي كل ما هو ورائي أن الحظ والصدفة هي عوامل جاءت كتحصيل حاصل لأفعال وقرارات سابقة قد تجاوزناها أو مررنا عليها مرور الكرام ولم نعطها بالا غير أن العقل الباطن قد سجلها وحفظها وأنتج عنها خطة وصل إلى هدفها من دون أن يستشير في ذلك العقل الواعي المسئول عن تصرفاتنا.

 وفي هذا يؤكد بعض العلماء أن عقولنا تعلم أكثر منا وأنها تسيرنا بنسبة أكبر مما نسيرها، وبين هاتين النظريتين تتوه الأراء والأفكار وتختلط وجهات النظر وتنشأ المدارس ويولد المفكرون ويسيل الحبر على الأوراق، غير أنه وبعملية بسيطة وبجمع النقيضين وهو أحد أهم مبادئ نشوء الكون الذي يمتاز بامتلائه بالمتناقضات والتي يعتقد البعض أنها السر في ديمومته، فإنه سينتج لنا فكرة لا تنافي أيا من مبادئ التيارين ولا تتعارض معهما بل تكون مكملة لهما، فالفلسفة الإسلامية إن أخذناها كأنموذج عن الفلسفات الدينية تشير إلى كون الإنسان مسيرًا ومخيرًا في ذات الوقت، وهو المبدأ الذي يجعلنا نؤكد من خلاله أن كل ما يحدث في حياة الإنسان ناتج عن قراراته وإرادته الشخصية والتي يعلمها الله فيكتبها كتسيير له فيصل إلى ما سير إليه عن طريق خياراته، وهو ما يتوافق مع أن هذه الخيارات ونتائجها التي تلغي الصدفة نهائيا عن الوجود ناجمة عن قوة العقل الباطن الذي يستطيع أن يميز ويسجل كل لحظات الإنسان بل ويستطيع أن يلبسه أفكارا ومعتقدات لا يعلم من أين أتت له هذه الأفكار تتحول في ما بعد إلى أراء فسلوك ينتج عنه نتيجة غير متوقعة مبنية على متراكمات قبلية وهي القرارات في المنظور الإسلامي وتصل إلى نتائج غير متوقعة أو معيقات غير مفسرة وهي التسيير من قبل القوة الإلهية.

غير أن الواقع يفرض علينا أن نتعمق أكثر من هذا، فإن كان هذا التحليل وجهة
نظر شخصية فإنه لا يزال بعيدًا كل البعد عن معتقد ظل راسخًا بطريقة أو بأخرى في
السلوك والاعتقاد البشري منذ الأزل، وإلى حين الوصول إلى تفسير منطقي يشفي غليل
جميع الأطراف فعامل الحظ يبقى حاضرًا في يوميات الأفراد والمجتمعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

د.عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان -دراسة-
مالك بن نبي، ميلاد مجتمع،دار الوعي للنشر والتوزيع،الجزائر،2012
عرض التعليقات
تحميل المزيد