رؤية نقدية في رواية/ العاقل الذي.. للكاتب محمد عطاء.. الفلسفة والأدب.. هل يجتمعان سطرًا؟

«أن تكون أو لا تكون» ليست منحة يهبها لك أحدهم؛ إنما هي حقيقة تُرَسِّخُ أعمدتها في عمق داخلك عند الصدمة الأولى متى أوقعت بك في شباك الذهول.

أنت ظلٌّ لعمرك في سفرتك المحزونة بالحياة، لا العكس! يسمع دبيب هاجسك الخفي، يستحثه الواقع على مشاركة الأزمة فإذ به أبكم لا ينطق رغم كل الطوام التي تمررها عليه في صحوك ومنامك، يمتلك من القوة أطنانًا، لكنها القوة التي تؤهله لئلا يُصَدِّر لك شيئًا من رد الفعل سوى الشعور، الشعور بالعجز وحسب!

العجز هو العتبة الأولى التي يتواجه عليها «الظل وأنت» بحثًا عن حل لتلك الجريمة الشعورية؛ فهل يعد الجبن ساعتئذ خيارًا لأي منكما؟

مجموعة من الصراعات الفكرية والنفسية التي انتابتني في خضم القراءة، والتي بالإمكان فعليًا أن توردنا تلك المنطقة الهلامية، حيث يكون فيها السقوط منجاة من صراع المفاهيم وأضدادها.

«الفلسفة الأدبية هي فلسفة بدون فيلسوف».

فإن كانت ليست بحاجة إلى فيلسوف فلا شك أنها بحاجة إلى كاتب يترك لها العنان كيما تنطلق من خلال سرده لتتحدث عن نفسها بالمحاجية والجدل، من خلال بطل ينطبق عليه قول «ألبير كامو».

«من تنقصهم الشجاعة يجدون دائما فلسفة يفسرون بها ذلك».

ومن هنا كيف يسطر الكاتب نفسه داخل تلافيف عقل قارئه في ظل الزخم الفكري المتواتر عليه بغثه وسمينه؟

بداية إن «الفكرة، السرد، اللغة» ربما واحدة منهم تكون الركيزة الأساسية له أو مزيج بمقادير منضبطة من الثلاث يصنع تلك الصياغة التي تضع الكاتب داخل برواز أنيق من المسميات الأدبية «كاتب، أديب، مفكر».

هنا في رواية العاقل الذي.. ستبدو الفلسفة جلية في السرد واستنطاق الموجودات، من خلال إعادة صياغة الصراعات الذاتية، وإسقاط الحال على الجماد لخلق نوع من الصور التخيلية العجيية كما في:

«تتحدث إلى البلاطات كل مسحة وأحادثها أنا:

-كيف حالك يا مسكينة؟

-أنا بخير.

-وكيف خيرك؟

-ليس بخير.

تتنازل عن ألمها وتداريه تحت طبقة ترابها السميك وتجاهد ألا يرى ما بها من وصب وعذاب».

«صوت الفناجين الزاحفة باتجاه الحوض يتراكم بشدة يتباعد عن مفهوم الهدوء الداكن».

وغيرها وغيرها من الصورة المستنطقة؛ من ثم فإن أول ما يفطن إليه القارئ هي الفلسفة السردية الطاغية على كافة جوانب العمل، وكأن الكاتب قد أخذ على عاتقه مهمة الانسحاب من الفلسفة الخاصة حيث نتاج تجربة ذاتية عايشها البطل وتعميمها على النفس البشرية جمعاء وما يدور في ملوكتها الخفي عن الأعين مهما تعددت التجارب.

وبالتالي فإنه نجد الكاتب استطاع من خلال الفلسفة السردية والتي جعلها هدف أم ووسيلة أن يحقق الأثر الكلي للعمل في توحد القارئ مع البطل وإغراقه في سوداوية الحالة الشعورية للبطل.

على عتبات النقد نقف

فكرة العمل ونوعه

العاقل الذي.. رواية إجتماعية تحكي مأساة ذاتية تمت معالجتها بفلسفة نفسية على مدار البناء الروائي إلى ما قبل النهاية. فور مطالعة اسم العمل، سيعاجلك ذهنك بتكملة النقاط بالضد؛ لكن الحقيقة غير ذلك، فهو العاقل الذي «جبن» وليس «جن»؛ فأن تكون جبانًا لا يعني أنك مجنون، وإن وصم الخلق بلاهتك الظاهرة بالجنون، الجنون كحالة لا يعرف العجز، لا يعرف الألم، لا يعرف أي من أساليب الإذعان.. إنما الثورة، الثورة وكفى!، لذلك فإن تلك المنطقة التي اختارها البطل طواعية ليحيا فيها لا يمكن وصفها بالجنون!

السرد والحوار

اعتمد الكاتب أو السارد الطابع السردي صبغة وأسلوبًا وفلسفة لعمله إلا من حوارات بسيطة أخذت في ظاهرها الطابع المسرحي، وبها كان القارئ يتنفس خارج حدود السرد المفعم بالثقل النفسي، فالاستعراض في الحوار أضاف نكهة مميزة إلى العمل بلغته المستوحاه من رجاءات السماء أحيانًا ومن باطن التيه أحاين أخرى كما في.

قالت والدماء تسيل من رأسها..

-لماذا تركتهم يصنعون بي ما صنعوا؟

-لا أدري ربما كنت خائفًا.

-خفت على نفسك ولم تخف علي!

-ألا تعلمين أنني أصابتني جنة

-كفاك كذبًا، أنا أعلم جيدًا من أنت

-ومن أنا؟

-أعقل من اللزوم حتى ارتديت ثوب الجنون.

-ليس الأمر هكذا لقد جبنت.

-الجبن لا علاقة له بالجنون، أنت مجرد ناقص كعادتنا لا يوجد منا كامل.

-أما تعدلين عن قرارك؟

-القرار حتمًا قد انقضى، والآن مجرد حديث بيني وبينك للزمن.

الحبكة والدراما داخل العمل

كشأن الأعمال الفلسفية فإن حبكتها تجنح إلى السكون الظاهري؛ فلا أحداث متواترة تستقطبك للكشف عن ماهية الأزمنة والأمكنة، ولا شخوص تترامي هنا وهناك لتتعرف على صنوف بشرية مختلفة الشكل واللون؛ إنما الحركة والصخب داخل النفس البشرية مدوٍ على أسطر الرواية، حتى لكأنك تستشعر أثناء مطالعة العمل ما يسمى بكيمياء الأرواح.

يمكن القول إن الكاتب كان يخلق حيل درامية من أجل أن يجد قالبا حدثيًا يتنفس فيه بفلسفته السردية، لا من أجل دفع البناء الروائي نحو التتابع والدفع وحل العقدة وإنهاء الصراع.

اللغة والفلسفة والبيان

حين يتضافر الثلاث من أجل إعلاء شأن العمل، فأنت أمام حلة قشيبة من التراكيب اللغوية ذات الأثر العميق الدال وفي ذات الوقت تتجلى بجمال البديع وقوة البيان.

«نامت أمي وبقيت أنا ملتصق خلف باب الغرفة أنظر إليها من ثقبه ولا أدري أيموت المرء بتوقف قلبه أم بفقدانه؛ فلو كانت الأخيرة فقد مات أبي في قلب أمي وماتت أمي فيها ومت أنا من كسرة أمي والناس أحياء.. تبا لحياتهم!».

نزعة ذكورية كانت تراود اللغة من حين لآخر في بعض التعابير «قطعت لقمة عيش وفتكت عرض العلبة وأبديت عوراتها فصارت بلا شيء»، «وأنا كل ليلة أضاجع الحزن في ملحمة من فكر ثقيل تتفتح دوائره بجنون حتى يلقى مصرعه».

تجلي هذه النزعة بين الحين والآخر في تعاملات البطل مع الأشياء البسيطة كاللقمة والرغيف والصحن يُعد انعكاسًا لعقدته النفسية حيال جبنه تجاه أمه المنتهك عرضها على مرآى ومسمع منه وَبِحَثًّ من الأب التالف، وتجاه تلك المعشوقة الصغيرة التي قتلت بيد الغدر مرة ويأسها أخرى وعجزه ثالثة؛ وبهذا التفلت اللفظي من الصراع الداخلي نستطيع القول بأن العقد الدفينة بالنفس تتجلى بقوة في أبسط علاقات المرء عاكسة نوع المعاناة.

قيامة الرواية

أنت أمام عمل مداره النفس؛ إذ إن كل ما يشغل باله هو إغراقك داخل ذلك التزاوج ما بيني الماضي والحاضر في سلاسة سردية متقنه، وانتقال زمني مسبوك، فلا قطع ولا انفصال ذهني بينهما على مدار كل فصل في الرواية.

فمثلا جاءت جملة «أتقلب يمينًا واضعا راحتي على خدي مفسحًا لعينيي المجال في الفتك بأرواح النظرات، مغلقًا إياها لقدوم طيف جديد لا يؤمن أحيانًا بأن القادم خير لكن يؤمن جيدًا أن القادم في الطريق إلينا» وتعود إلى الزمن الماضي، وأوصلها بـ«عادت بي رشفة رفيق العمل معلنة انتهاء نوم يقظتي ولا زلت جالسًا على مقعدي ولا زال رفيقي يتلكع بشرب كأس الماء البارد» مشيرًا إلى الحاضر.

وهكذا في «أنتهي من المنضدة وأعود حزينًا متجها صوب البوفيه لاعنًا ذكريات الماضي، تاركًا لبد في شر الزمان ترتمي بين أحضان الهزيمة».

لذلك فقد نجح الكاتب في معالجة العمل بحنكة سردية من قبل الراوي المتكلم تم فيها توظيف السرد لخدم هذه التنقلات الزمنية المتباعدة هذه ليعيش القارئ بكامل وجدانه ويقتنع بشخصية «رفد» الطفل الصغير وقدرته على صناعة الحالة التي يصير عليها في «بحبك» ذلك الشاب البالغ.

رسالة العمل

«فقدان المثل أو القدوة أو السند أو الحبيبة أو القيمة» الفقد بشكل عام ومن ثم فإن الرواية بمثابة صرخة جابنة في صدر جبان في وجه كل فقد أن رفقًا، في وجه كل طغيان واستبداد أن كفى! في وجه كل عوار مجتمعي أن تريث!

في وجه أرسان البهائم البشرية أن أوثقي العقد وطهري الأنفس من دنسك وشهوانيتك ودونيتك!

وفي وجه النفس البشرية أن تنفسي خارج حدودك ؛ فلا زال هناك لا محدودية أينما طالعتِ بعينك تمنحك حيوات ذات قيمة.

على صعيد آخر بغير المعايشة الأدبية والنفسية فقد بلغني شيئا نتاج المعايشة الأمومية؛ فنحن من نصنع تلك العقد النفسية حين نترك حبل المعاناة يلتف حول عنق الصغار غاضين الطرف عن وعيهم الداخلي وإدراكهم الواعي.

فكم جبانًا خلفناهم وراءنا، يعيثون في فلاة العجز؟

كم سفيهًا أسقطته أرحامنا، يعربدون في كل مدائن النفس؟

كم مخذولًا جافته صدورنا؛ فاحتضنته صدور الآلام الغانيات ترقص على وقع عمره المتساقط عامًا تلو العام؟

النهاية

جاءت النهاية بأسلوب وعظي إلى حد كبير، تخلى فيه الكاتب عن الفلسفة الذاتية، إذ سما من نفسه إلى السماء مسترقًا منها الكثير من «الهداية، الإيمان، اليقين، الأمل، الحياة الغائبة عن حياته منذ ولادته».

لكن يبقى السؤال حول النهاية متروكًا للأثر النفسي الذي سبقها على المدار في القماشة الذهنية للقارئ، أيهما أولى هل يترك القارئ في حمأة صراعه النفسي الذي أحدثه بطل العمل، أم يقدم له الاسترواح السماوي كنوع من الإرشاد الفكري الذاتي للكاتب نفسه؟

وفق انطباعي القرائي ففي الحقيقة طغت ذاتية الكاتب على الراوي في صياغة النهاية بهذه الصورة، ورغم ذلك لا يمكنني تجاهل ما قاله «فرانسيس بيكون» في التدرج المرحلي للفكر الفلسفي ألا وهو «إن قليلًا من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد، ولكن التعمق في الفلسفة خليق بأن يعود بالمرء إلى الدين».

أعود لأضع تصنيفًا للكاتب إذ وضعه لنفسه من خلال عمل اجتمعت فيه الفلسفة وبيانية التعبير حول الاضطراب بشقيه (النفسي والتفكري) والذي لا يمكن أن تسلم منه أي نفس بشرية؛ فنحن أمام بذرة قلم أديب مفكر ديدنه التفلسف قبل أن يكون فيلسوفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد