تنقل هذه إلى منهجنا! ديكارت معلقًا على نسخة مترجمة لكتاب: المنقذ من الضلال، للغزالي.

حجة الإسلام وزين الدين وشرف الأمة، الإمام الشافعي الأشعري المتصوف الفيلسوف أبو حامد محمد الغزالي الطوسي، المجدد الإسلامي في القرن الخامس الهجري، الذي قال عنه العقاد في اليوميات: من الأقوال التي تتردد بين علماء الغرب المشتغلين بالدراسات الإسلامية، أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي – رحمه الله – أكبر مسلم في العالم كله ظهر بعد النبي محمد صلوات الله عليه.

البحر المغرق، كما وصفه بذلك شيخه الإمام الجويني.

كان القرن الخامس الهجري الذي نشأ فيه الغزالي قرنًا يعج بالصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية، لا سيما الصراع بين الدولة العباسية – التي سيطر السلاجقة على مقاليد الأمور فيها – وبين الدولة الفاطمية التي كانت على علاقة بالتيارات الباطنية.

لذلك، لم يكن من المستغرب أن يسطع من بين هذه التوترات نجم يتألق في سماء الفلسفة والمنطق، يدخل في مرحلة شك في حواسه وعقله، بل وصل به الأمر إلى السفسطة التي سرعان ما تحول منها إلى التصوف بعدما اتجه إلى الشام، ثم إلى بيت المقدس، في رحلة ختمها بحج بيت الله.

يقول الغزالي عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال: ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن – وقد أناف السن على الخمسين – أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة وأتجهم على كل مشكلة وأقتحم كل ورطة وأتفحص عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، ﻷميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ولا ظاهرًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا أقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدًا إلا وأرصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا متعطلًا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. وقد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعت في جبلتي لا باختياري وحيلتي.

السعادة عند الغزالي

عليك بالإخلاص. الغزالي وهو يحتضر

لقد وضع الغزالي سر السعادة بين طيات كتابه الأشهر إحياء علوم الدين، الذي ابتدأ في تأليفه أثناء رحلته التي استمرت أحد عشر عامًا، ومما يذكر الإمام الذهبي، في كتابه سير أعلام النبلاء، كلامًا ورد على لسان أحد تلامذة الغزالي، وهو عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، يصف فيها حال شيخه الذي أبدل غروره بعقله، بتواضع جم، بعدما عاد من رحلته الكبرى إلى موطنه طوس.

يقول عبد الغافر: ولقد زرته مرارًا، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته عليه من الزعارة والنظر إلى الناس بعين الاستخفاف كبرًا وخيلاء، واعتزازًا بما رزق من البسطة، والنطق، والذهن، وطلب العلو، أنه صار على الضد، وتصفى عن تلك الكدورات، وكنت أظنه متلفعًا بجلباب التكلف، متنمسا بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون، وحكى لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما أظهر له طريق التأله، وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث والنظر، حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة، وتفكر في العاقبة، وما يبقى في الآخرة، فابتدأ بصحبة الشيخ أبي علي الفارمذي فأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يأمره به من العبادات والنوافل والأذكار والاجتهاد طلبًا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقاب، وتكلف تلك المشاق، وما حصل على ما كان يرومه.

والمتأمل فيما كتب الغزالي في إحياء علوم الدين، يجد فيه إعراضًا عن الدنيا، وتقربًا من الآخرة، بحيث كان هذا نتاجًا ربما للمسحة الصوفية التي اكتسبها أثناء خلواته في قبة الصخرة الذي كان يقع تحت قبضة الصليبيين في ذلك الوقت.

فعن السعادة الأبدية كتب: وأعظم الأشياء رتبة في حقِّ الآدمي: السَّعادة الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يُتَوصَّل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يُتَوصَّل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل، فأصل السَّعادة في الدُّنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال.

وفي موضع آخر نجده يكفر ضمنيًا بطب الأجساد؛ ليوجه إلى ضرورة سلامة القلب، يقول: وقد أهمل النَّاس طبَّ القلوب، واشتغلوا بطبِّ الأجساد، مع أنَّ الأجساد قد كُتِبَ عليها الموتُ لا محالة، والقلوب لا تدرك السَّعادة إلا بسلامتها، إذ قال تعالى: إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

ومما يقع فيه المرء بين رحى اليأس والغرور، قال بعد أن ذكر قول ابن مسعود «الهالك في اثنتين القنوط والعجب»: وإنما جمع بينهما؛ لأنَّ السَّعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر، والقانط لا يسعى ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنَّه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى، فالموجود لا يطلب، والمحال لا يطلب، والسَّعادة موجودة في اعتقاد المعجب حاصلة له، ومستحيلة في اعتقاد القانط، فمن ههنا جمع بينهما.

طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. الغزالي.

عجت الأمة الإسلامية في أواخر القرن الخامس بالكثير من الفرق، فقد قويت شوكة الشيعة والباطنية والظاهرية والحشاشين، فأقام الغزالي مذهبه في الشك المنهجي، ليميز بين الغث والسمين، والذي يقوم على الشك في الحواس وما يقدمه لنا العقل، حتى الوصول نحو الحقيقة الواحدة المطلقة. فقد ضرب مثلا بأننا نرى الكواكب بمقدار الدينار، بينما بعضها في الحقيقة أكبر من الأرض، فمن أين الثقة في المحسوسات؟

ثم نجده ينظر إلى العقل نظرته إلى الحواس وما تنطوي عليه من خداع وشكوك. يقول الغزالي: لقد بطلت الثقة بالمحسوسات، فلا لائقة إلا بالعقليات التي هي من نوع أوليات الرياضيات، كقولنا العشرة أكبر من الثلاثة.

ومن الشائع في الأوساط العلمية معرفة التأثير القوي الذي أثر به مبدأ الشك للغزالي على الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، الذي قال: أنا أشك؛ إذن أنا أفكر؛ إذن أنا موجود.

مثلما قال الغزالي: إن الشكوك هي الموصلة للحقائق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بات في العمى والضلال.

على الجانب المقابل، يرى كثير من المستشرقين أن للغزالي اليد العليا في اضمحلال المستوى المعرفي والثقافي للأمة بعد ذلك بسبب ما كتب في تهافت الفلاسفة عن تعارض الفلسفة التي تتضمن حتى علم المنطق والرياضيات مع الدين الإسلامي.

فلو نظرنا إلى التصوف الذي اعتنقه الغزالي لينفرط من عقدة الشك، نجد بأنه مذهب يقوم على تهميش العقل بصورة كبيرة.

فمثلًا محمد بن عبد الجبار بن حسن النفري، وهو من كبار الصوفية، في كتابه المسمى المواقف والمخاطبات، نراه يسوي بين العالم والجاهل في الغفلة عن الله، يقول: يقول الله لعبده: العلم حجاب عن المعلوم الحقيقة، فالعالم محتجب باليقظة كما أن الجاهل محتجب بالغفلة، لأن العلم يشتت بين أجزاء ووجهات نظر.

ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب: يقول الله لعبده: اخرج من العلم الذي ضده الجهل، اخرج من المعرفة التي ضدها النكرة … اخرج من الحرف، تعلم علمًا لا ضد له هو العلم الرباني، وهو علم يقذف في القلب من الله دون إيجاد من العبد، وتجهل جهلًا لا ضد له هو الجهل العرفاني. أليس هذا شبيهًا بما قاله أبو حامد: الناس عبيد لما عرفوا وأعداء لما جهلوا.

هل أطاح التصوف فيما بقي للغزالي من عقل؟

الجواب لا. فكثير من المتصوفة معروفون بغلوهم، حتى قال بعضهم بالاتحاد والحلول ووحدة الوجود وبإسقاط المعلومات من الدين بالضرورة. إلا أن الله حفظ على الغزالي عقله من هذا الشطط، فأقام ما يسمى بالتصوف السني، الذي ينتهي عند ما انتهى عنده الشرع.

ففي طبقات الشافعية الكبرى، نجد عبد الوهاب السبكي يذكر هذه الفتوى للغزالي، ومن الفتاوى عن حجة الإسلام غير ما تضمنته فتاويه المجموعة المشهورة، كتب له بعض الزائغين ما قوله: متع الله المسلمين ببقائه ونفع الطالبين بمشاهدته ولقائه ومنحه الله أفضل ما منح به خاصته من أصفيائه وأوليائه في قلب خصه الحق سبحانه بأنواع من الطرف والهدايا ومنح أصنافًا من الأنوار والعطايا يستمر له ذلك في جميع الأوقات والأحوال متزايدة مع عدم العوائق والآفات مع كون ظاهرة معمورًا بأحكام الشرع وآدابه منزها عن مآثمه ومخالفاته ويجد في الباطن مكاشفات وأنوارًا عجيبة.

ثم إنه انكشف له نوع تعريف أن المقصود من التكاليف الشرعية والرياضيات التأديبية هو الفطام عما سوى الحق كما قيل لموسى: أخل قلبك؛ فإني أريد أن أنزل فيه.

فإذا تم الفطام وحصل المقصود بالوصول إلى القربة ودوام الترقى من غير فترة، حتى إنه لو اشتغل بوظائف الشرع وظواهره انقطع عن حفظ الباطن وتشوش عليه بالالتفات عن أنواع الواردات الباطنة إلى مراعاة أمر الظاهر.

وهذا الرجل لا ينزع يده من التكليف الظاهر، ولا يقصر في أحكام الشريعة، لكن الاعتقاد الذي كان له في الظواهر والتكاليف تناقص وتقاصر عما كان في الابتداء من التعظيم لموقعها عنده، ولكنه يباشرها ويواظب عليها عادة، لا لأجل الخلق نظرهم وحفظ ومراقبة إنكارهم، بل صارت إلفًا له، وإن نقص اعتقاده فيها، وتعظيمها ما حكمها، ثم إن عرضت لهذا شبهة أن المقصود من الداعي والدعوة حصول المعرفة والقربة، وإذا حصل هذا استغنى عن الداعي والواسطة، كيف معالجته؟ فإن قلنا المعرفة لا تتناهى أبدًا، بل تقبل الزيادة أبدًا، فلا يستغنى عن الداعي أبدًا لا محالة، فربما قال الداعي قد تبين ما احتيج إلى بيانه وشرح معالم الطرق وذهب، فلو احتاج السالك إلى مراجعته في زوائد واردة لم تمكن المراجعة في هذه الحالة، فيقول ما هو طبيب علتي في هذه الحالة؛ لأنه غاب عن إمكان المراجعة، فما علاجه ينعم بالجواب مستوفى حسب ما عود من شافي بيانه.

الجواب وبالله التوفيق ينبغي أن يتحقق المريد هنا أن من ظن أن المقصود من التكاليف والتعبد بالفرائض الفطام عما سوى الله تعالى والتجرد له فهو مصيب في ظنه أن ذلك مقصود ومخطىء في ظنه أنه كل المقصود ولا مقصود سواه، بل لله تعالى في الفرائض التي استعبد بها الخلق أسرار سوى الفطام تقصر بضاعة العقل عن دركها.

ومثل هذا الرجل المنخدع بهذا الظن مثل رجل بنى له أبوه قصرًا على رأس جبل ووضع فيه شدة من حشيش طيب الرائحة وأكد الوصية على ولده مرة بعد أخرى أن لا يخلي هذا القصر عن هذا الحشيش طول عمره، وقال: إياك أن تسكن هذا القصر ساعة من ليل أو نهار، إلا وهذا الحشيش فيه، فزرع الولد حول القصر أنواعًا من الرياحين وجلب من البر والبحر أوقارًا من العود والعنبر والمسك، وجمع في قصره جميع ذلك، مع شدات كثيرة من الرياحين الطيبة الرائحة؛ فانغمرت رائحة الحشيش لما فاحت هذه الروائح، فقال لا أشك أن والدي ما أوصاني بحفظ هذا الحشيش إلا لطيب رائحته، والآن قد استغنيت بهذه الرياحين عن رائحته فلا فائدة فيه الآن، إلا أن يضيق على المكان؛ فرمي من القصر. فلما خلا القصر عن الحشيش ظهر من بعض ثقب القصر حية هائلة، وضربته ضربة أشرف بها على الهلاك؛ فتفطن وتنبه حيث لم ينفعه التنبه أن الحشيش كان من خاصيته دفع هذه الحية المهلكة، وكان لأبيه في الوصية بالحشيش غرضان: أحدهما انتفاع الولد برائحته، وذلك قد أدركه الولد بعقله، والثاني اندفاع الحيات المهلكة برائحته، وذلك مما قصر عن دركه بصيرة الولد؛ فاغتر الولد بما عنده من العلم، وظن أنه لا سر وراء معلومه ومعقوله كما قال تعالى: ذلك مبلغهم من العلم. وقال: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم.

والمغرور من اغتر بعقله فظن أن ما هو منتف عن علمه فهو منتف في نفسه ولقد عرف أهل الكمال أن قالب الآدمي كذلك القصر وأنه معشش حيات وعقارب مهلكات، وإنما رقيتها وقيدها بطريق الخاصية المكتوبات المشروعة بقوله سبحانه: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا. وقوله تعالى: كتب عليكم الصيام.

فكما أن الكلمات الملفوظة والمكتوبة في الرقية تؤثر بالخاصية في استخراج الحيات، بل في استسخار الجن والشياطين وبعض الأدعية المنظومة المأثورة تؤثر في استمالة الملائكة إلى السعي في إجابة الداعي ويقصر العقل عن إدراك كيفيته وخاصيته، وإنما يدرك ذلك بقوة النبوة، إذا كوشف النبي بها من اللوح المحفوظ، فكذلك صورة الصلاة المشتملة على ركوع واحد وسجودين وعدد مخصوص وألفاظ معينه من القرآن متلوه مختلفة المقادير عند طلوع الشمس وعند الزوال والغروب تؤثر بالخاصية في تسكين التنين المستكن في قالب الآدمي الذي يتشعب منه حيات كثيرة الرءوس بعد أخلاق الآدمي يلدغه وينهشه في القبر متمكنًا من جوهر الروح وذاته أشد إيلامًا من لدغ متمكن من القالب أولًا، ثم يسري أثره إلى الروح، وإليه الإشارة بقوله: يسلط على الكافر في قبره تنين له تسعة وتسعون رأسًا صفته كذا وكذا. الحديث.

ويكثر مثل هذا التنين في خلقة الآدمي، ولا يقمعه إلا الفرائض المكتوبة، فهي المنجيات عن المهلكات وهي أنواع كثيرة بعدد الأخلاق المذمومة: وما يعلم جنود ربك إلا هو.

فإذن في التكليف غرضان، أدرك هذا المغرور أحدهما، وغفل عن الآخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد