لا يستطيع الإنسان مهما حاول تحقيق توازن داخلي بين الجسد والروح أن يصل لنتائج مرضية تضمن له القليل من السعادة، والسبب يعود إلى أن التوازن الداخلي مفاده عند الجمهور، وجود إنسانيات عاقلة مقترنة بإيمانها بفكرة غيبية غير مشخصة وهي الفكرة التي تم الإجماع عليها تحت مسمى لاهوت أي ديني غير مرئي، وضرورة الإيمان أو التعلق بما هو غيبي نابع من شعور الخوف من العقاب، أي العجز الطبيعي في عدم كشف عن المجهول، ومنه يتم الاندفاع نحو منظومة الخلاص، لتحقيق توازن داخلي تدفع بالشخوص أكثر لتكريس هذا التوازن، بيد أن هذا الاتزان غير متاح بدون تحقيق توازن مع الخارج أو البيئة أو المكان، فالتوازن مع الباطن لا ينفصل البتة عن التوازن في الطبيعة أو الوسط الخارجي المؤثر بشكل مباشر بذاتية الإنسان، وإذا ما افترضنا أن المكان بأبعاده قد يفرض حصارًا على الإنسان فهذا لم يمنع ذوات أخرى من التواجد في أماكن أخرى بعيدة عن واقع اختلت به عناصر السكون بفعل مؤثر مضاف عليه قد ظن البعض أن خللًا قد أصاب القوانين الناظمة للوجود، وهو المحال في كون قائم على المتناقضات المُحدث لتطور ديناميكي وجودي لا نرى منه إلا الظاهر للعيان، لذا فالخلل يمكن هنا في ما هو مشاهد وما دون ذلك لا توجد قوة تستطيع أن تخل بتلك القوانين، ومنه نستطيع استنباط نتيجة تفيد بأن جدلًا وصراعًا حيًا يسكن داخلية الإنسان، يختلف عن الصراع المنظّم في الطبيعة، وإن هذا الكون قائم على حزمة من الثنائيات المتناقضة، هو الجدل أو الديالكتك.

وفحوى الحديث عن طبيعة الجدل القائم بالإنسان من جهة وبالطبيعة من جهة أخرى هو لتوضيح كيفية تعامل الإنسان المتعدد الصراعات مع أحادية الثورة السورية، التي تفرعت فيما بعد إلى ثنائية متناحرة ومنها إلى عدة صراعات متناقضة، بمعنى آخر الثورة السورية المتعددة الصراعات اليوم، أساسها ذات واحدة عاقلة تعيش في بوتقة صراع أحادي وذاتي، تطورت بعامل الزمن لتفرز ثنائية متصارعة وهي بحقيقتها ليست ثنائية بل هي رباعية طرفها إنسان داخلٌ بصراع مع ذاته والثاني ثورة اجتمعت بذاتيتها عوامل موضوعية أحدثت جدلًا خاصًا بها.

وللوهلة الأولى رأينا أن الإنسان الثائر شكل ثنائي ناجح من ناحية التأقلم بين جدل صاعد وهابط. الأول خاص به انطلق من بداية إدراكه بلوغ درجة عليا من الظلم، في الوقت الذي سنحت فيه الظروف لبلورة سلوكيات سلبية لواقع مفروض على شرائح متعددة لمجتمعات هشة تدار من الخلف وبلغة اللامنطق واللامعقول، فوضوح الصورة المرئية للطرف الآخر وتحليله لكل ردات الفعل، جعلته يرتقي من مكانه ويخرج من عنق الزجاجة حتى يصل درجة عليا من استيعاب مفاهيم الظلم والقهر والحرمان واللاعدل وجميعها منافية للإنسانية والأخلاق، والرابط بينها أنها النقيض المضاد لكل ما هو خير أو ما يحمل بطياته ملاذًا آمنًا للتوازن المنشود إليه الذي يتمثل بنهاية المطاف بحرية منضبطة.

ومرةً أخرى اكتملت الصورة في مخليته عندما حلل الاستدلالات من وراء وجودها أي وجودها الميتافزيقي فهبط درجة واحدة إلى واقعه المعيش حتى يرى نفسه، في دائرة صراع بين الخير والشر.

هذا من ناحية الخاص، أما الثاني ما هو عام أو خارجي فهو مرتبط به بضرورة توظيف كل المتناقضات في علاقة متبادلة لإحداث نتيجة ثالثة تُحقق له توازنًا نهائيًا وأخيرًا دون النظر إلى احتمالية الكم الهائل من المتناقضات التي قد تحملها الثنائية الأولى، التي ولدَّها قانون طبيعي متحكم بطبيعة المتناقضات أحادية كانت أم ثنائية، فمن المعروف أن فن السيطرة يكمن في وقت ضبط السيطرة عند فقدانها، وليس بعد فوات أوانها.

وقد يخطر في بالنا سؤال كيف كان من الممكن تفادي الصراعات المتعددة الناتجة عن صراع أحادي، سيما أننا قلنا لا يستطيع أحد تفادي قانونها المتحكم بطبيعة التناقض القائم في كل جزئية على حدة، كما أن ضرورة الالتحام بالمتناقضات هي بحد ذاتها ضرورة للوصول إلى نتيجة ثالثة ونهائية، فما الذي حدث حتى وصل الأمر إلى غاية فقدان السيطرة وعدم القدرة على التحكم بها خصوصًا بعد أن تفرعت إلى عدة صراعات.

قد يتفرع الجواب لأكثر من سبب، فمن ناحية قد لا يمكن حسم الصراعات المتناقضة خاصة الأحادية منها فهي دائمًا في عراك باطني مستمر، من منحى ثان لا يمكن التوقع باحتمالية عدم نشوب صراعات ناتجة عن أقلمة الأحادي الأول الباطني مع الأحادي الخارجي أي بين ذاتية الإنسان والثورة، لكن كان من الممكن ضبط إيقاع المتناقضات لتكون منتظمة وتوظيفها فيما يلبي الثنائية الأولى أي كل ما ظهر منها يعود لها.

تمامًا كالذي نراه في الطرف الآخر الذي نواجه ويتمثل بالمنطق بمحور الشر وصراعاته المتعددة، فهو اليوم يحمل في طياته الآلاف من المتناقضات والصراعات والثنائيات المتناحرة، لكن ثمة من يقوم بضبطها جميعًا لخدمة الأحادية الأولى المنصهرة تمامًا في كل المتناقضات وهي ذاتها لا تسمح بالخروج عن السيطرة بالوقت الراهن مع العلم أن هذا شيء نسبي وحتمًا سيفضي بالنهاية إلى انفجار بين كل المتناقضات والسبب بسيط فعند أي لحظة تغلّب من الآخر سيقود حتمًا إلى صهر متناقضات الطرف الآخر، وهذه الصيغة لن تفضي إلى نتيجة إلا في حال ضبط العلاقة بين الإنسان وثورته المتحد معها ولها.

وبلغة مبسطة فقد الإنسان السيطرة بينه وبين علاقته مع الثورة في الوقت الذي من المفروض أن يقوم بضبط إيقاع ثنائيته معها لعدم السماح للطرف الآخر بالتغلب عليه وخلق ما يسمى ثنائية مضادة وهي الحرب التي وُضعت وجهًا لوجه أمام الثورة، ولا ننفي العوامل الخارجية التي وضعت لتحقيق هذا الانفجار لكن كان من الممكن على الإنسان أن يتسلح بأدوات الإدراك والوعي الجمعي، ويضع قوانين ضابطة يكون على رأسها الضمير الجمعي والوعي الجمعي السوري مع الاستمرار في ضبط المتناقضات والتأقلم معها وعدم السماح لعامل الزمن بتجاوز المعقول حتى وصلنا اليوم إلى حد اللامعقول من ترجمة سلوكيات سلبية تزيد من وضوح صورة الظلم والقهر وتكرس أكثر للطرف الآخر نجاح استراتيجيته المنضبطة منذ سبع سنوات حتى لو كان هذا الأمر مؤقتًا لكنه يعمل بعقلية الدائم المستتب، وهذه النتيجة ما كانت لتكون لو كان هناك إدراك بطبيعة تطور جدليات الصراع من أحادية إلى مالا نهاية، عندها كان من الممكن أن يتم التعامل مع سباق للزمن والتوقع بمآلات تلك المتناقضات لمعرفة كيفية ضبطها وتوظيفها ضمن دائرة الحدث الأول المنطلق أساسًا للتغلب على الآخر المقيد والمانع لنا من تحقيق أي هدف يرتقي بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة بدلًا من إفسادها وإفساد من عليها، والغاية تصبح هنا الفساد من أجل الفساد والفوضى من أجل الفوضى وهذه الكلمات الأخيرة هي تعبير مجازي عن الكم الهائل من الانفجارات المحدثة من صراعات كانت أحادية لتصل اليوم إلى مالا نهاية وهي اليوم تهدد وجود الإنسان من عالم الطبيعة، وعلاوة على ذلك إذا ما أدرك الإنسان الأخطاء المتراكمة وأعاد امتلاك زمام الأمور يستطيع حينها أن يعود لضبط الصراعات وهذا لن يتم إلا من خلال فهم ما جرى مسبقًا لمعرفة وتوقع ما سيجري حينها نبدأ الخطوة من جديد في ضبط الصراعات الكثيرة لإعادتها إلى البداية الأولى والتحكم بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد