الفكرة لها كينونة داخلية وطبيعة مركبة، والاشتباك الواعي معها (إنشاءً وتعبيرًا) يجبرنا على استعمال القوالب الجامدة والتراكيب المعقدة حسب عمق الفكرة ومستوى تركيزها.

وهناك اعتقاد سائد بصعوبة إيجاد قالب شعري متكامل للأفكار الفلسفية، لاختلاف مضامين القصائد والأشعار عن الطابع التجريدي البحت الذي تتميز به موضوعات الفلسفة وأغراضها المعرفية، مما حدا بالنقاد إلى اختراع مصطلح “النظم” لوصف الأفكار التي تمت صياغتها في قالب شعري، في نفور واضح من التقعيد والتركيب والسبر والتقسيم الذي يتميز به عالم الفكر والفلسفة عمومًا.

هناك من يزعم أن القصيدة إذا كانت بلا موضوع فإنها ستصبح مجرد إيقاعات موسيقية يتعالى وقع حلاوتها بمقدار إتقان الشاعر للعبة اللغة، ويتحول القالب الشعري إلى أداة أدبية تعبر بها القصيدة عن نفسها، وإن كان هذا الكلام صحيحًا بخصوص كثير من القصائد الغامضة (المعنى في بطن الشاعر!) إلا أن هناك مجموعة لا يستهان بها من القصائد التي تتفجر أبياتها فكرًا ومعرفة وحكمة، وتومئ معانيها إلى وعي فلسفي عميق يحمله الشاعر وينزع إلى تطعيم قصائده به وإخراجه في ديباجة مؤثرة تسر الناظرين.

يقول سيجموند فرويد: “لم أكتب عن فكرة إلا وسبقني إليها شاعر”، ويقول إميل سيوران: “بقدر ما تطول علاقتنا بالشعر نتمكن من مغالبة الخواء الداخلي، وبالشعر – كما بالموسيقى – نلامس شيئًا ما؛ جوهريًّا”، ويبدو الشعر – بمختلف أشكاله ومضامينه – من أهم مظاهر التعبير الجمالي عن الوعي الإنساني، نظرًا للطابع الانفتاحي الذي يميزه كفن أدبي يستوعب التنوع والاختلاف، ولذا فإن كان من المتفق عليه أن الفلسفة هي أم العلوم فإن القصيدة – كأداة تواصل حضاري – هي أم الثقافات.
فلاسفة الشعراء في التراث العربي
أبو العلاء المعري – رهين المحبسين – كانت قصائده تنضح بفلسفته للذات والوجود، وكتابه “رسالة الغفران” يحكي فيه زيارة الشاعر للجنة ورؤيته لشعراء الجاهلية العرب هناك ببلاغة مذهلة واستطراد فلسفي عميق، أثر هذا الكتاب على الشاعر الإيطالي دانتي أليغيري في كتابه “الكوميديا الإلهية” – كما يؤكد بعض الباحثين – لأن كليهما تحدثا عن زيارة الجنة والتحدث مع الموتى!

ويكاد شاعر معرة النعمان أن يعطينا درسًا في مفهوم شائك ومعقد كـ”حوار الأديان” في ثلاثة أبيات تختصر الفكرة بجميع إشكالياتها:

في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيحُ
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنـة يــــــــــــصيحُ
كلٌ يعظِّم دينـه يا ليـت شعري ما الصحيـحُ؟!

غياث الدين عمر الخيام – صاحب الرباعيات – تخصص في الأدب والرياضيات والفلك والتاريخ، وهو أول من اخترع طريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وإذا كان جدل الماهية والوجود (أيهما يسبق الآخر) قد أثار إشكالية فلسفية كبرى في مبحث حرية الإنسان ومسئوليته عن مصيره لدى فلاسفة فرنسا في القرن الثامن عشر؛ فإن هذا الشاعر الفيلسوف قد أشار إلى هذه المعضلة – ولو من طرف خفي – في رباعياته الشعرية الناضحة بصرخات وجودية مؤلمة حيث يقول:

لبست ثوب العمر ولم أستشر وحـرت فيه بـين شـتى الفـكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم أدرك لماذا جئت وأيـن المقر
لـم يبـرح الداء فـؤادي العـليـل ولـم أنل قصدي وحان الرحيـل
وفــات عمــــري وأنا جاهـــل كتاب هذا العمر حسم الـفصـول

الشعر أداة التنوير في عصر النهضة
فرانشيسكو بترارك – مدشن الحركة الإنسانية الحديثة – شاعر إيطالي كان من أوائل الإنسانيين (أي: أصحاب النزعة الإنسية أو الهيومانيزم في العلوم الاجتماعية) وهو أول من استخدم مصطلح “النهضة” للدلالة على بزوغ عصر جديد، وعرف أيضًا بكونه من أوائل من استخدموا تسمية العصور المظلمة على القرون الوسطى.

كان الرجل شخصية تعج بالمتناقضات، تقلب بين المتع الحسية والزهد الناسك وتمزق وعيه بين الماضي والحاضر، وقد أثرت به أزمته الداخلية وأتعبه ضعفه عن التوفيق بين إيمانه الديني وسلوكه الحياتي، لكن آلامه وعذاباته الروحية أثمرت فيلسوفـًا في ثوب شاعر نفذ إلى أغوار النفس البشرية، حيث عبر ببراعة عن القلق الأبدي الذي يسكن جوانح الإنسان في رحلته الطويلة عبر هذا الوجود، ونجح في تصوير أدق عواطف البشر وأكثرها نبلاً وارتفاعًا.

كان حب لورا – الفتاة التي أسرت قلبه – يعذبه ويشقيه حتى ألف ديوانا بعنوان (الانتصارات) تخيل فيه انتصار الحب بالمعنى المثالي والمطلق للكلمة، وكانت قصيدته “يا إله السماء” ناضحة بالمعاني الروحية العميقة ذات الدلالات التي أثرت في نفوس الأوروبيين في ذلك العصر:

يا إله السماء.. بعد كل الأيام التي ضاعت..
بعد كل الليالي التي انقضت دون جدوى..
ومع كل هذه الرغبة الحارقة التي تشتعل في قلبي..
وأنا أتأمل هذه المواقف الرائعة جدًا بالنسبة لتعاستي..
اسمح لي يا رب بنورك وهدايتك،
أن أعود إلى حياة أخرى أكثر صفاء..

يوهان فولفغانغ فون جوته – مبدع رواية آلام فرتر – شاعر ألمانيا الأكبر في القرن التاسع عشر، أطلق اسمه على أشهر معهد لنشر الثقافة الألمانية في شتى أنحاء العالم، تبحر في شتى العلوم والمعارف والفنون كالرسم والموسيقى والتصوير، وكان في اتجاهه الأدبي من رواد مدرسة “العاصفة والتيار” التي تعتبر تيارًا ذا منهج متجدد يؤمن بحرية التعبير، ويرفض وضع أي قيد على المشاعر والأحاسيس قبل أن يتحول لاحقـًا إلى الكلاسيكية، وكان أول شاعر أوروبي يقوم بتأليف ديوان عن الغرب والشرق في محاولة لتجسيد قيم التسامح والتفاهم بين الحضارات.

من أشعاره التي تنضح بأعمق معاني الفلسفة قصيدة “بروميثيوس” المقتبسة من الميثولوجيا اليونانية،التي تدور حول قصة تكليف بروميثيوس من قبل الإله زيوس (كبير آلهة اليونان) بأن يخلق المخلوقات، فخلق النبات ثم الحيوانات ثم الإنسان، ومن فرط حبه للجنس البشري فقد خلقهم على هيئة الآلهة وسرق نار الآلهة وأهداها إلى الإنسان (في إشارة رمزية إلى سلاح العقل والمعرفة!) مما أثار غضب الإله زيوس فعاقبه بربطه بالسلاسل على صخرة في إقليم القوقاز، ولكن جاء الفرج لبروميثيوس من هرقل الذي قتل الغراب وفك أصفاده وحرره، من كلمات هذه القصيدة على لسان بروميثيوس:

غط سماءك يا زيوس بسديم غيوم ومارس..
مثل الغلام الذي يقطع رؤوس الأشواك على شجر السنديان ومرتفعات الجبل..
ولكن يجب أن تــترك لــي أرضــي وكوخي الذي لم تبنهِ..
وموقد نــاري الذي تحســدني على نــاره المتوهـجة!

الشعر بوابة العرب إلى الحداثة المعاصرة
لقد استطاعت النهضة العربية المعاصرة عندما طرقت باب الشعر – ديوان العرب –أن تحقق قفزة نوعية في تغيير الوعي العربي حيث نقلته إلى فضاء ثقافي جديد، ما كتبه جورج حبش مثلاً – حكيم الثورة الفلسطينية – في معاني النضال والعمل الثوري لا يقارن في تأثيره بما أبدعه الشاعر معروف الرصافي في قصائده المليئة بمعان النضال والثورة، وما سطره قاسم أمين في معركته لتحرير المرأة يكاد يتصاغر أمام العاطفة المتقدة لقصائد الشاعر العراقي الثائر على التقاليد جميل صدقي الزهاوي.

وإذا كان النقد المعرفي والتاريخي للتراث العربي وإعادة قراءته وتأويله قد استجلب اهتمام كبار المفكرين كالجابري وحسن حنفي وهشام جعيط ممن أفنوا أعمارهم من أجل تحقيقه بحثا وكتابة وتأليفا وتصنيفا؛ فإن تأثير كتاباتهم على نظرة العربي لتراثه وثقافته يكاد لا يذكر أمام التوظيف البديع لفلسفة اللغة واستخدامها لخلخلة التراث بقصائد شعرية كما يفعل الشاعر السوري أدونيس!

لقد غدت العقلانية والتفكير العلمي في عصرنا الحالي أساس الحضارة وعماد التنمية المتكاملة، ولم تعد الماهيات الأتنوغرافية والميثولوجيا الموروثة أدوات نافعة في صناعة وعي الشعوب المتحضرة، وإعدادها لمعركة اقتصاد المعرفة الذي يتغيا استثمار عقل الإنسان وقدراته الذهنية ذات البعد الإنتاجي الملموس.

ونظرا لغلبة الجانب الوجداني على الجانب العقلاني في الوعي الشعبي لمجتمعات ما قبل الحداثة، فإن المسؤولية الكبرى لاستزراع معاني النهضة والثقافة الإنسانية في تربة البلدان العربية تقع على عاتق الشعراء،فهم – بقصائدهم وأبياتهم – يستطيعون استثارة العواطف وتحريك الوجدان ومخاطبة القلوب بشكل لا يقارعهم فيه أغزر الفلاسفة علمًا وأقواهم حجة وفهمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد