إذا كنت ممسكًا بكتاب فلسفي تتدبر فيه تعطشًا للمعرفة، وإشباع الفكر وأسئلته اللا نهائية، لعلك ستسمع تلك الأحاديث المغلوطة عن أن الفلسفة ستؤدي بك إلى الإلحاد، وأنك لا بد وأن تتفقه في التوحيد والشرع قبل البدء في قراءة أي آراء فلسفية، بل ويعتبر الكثيرون أن الفلسفة طريق واضح لنهايتين واضحتين، إما الجنون، وإما الإلحاد. وهنا لا يمكن إنكار أن هناك فلاسفة اتجهوا نحو إثبات عدم وجود الله عز وجل، وعارضوا بشدة فكرة الثواب والعقاب بعد الموت، وأن هناك حياة أخرى تبدأ بعد أن يموت الإنسان، كما أنهم تساءلوا إذا كان هناك الله فلماذا لا نراه، ومثال هؤلاء فلاسفة اليونان القدماء كإبيقور ((Epicurus الذي أنكر تدخل أي آلهة في سير العالم، واعتبر أن المادة هي الخالدة، وسار أيضًا على نهجه ليوكيبوس وديمقريطس. كما أن هناك الفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي زعم أن الدين هو السبب في تكاسل الشعوب عن تغيير الواقع وتطويره، وأنه هو الذي يجعلهم يتجهون إلى تلك الحالة من السكون ففعله كفعل الأفيون.

ولكن الواقع أن هذا مجرد جانب واحد من الفلسفة، وجانب واحد من الآراء التي لا تفرضها عليك الفلسفة مُطلقًا؛ لأنها قدمت لك عددًا ليس بقليل من الفلاسفة الذين أقروا بوجود الله عز وجل، ولم يقروا ذلك بُناءً على فرضيات وهمية أو لمجرد الإقناع بلا مبررات واضحة، فالفلاسفة مفكرون ويأتون ببراهين واضحة لأفكارهم ونتائجهم التي توصلوا إليها؛ لذلك فإنه ليس من المنطقي أو حتى من العدل أن تكون النظرة إلى الفلسفة كالنظرة إلى الإلحاد، أو اعتبارها طريقًا واضحًا إليه.

أرسطو وهو تلميذ أفلاطون ومُعلم الإسكندر الأكبر وواحد من فلاسفة اليونان القدماء جدًّا، قال: «إن هذا الكون يجب أن يعزى إلى علة عاقلة وليس إلى صدفة». والله عند أرسطو هو العلة العاقلة، وأشار أيضًا إلى أن «كل مُتحرك لا بد له من مُحرك، وهذا المُحرك لا يمكن أن يحتاج إلى مُحرك آخر يستمد حركته من غيره، وإلا لتسلسل الأمر إلى غير نهاية، فلا بد من أن ينتهي الأمر إلى مُحرك أولي أزلي يُحرك ولا يتحرك، أو يفعل في غيره ولا ينفعل بغيره، وإلا لما كان أولًا وذلك المحرك الأول هو الله».

ولتبسيط الأمر، فإن أرسطو فكر في أمر الخليقة والوجود كسلسلة من التروس المتصلة ببعضها، والتي لا بد من أن يتحرك كل منها لكي يُمكن التالي من الحركة، وإذا اعتبرنا الكون كتلك السلسلة فإن الأمر لن ينتهي، ويظل يدور في حلقة مغلقة إلى ما لا نهاية وهذا بأمر غير معقول، فلا بد من أن يكون هناك ترس أولي يتحرك بذاته يدفع كل الذي يتلوه إلى التحرك. وهذا المُحرك الأولي هو الله، والذي هو علة وسبب حركة وسكون كل ما في الكون، وهو تفسير منطقي.

أما سقراط وتلميذه النبيغ أفلاطون فقد اتبعا منهجًا يتفق أيضًا على وجود الله، ولكن من منظور مختلف بعض الشيء، لكنه في الوقت ذاته لا يتعارض مع منظور سقراط، فقد كانا يؤيدان فكرة أن الترابط والتناغم الموجود بين أجزاء ومكونات العالم هو ليس بصدفة، إنما هو من صنع خالق ليس له نظير وإلا لاختلت تلك الأنظمة، وتمرد بعضها على بعض، وسادت الفوضى في كل النظم الطبيعية. ومعنى أن ذلك لم يحدث أن لا بد من وجود خالق قادر ومُتحكم في ذلك التناغم البديع.

ووجهة نظرهما لا تحتاج إلى توضيح فإنه من المؤكد أن هذا الكون يسير وفقًا لقانون مُحدد، والبشر ليسوا قادرين على صياغة مثل هذا القانون، إنما هو قانون إلهي يسير عليه كل مُكون من مكونات الكون، ويتبعه دون خلل أو اضطراب.

أما الفيلفسوف الفرنسي رينيه ديكارت والذي يُلقب بـ «أبو الفلسفة الحديثة» فقد كان له تفسير دقيق مُفصل، يبدأ من السبب، وينتهي إلى النتيجة المنطقية التي تثبت أن الله عز وجل لا بد أن يكون موجودًا، فقد قال ديكارت إن الإنسان كائن ناقص فهو ليس بقادر على فعل كل شيء، أو على معرفة كل أبعاد الكون، ومعنى أن الإنسان ناقص وأنه واعٍ تمامًا لذلك النقصان أن لديه فكرة عن الكمال، وإلا ما استشعر فكرة النقصان، وإذا كانت لدى الإنسان فكرة عن الكمال فمن أين أتى بتلك الفكرة؟! لا بد إذًا من وجود كائن كامل استمد منه الإنسان فكرته عن الكمال، كما أن الوجود صفة تتحقق فيما له الكمال المُطلق، ومعنى ذلك أن هذا الكائن الكامل هو الله عز وجل.

إن الفلسفة حتمًا لا تؤدي إلى الإلحاد أو الجنون، وذلك الاعتقاد ليس نابعًا إلا عن مُعتقدات مغلوطة، لأن الفلسفة علم يدعو إلى التفكير والتجرد من كل الأفكار والمعتقدات التي ليس لها جذور قوية في العقل، والعمل على إعادة هيكلتها وإثباتها ببراهين تؤيدها، أو رفضها بأدلة تُثبت ضلالتها. ومسألة وجود الله أو الإلحاد ليست إلا قضية من قضايا كثيرة جدًّا تناولتها الفلسفة، فهي ليست متوقفة أو متمركزة على تلك القضية، كما أن لكل فكرة مؤيدًا ومُعارضًا، وهكذا تكون الفلسفة، فإذا كانت لفكرتك أدلة منطقية وعقلية تُثبتها، فافعل ما شئت، وتبنى ما أحببت من الآراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد