أتحسر حينما يكون بيننا واحد من أهم الكتب الفلسفية العلمية في الوطن العربي وبسبب تجاهلنا للعلوم وقامات كبيرة لا ينال نصيبًا من الترجمة، وأحزن بشدة لعدم ترجمة العديد من الكتب العربية وانتشارها في الخارج لينال أصحابها ما يستحقون من تقدير، ويسهمون في الفكر والوعي الإنساني في كل مكان في العالم.

الكتاب هو فلسفة العلوم وهو صرح وبناء للدخول في العلوم ويهتم بمفهوم خاص وهو المصادفة، وقد كان رسالة دكتوراة خطها الكاتب وتركها سنوات لم تنشر وخشي أن ينشرها بعد قفزات العلوم الهائلة في العالم وقتها ولانشغاله بالكفاح السيسي وغيره، لكن لو نظرنا بتعمق نجد هذا الكتاب يمثل صرحًا تنويريًا فلسفيًا علميًا مناسبًا لكل وقت ولكل زمان، وفيه جهد خارق ومفاهيم وقضايا وتوضيحات شديدة الأهمية، ولا غنى عنه في أي مكتبة في أي بلد في العالم، ويعد وثيقة تنوير للعقول وتوضيح المفاهيم الهامة.

«والحق أنني لم أكن كانطيًا، بل كنت دونكيشوتيًا متطرفًا، وإن لم أملك درعًا من رياضة أو معرفة علمية. على أنني انطلقت عبر الظلمة وطواحينها العلمية الدائرة بضمير لا أدعي أنه كان يستهدف المعرفة وحدها.. فقد كنت مأزومًا أزمة تختلط فيها المفهومات الفكرية والقيم الاجتماعية والخلقية. وكنت أعتقد أن انطلاقي عبر الحائط الكثيف المعتم هو سبيلي للخلاص».

يحدثنا الكاتب عن العلم وعلاقته بالمجتمع وموقف كل من الطرفين من الآخر وموقف المتدينين والفكر الديني وغيره والتقابلات والتصادمات المتفرقة، ويحدثنا: «إن الميزة الأساسية لحضارتنا الحديثة هي إيماننا بعلمية الواقع وعلمية حياتنا الإنسانية والدلالة الحقيقية للعلم أنه معرفة بما يتضمنه الواقع من ضرورات، وهو في الوقت نفسه جهد إنساني للسيطرة على هذه الضرورات وتوجيهها».

واتجه لتوضيح الدلالة العلمية في الفيزياء الحديثة وقتها وفهم الاستدلال الاحتمالي ومن ثم انتقل لتعريف المصادفة عبر الحضارات ووفق فلاسفة منذ اليونان وغيرها حتى العصر الحديث ومعناها اللغوي في العديد من اللغات والثقافات وغيره ويوضح المفاهيم والنظريات حولها والمفاهيم الموضوعية والاحتمالية وغيرها والسلوكية أيضًا.

ويلخص الاستبصار الموضوعي للمصادفة، تحرير المنهج العلمي من الحدود الميكانيكية. وتخليص النظرية العلمية من الذاتية. ينتقل أيضًا بعد ذلك للحديث عن ميكانيكا الكم والرياضيات وعلاقتهم بالفيزياء والمصادفة.

الكتاب يعرض كل ذلك لكن ليس بالأسلوب السهل لأنه في الأصل رسالة دكتوراة كتبت بشكل أكاديمي يتميز بالعديد من المصطلحات الصعبة والفلسفية والعلمية الدقيقة التي تجبرك على التركيز والتمعن بدقة فيها والقراءة بحذر والتوخي والبحث وراءها، كما يستخدم نظريات ومفاهيم لبعض العلماء أو الفلاسفة قد تجد أنه يشعر بأن القارئ يفهمها ولا داعي لتوضيحها ولو وضح كل شيء لاحتاج عشرات المجلدات ليبسط كتابه هذا الذي يمثل قنبلة من المعرفة والفلسفة والتفكير تنفجر في وجهك ولا تتركك كما كنت حينما تقرؤها، ولعل قيمة الكتاب أنه نقطة تبصر لنا مفهومًا قد يبدو بسيطًا، لكن حينما نتعمق فيه علميًا وفلسفيًا يبدو أصعب وأعمق مما نتصور، وكم منا يرى المصادفة مجرد كلمة تقارب الحظ أو الشيء إلا موضوعي الذي يتعذر تفسيره أو يتعذر وجود علة له. نجد النقيض، نجد التبصير لها ونجد ما يثبت بعض من معتقداتنا حول المصادفة.

يوضح هذا الكتاب فترة امتلأت بالحركات العلمية والتنويرية حتى الحرب العالمية الثانية، نجد اتجاهًا للعلوم والفكر وهذا أكثر ما نحن في حاجة إليه الآن. ويعد هذا العمل بحثًا فريدًا إبداعيًا لمحمود أمين العالم. ومن الجيد أنه صدر عن وزارة الثقافة حديثًا وإعادة نشره تعد خطوة مهمة لكتاب من أهم كتب المكتبة الفلسفية والعلمية العربية، ولعل من الصعب توضيح مصطلحات ومفاهيم الكتاب وليس من الصعب قراءته لغير المتخصص أو الشغوف بالفلسفة، بل سيفتح آفاقًا لقارئه لعلوم وكتاب آخرين ويجعله يبحث ويفكر طويلًا ويتأمل كل شيء من اللغة حتى المضمون والفكر ويرتقي به لدرجات عديدة.

ويعد محمود أمين العالم رجلًا مناضلًا سياسيًا وناقدًا وكان قد شغل منصب مدرس مساعد بقسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة القاهرة، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للكتاب، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة المسرح والموسيقى والفنون الشعبية، ورئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، والعديد من المناصب الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد