توطئة:

لقد أصبحت معظم دول العالم في عصرنا الراهن، تولي اهتمامًا كبيرًا لموضوع «التربية» والتي هي أعم وأشمل من عملية التعليم، والتربية ـ كما هو معلوم ـ هي محط آمال الأمم ونهضتها، تعكس الحاضر، وتخط المستقبل، وتسمو إلى آفاق رحبة، طامحة لأن تصبو إلى المعالي في تأهيل وتنمية المجتمع تنميةً شاملةً شمول الحياة بمختلف مجالاتها: الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، فهي تقوم على أساس تربية الإنسان نواة المجتمع الأولية تربية صحيحة شاملة، مدركة عناصر ومقومات شخصيته، وحريصة على تنشئته وفق مبادئ وقيم مجتمعه وأمته، ومؤثرة في تعديل سلوكه وبناء ذاته، وإعداده إعدادًا صلبًا يتناسب وخصائص ثقافة مجتمعه؛ حتى يصبح أهلًا  لبناء مجتمعه وحمل ثقافته المجتمعية .

أولًا: ماهية فلسفة التربية:

إن روح العصر التي نحياها تستدعي حضور الفلسفة في ميدان التربية باعتبار أن «فلسفة التربية» تستمد أساسها من طبيعة الموضوع الذي تهتم به التربية ذاتها، وهو الإنسان في علاقته بذاته وبالمجتمع. ومن المعروف أن هذه العلاقات ظلت عبر تطور الفكر البشري موضوعًا فلسفيًّا محضًا، لا يمكن مقاربته إلا من منظور فلسفي خالص. فالفلسفة بصفة عامة، أسلوب منهجي في التفكير في كل ماهو موجود، يسعى إلى معرفة الأشياء، من حيث هي كل، معتمدًا في ذلك التحليل والتركيب والنقد والتأمل. فالفلسفة تحاول أن تقيم التماسك في مجموع مجال الخبرة الإنسانية. وتسعى باستمرار إلى فهم الواقع في شموليته. وكذلك تسعى «فلسفة التربية» إلى فهم التربية في كليتها الإجمالية، حيت تتضمن تطبيق التفكير الفلسفي على ميدان التربية، وبذلك تصبح الفلسفة، كما يقول «جون ديوي»: النظرية العامة للتربية، والتربية هي المعمل الذي تختبر فيه الأفكار الفلسفية.

ويمكننا القول: بأن فلسفة التربية تطبيق منهج ونظرة الفلسفة على التربية؛ بسبب دورها في تحديد الطريق الخاص بعملية التربيّة، والمساهمة في تعديلها ونقدها وتنسيقها لتواكب المُشكلات والصراعات الثقافية، كما تُمثِّلُ فلسفة التربيّة الجهد المُستخدم في تنفيذ الأفكار الفلسفيَّة في بيئة التربية، أو السعي إلى نشر نظرة الفلسفة العامة ضمن المكونات الخاصة بالتربية، ومن ثمّ تبحث عن القيم والمعرفة، وتنتقد الفروض القائمة عليها، وتُساهم في توفير التنسيق الخاص بالعمليات التربويّة، وجعلها تواكب مشكلات المجتمع.

وهكذا تكون «فلسفة التربية» هي النشاط الفكري المنظم الذي يتخذ الفلسفة وسيلة لتنظيم العملية التربوية وتنسيقها والعمل على انسجامها، وتوضيح القيم والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. وفي هذا الإطار يقول الأستاذ «أوليفيه ربول» في كتابه «فلسفة التربية» : إن التربية هي أولًا جزء من الوجود الإنساني تمامًا، كالعلم والفن واللغة، فيتحتم إذًا أن تكون هناك فلسفة للتربية. وقد نعتقد أن المقصود بفلسفة التربية هنا هو فرع ثانوي من فروع الفلسفة، بيد أننا إذا سألنا فيلسوفًا من هو الإنسان؟ و ما الذي يميزه عن الحيوان؟ أجابنا, يتميز الإنسان بالعمل أو باللغة أو بالثقافة. والحال أنه لا وجود لعمل أو لغة أو ثقافة بغير التربية, و لقد قال «كانط» : إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو أن الإنسان لا يستطيع أن يصبح إنسانًا إلا بالتربية.

إن «فلسفة التربية» هي الدراسة الفلسفية التحليلية النقدية للتربية من حيث ماهيتها وغاياتها وأهدافها وإمكانياتها وحدودها للوصول إلى نظريات تربوية وتفسيرات أساسية للعملية التربوية يمكن تطبيقها في مجال التربية بمختلف جوانبه.

ولعلَّ النظام التربوي هو واحد من الأنظمة المتعددة في المجتمع، يؤثر ويتلقى التأثير منها، وإن أية خطة لإصلاحه من أجل مواكبة تطور المعرفة وتسارعها ومواجهة التحديات المحيطة به، لا بد لها من الأخذ بعين الاعتبار، تلك الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والثقافية ضمن إطار كلي شامل.

ثانيًا: أهمية فلسفة التربية:

إن التربية عمومًا تضمن تأمين النسق العام للمجتمع، وتتفاعل مع مدخلاته بحيث يقوم عملها على ملامسة الواقع ومحاولة التعايش معه، كذلك مواجهة المشكلات والتحديات التي تعترض المجتمع، ولهذا أصبح من الواضح ضرورة تضافر جهود مؤسساتها والتنسيق بينها بشكل يضمن تواصل العملية التربوية وتحقيق أهدافها المنشودة.

وهنا نلمس الحاجة الماسة لتوحيد جهود المؤسسات المتعددة في المجتمع، وعناصر التأثير المتنوعة فيه: من أسرة ومدرسة وجامعة وإعلام وغيرها من المؤسسات التي تعنى بالتنشئة الاجتماعية، والتي يقتضي التنسيق بينها فالعناصر المؤثرة في التربية لابد من تجانسها وتناسقها.

وتظهر أهمية «فلسفة التربية» في الكثير من مجالات الحياة، ويمكننا أن نجملها في مجموعة من النقاط على الشكل الآتي:

1. تحفِّز على استيعاب العملية التربوية وفهمها وبالتالي تسهيل تعديلها.

2. تساهم في وضع اتجاهات وخطوط مستحدثة للنمو التربوي.

3. تلعب دورًا فعالًا في تنظيم الفكر التربوي، بحكم أنَّها فلسفة تجريبية.

4. تساهم في تعميق مفاهيم العملية التربوية. تزيل الغموض عن المفاهيم والفرضيات التي تستند عليها النظريات التربوية وتوضحها.

5. تسهل عملية التعرف إلى طبيعة العلاقة بين العلم التربوي ومظاهر الحياة.

6. توسُّع رقعة معرفة الإنسان بالصراعات والتناقضات التي تعاني منها فلسفة التربية وتطبيقاتها.

7. تثير عاصفة من الأسئلة في ذهن الإنسان حول تحقيق الحيوية التربوية، وبالتالي تنمية قدراته في التعرف أكثر إلى الفلسفة.

واليوم وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها عالمنا المعاصر على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي, تزداد مشكلات التربية والتعليم صعوبةً وتعقيدًا وتصبح تحديًا مزمنًا بالنسبة إلى من يرسم السياسة التربوية, إن تظهر حاجات جديدة وتختفي أخرى وتصبح الأنظمة التربوية متجاوزة خلال زمن قياسي, فالثورة المعرفية والتكنولوجية تسير بإيقاع سريع جدًا.

وبناءً على ذلك فقد أضحى لزامًا على الأمم والحضارات والمجتمعات والدول التي تريد مسايرة هده التغيرات في عصرنا الحاضر – عصر العولمة – أن تحتفظ بفاعلية وراهنية وقوة نظامها التعليمي وتضمن قدرة استمراريته في خوض غمار التنافسية والإنتاج والتنمية، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا وفق رؤية فكرية واضحة وشاملة تستدعي المواكبة والتجديد. والتنمية المستدامة.

هذه الرؤية لابد أن تنطلق من خلاصات ونتائج البحت التربوي الذي أساسه التفلسف التربوي، فعلى الرغم من تعدد فروع علوم التربية فإن روح العصر التي نحياها تستدعي حضور الفلسفة في ميدان التربية باعتبار أن فلسفة التربية تستمد أساسها من طبيعة الموضوع الذي تهتم به التربية ذاتها، وهو الإنسان في علاقته بذاته وبالمجتمع.

ومن المعروف أن فلسفة التربية وهي ليست فرعًا من فروع المعرفة فحسب، شأنها شأن الفن والعلم والتاريخ. بل إنها تضم أيضًا وبالفعل تلك الفروع في أبعادها النظرية والمعرفية والمنهجية، وتسعى إلى إنشاء صلات فيما بينها. فالفلسفة تحاول أن تقيم التماسك في مجموع مجال الخبرة الإنسانية. وتسعى باستمرار إلى فهم الواقع في شموليته. كذلك تسعى فلسفة التربية إلى فهم التربية في كليتها الإجمالية، حيت تتضمن تطبيق التفكير الفلسفي على ميدان التربية.

ثالثًا: خصائص فلسفة التربية:

إن لفلسفة التربية عدة خصائص تميزها عن غيرها من الفلسفات الأخرى، ويمكننا اختزالها بعدة خصائص وهي على الشكل الآتي:

1- الوصف: تعتمد بشكل كبير على وصف ما يواجه التربية من مشكلات والكشف عن أسبابها والتعرف إلى نتائج تأثيرها المباشرة.

2- التأمل: وهي النظرة الثاقبة والشاملة لكافة عناصر التربية بمختلف أجزائها، ومن بينها الطبيعة البشرية والمعرفة.

3- التحليل والتركيب: وتتمثل بالتركيز على الأفكار والنظريات والمفاهيم والقوانين وتحليلها والتأكد من مدى صلاحيتها والجدوى من تطبيقها.

4- التأويل والإرشاد: أي تقديم تفسير مفصل لكل ما يقف في وجه التربية من: مشكلات، وإجراءات، وعناصر بالاعتماد على منهجٍ واحد سعيًا للإرشاد.

5- النقد: تأتي هذه الخاصية لتُكمل بقية الخصائص السابقة، حيث تنتقد المعلومات المتوفرة من مختلف الأصول للتربية.

الخاتمة:

وهكذا يتبين لنا أن فلسفة التربية هي النشاط الفكري المنظم الذي يتخذ الفلسفة وسيلة لتنظيم العملية التربوية وتنسيقها العمل على انسجامها، وتوضيح القيم والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. ومن هنا تتضح لنا أهمية دراسة فلسفة التربية في الوقت الحاضر، إذ أنها تساعدنا أولًا على أن نفهم بطريقة أفضل وأكثر عمقًا معنى العملية التربوية ومعنى القيام بها، كما أنها تساعدنا على إمدادنا بالوسيلة التي تبصرنا بأنواع الصراع المختلفة التي تكون بين النظرية التربوية والتطبيق التربوي ومحاولة محو وإزالة هذا الصراع، حتى تتسع النظرة وتصبح أكتر شمولًا ويتجه الفكر إلى أن يكون أكثر تحليلًا ونقد،ًا و يرتفع المربون عن الانغماس في الجزئيات من خلال تركيزهم فقط على الدراسات والبحوث الميدانية وبالذات بحوث الاستبيانات، وإهمالهم للبحث الفلسفي الذي هو ضرورة لكل محاولة علمية لفهم الظواهر التربوية ومنها بطبيعة الحال مفهوم فلسفة التربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد