ما كان أشدَّ وحشة الشعراء لو أنهم علموا أن القمر الذي لطالما سكب في قرائحهم القصائد ليس إلا أكوامًا من الحجارة أشبه بالأطلال الدارسة التي وقفوا عليها، لو علموا أن الجمال لا يبقى على فتنته الأولى مع القرب! فكم أدمنَ الناس من الأقلام والأصوات وغيرها، ثمَّ استحالت نشازًا بين ألحان الحياة، وانقلب حبها على عقبيه حين اقتربوا أكثر، ولذا قالوا: «ابعِد تِحْلى»، وكعادة أمثالنا العامية لا تكاد تجد مثلًا إلا وله قرين ينقضه، فقد قالوا أيضًا: «البعد جفا»، وقالوا: «البعيد عن العين بعيد عن القلب»، ليوافقوا بذلك المثل الإنجليزي القائل: «Out Of Sight, Out Of Mind»، في هذه الجدلية تتجلى ثنائية الحضور والغياب.

في الأعوام القليلة الماضية كان الفراق بطلًا في رواية حياتي (الحياة في الغربة/ حياة الطوارئ/ العلاقات القوية المتبوعة بالفراق السريع المحتَّم)، حياة تثير في النفس تساؤلات حول ما يفعله البُعد بالقلب، أيبقي الحب على حاله؟ أيُنميه؟ أيقتله؟ وكم من المرعب أن تسمع عن شباب وقعوا في تجارب حب من ذلك النوع الذي يقولون عنه «من الحب ما قتل»، ولكنه في النهاية يتأقلم مع الواقع فيما بعد، وتمضي عجلة الحياة وكأن شيئًا لم يكن، تُرى أهكذا يفعلُ البُعد بالقلوب؟ أفي مقدور عاشق حقيقي أن يسلو؟ ولكنني أعزّي نفسي بقول تميم البرغوثي: (ربما هي نعمةٌ!):

وَما كل نفسٍ حين تلقى حبيبَها .. تُسرُّ، ولا كل الغيابِ يضيرُها! 

ولا عجب أن نسبت العرب الفراق إلى الغربان طيرةً وتقبيحًا فقالت: (غراب البين)، إذ طالما تألم الشعراء من النوى، تألموا لفراق أوطانهم، وفراق محبوباتهم، فإيليا أبو ماضي يرى أن المرء قد ينسى كل شيء وقد يسلو عن أي شيء إلا عن فراق بلاده:

زعموا سَلَوتُكِ ليتهم نسبوا إليَّ الممكنا

فالمرءُ قد ينسى المسيءَ المفتري، والمحسنا

والخمرَ، والحسناءَ، والوترَ المرنّحَ، والغنا

ومرارةَ الفقر المذلّةَ، بل ولذّاتِ الغِنى

لكنّه مهما سلا هيهاتَ يسلو الموطنا

وما غادر الشعراء متردّم حب إلا بَكَوه، فترى أن عشرين عامًا لم تكن تكفي ابن زيدون لينسى ولّادة، هو في إشبيليّة وهي في قرطبة، وقد أعقب تدانيهما تنائيًا وتجافيًا وبينًا، فما كفكف دمعًا ولا هدأت نفسه:

أضحى التنائي بديلًا عن تدانينا .. ونابَ عن طيبِ لقيانا تجافينا

بِنتُم وبِنّا فما ابتلَّت جوانحُنا ..  شوقًا إليكم ولا جفَّت مآقينا

وبقي محزونًا لا يبلى حزنه ولا يفتر، بل صارت أيام أنسه وضحكاته في (صالون) ولَادة الأدبي ذكرى مبكية:

مَـن مُبلـغ الْمُبْلِسينـا (بانتزاحِهـمُ) .. حُزنًا مـع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا
أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا .. أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا

وهو على هذا يعترف أن النأي والبعد يغيّر المحبين، بل إنه كثيرًا ما يفعل، ولكنه يرى نفسه استثناءً يعلو على البعد:

لا تحسبـوا نَأْيكـم عنـا يُغيِّـرنـا .. إذ طالمـا غيَّـر النـأي المحبينـا

وترى ابن الرومي لا يرى شفاءً لفؤاده إلا بلقيا من يحب:

كأن فؤادي ليس يشفي غليلَه  .. سوى أن يرى الروحين تمتزجانِ

أما علي بن الجهم فقد انتصر للحب في معركة الإنسان مع خيانات الذاكرة، فقال:

أَبلِغ أخانا تولّى اللَهُ صُحبتَهُ ..  أنّي وإنْ كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ
وأنَّ طَرفيَ موصولٌ برؤيتِهِ ..  وإنْ تَباعدَ عن مثوايَ مثواهُ
اللَهُ يَعلمُ أنّي لستُ أَذكرُهُ .. وكيفَ أذكره إذ لستُ أنساهُ

ولقد عافت نفسه الفراق وأبغضته، حتى أنه لما قتل في طريقه إلى حلب لجهاد الروم، وجدوا معه رقعة كتب فيها:

وارحمتا للغريبِ في البلدِ النازح ماذا بنفسه صَنَعا؟

فارقَ أحبابَه فما انتفعوا بالعيشِ من بَعدِهِ ولا انتفعا

وكذلك لا يغيِّر الظعن مجنون بني عامر، فحيثما يرحل قيس بن الملوح ويرتحل فإن الحب لا يرحل من فؤاده، فهو الداء الذي لا دواء له، وإنما البعد «يُنضج الفؤاد»، فلا يسلو إلا إن رأت عينه محبوبته أو رأت من رآها!

لئن ظَعنَ الأحبابُ يا أم مالكٍ .. فما ظعنَ الحبُّ الذي في فؤاديَ

لحى اللهُ أقوامًا يقولون إنَّنا  .. وَجَدْنا طوالَ الدهرِ للحب شافيًا

فما بالُ قلبي هدَّه الشوقُ والنَّوى .. وأنضجَ حرُّ البَينِ منّي فؤاديا

ألا ليتَ عيني قد رأت من رآكمُ .. لعليَ أسلو ساعةً من هياميا

وهيهاتَ أنْ أسلو منَ الحزنِ والهوى .. وهذا قميصي من جَوى البين بالِيا

وانتصر، أبو تمام لحبّه الأول، فقال:

نقِّل فؤادَك حيث شئتَ من الهوى.. ما الحبُ إلا للحبيبِ الأوَّلِ

كم منزلٍ في الأرضِ يألَفُهُ الفتى .. وحنــــينُه أبدًا لأولِ منزلِ

ولعل الدُّعابة دفعت شاعرًا آخر ليقول:

دع حبَّ أولِ من كَلِفْتَ بحبه .. ما الحبُّ إلا للحــــــبيب الآخرِ

ما قد تولّى لا ارتجاعَ لطيـبه .. هل غائبُ اللذاتِ مثلُ الحاضرِ!

وثانيًا ليقول:

اشربْ على وجهِ الحبيبِ الْمُقْبِلِ .. وعلى الفمِ المتبسم المتقبّلِ

نقِّل فؤادك حيث شئتَ فلن ترى .. كهوى جــــديدٍ أو كوصلٍ مُقبل!

وآخر:

قلبي رهينٌ بالهوى المقتبِل .. فالويلُ لي في الحب إن لم أعدلِ

أنا مبتلى ببليَّتَين من الهـــوى .. شوقٍ إلى الثاني وذكـرِ الأولِ

إنَّنا نرى الناس من حولنا تسلو عن المحبوب، وتسلو عن فراق الديار، وتسّيِّر الحياة شاءت ذلك أم أبت، ولكنَّنا لا نكاد نرى من بينهم شاعرًا واحدًا، فترى مثلًا عاتكة بنت زيد ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر، فتقول:

فآليتُ لا تنفكُّ عيني سخينةً  .. عليكَ ولا ينفكُّ جلدي أغبرَا

ولكنها تتزوج من بعده عمر بن الخطاب ثم الزبير بن العوام ثم علي بن أبي طالب، حتى تندرت بها عائشة، فقالت:

فآليت لا تنفكُّ عيني قريرةً  ..  عليكَ ولا ينفكُّ جلدي أصفرا!

أي من صفرة الطيب، وحتى قيل: من أراد الشهادة فليتزوج بعاتكة! رضي الله عنهم جميعًا.

ومن المضحك أن تسمع عمر ابن أبي ربيعة (قباني زمان)، يزعم، وهو الذي (أحبَّ) مراتٍ ومرات ووقف للنساء في الحج، أنه لا يقوى على الهجر، فإن صدَّقتَ فبها ونِعمت، وإلّا فقل مع القائل: «أعذب الشعر أكذبه»! يقول ابن أبي ربيعة:

أيا من كان لي بصرًا وسمعاً وكيف الصبر عن بصري وسمعي؟

يقول العاذلون: نأت فدعها .. وذلك حين تهيامي وولعي

أأهجرها وأقعد لا أراها .. وأقطعها وما همت بقطعي؟

وأقسم لو حلمت بهجر هند .. لضاق بهجرها في النوم ذرعي

وتُذكر هنا عبقرية الأمير شوقي الذي لم يُمحَ من قلبه جرحُ الزمان وأساه، ولم تبرئ سلواه جراحه، بل ظلّ مستطار الفؤاد، فقال من منفاه بالأندلس:

وسلا مصرَ: هل سلا القلبُ عنها  ..   أَو أَسا جُرحَه الزمان المؤسّي؟

كلما مرّت الليالي عليه ..  رقَّ ، والعهدُ في الليالي تقسِّي

ولكنه لم يبعنا أوهام الشعراء، كما لم يكن في شعره جفاف الفلاسفة، لقد شاركنا الألم ولكنه كان معنا صريحًا منذ البداية، منذ مطلع القصيدة حين قال:

«اختلاف النهار والليلِ يُنسي …   اذكرا لي الصِّبا وأيام أُنسي»

نعم يا شوقي إنه لينسي، وإن هذا لمن رحمة الله!

إن البعيد عن العين يذيب القلب ولا يبعد عنه، ولكنه النسيان، النعمة التي لولاها لما هدأ روع السماوات والأرض، «وما سمي الإنسان إلا لنسيهِ .. ولا القلبُ إلا أنه يتقلبُ»، إنها السلوى التي لا تطفئ حرائق الروح ولكنها تمنحه المورفين الكافي لمواجهة الحياة، فكم من ثكلى أو ثاكلٍ تراه أول أيامه لا يكاد يقوى على نسمة ريح حوله، ثم تمنحه إرادة الحياة مسكِّن الآلام البشري الأول/ النسيان المؤقت، المهدِّئ الذي كلما انتهى مفعوله فترك صاحبه لفيح الذاكرة، أعاد الله إليه ما يُسليه وما يطفئ آهته، ولعمري ما أشد خجلي، وما أتفه نوافل الحديث حين أكتب عن سلوى العاشقين أمام سلوى الثكالى من أهالي الشهداء والمكلومين.

النسيان لا يعيب الحب، ولا تنقص السلوى من قدر الحبيب، ما دام الوفاء والصدق يحفُّ القلوب ويصل بين المسافات، وفي هذا يقول غسان كنفاني، رحمه الله، في رسائله إلى غادة السمان: «المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني، لقد رأينا أشياء كثيرة معًا لا يمكن بعد أن تغيبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة؛ لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق إليه التزعزع»، ولذا قال ابن زيدون:

أَوْلِي وفـاءً وإن لـم تَبْذُلِـي صِلَـةً         فالطيـفُ يُقْنِعُنـا والذِّكْـرُ يَكْفِيـنـا

ولقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلِّم، سيد العاشقين وأوفاهم، إنها حبيبته خديجة! ولئن شئت أن تعرف قدر حبِّ رسول الله ووفائه لها فدع عائشة رضي الله عنها تخبرك بذلك، ستقول لك: «لم يكد يسأم من ثناءٍ عليها واستغفارٍ لها»، و«ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة»، و«كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة»، لقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبرُّ صديقاتها من بعدها.. يهش ويبش لهالة بنت خويلد أخت خديجة إذا سمع صوتها، صوتها الذي يحيي في ذاكرته، صلى الله عليه وسلم، صوت حبيبته.. صوت خديجة! ويتمنى، بأبي هو وأمي، زيارة أختها، فيقول: «اللهم هالة!»، ولشدّ ما يعجبك قوله، صلى الله عليه وسلم: «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها»، إنه يقول هذا لعائشة، لتلك التي حين سئل في المسجد عن أحب الناس إليه ذكرها باسمها: «عائشة»، فلما سئل عن الرجال، قال: «أبوها» ناسبًا أبا بكر إلى ابنته! ويقول لها: «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد