حتماً يحلم كل شاب وفتاة بيوم عُرسه ، يوم أن تكتمل احتياجاته بها، وتكتمل احتياجاتها به، يوم أن تستقر نفسه وتهدأ، وتجد الأمن فى ظل بيت آمن هانئ تحوم حوله بركات آىِ الله: ” لتسكنوا إليها ” يوم يجد كل منّا من نفسه زوجاً يَسْكُن إليه ” من أنفسكم أزواجاً  “.

 

 

 

يحلمُ وتحلم، ولكن حتماً  لكل حلمٍ ضريبة، ولكل هدفٍ عرقٌ قد تصبب على الطريق المؤدى إليه ، إلا أن الفلسفة اختلفت بين عصرٍ وعصرْ بالكلية .

 

 

إذا كنت شاباً فى العشرينيات من عُمرك، وقد أنهكك التَعفف إن كنت متعففاً، وأشرأبت نفسك إلى سكنِ تأوى إليه بعد عناء يومك الطويل فستصدم حتماً بواقع سيئ كل السوء، انتهازى كل الانتهازية؛ فلقد أصبح مجتمعنا، للأسف، لا يعترف إلا بأصحاب كليات القمة – التى هى أيضاً لم تُسمَ بذلك، إلا بفضل مُجتمعنا السيئ – أو بأصحاب الأموال ، فقط لتتزوج زيجة ترضاها لنفسك ولا عزاء لغيرهم .

 

 

 

إن أردت الزواج فهناك أولاً ما يسمى بالخِطْبة و( الشبكة )، ومن ثم يأتى يوم الزواج بعد أن تُستهلك نفسياً ومادياً فى فترة الخطوبة، التى لم يعتد بها الشرع لتكون هكذا، بل جُعلت ليفهم كل طرف ما يحتاج إلى فهمه فى الطرف الآخر ، وأن يتم القبول، فإن تم ذلك انتهت الغاية من الخِطْبة، ولم يعد معتداً بها، أما غاية مُجتمعنا فصارت تحصيل أكبر كمٍ من الهدايا والكلمات الفارغة المبتذلة، التى سرعان ما يُكتشف زيفها بعد البدء فى الانخراط فى طاحونة الحياة والمسئوليات .

 

 

فإن انتهيت من الخِطْبة فأنت بصدد الاستدانة من انتهازى آخر؛ لتجهيز منزل يليق بالأميرة زوجَتك ، أو يليق بعائلتها أولاً، أو يكون متفوقاً فى عدد الغرفات وفى المساحة عن منزل ابنة خالتها المتزوجة قريباً .

 

 

أصبتكم بالغثيان ؟

 

 

عذراً ، سننتقل من هذا العالم الكئيب حالاً مباشرةً إلى خلافة هشام بن عبد الملك: حيث برز نجم الإمام سعيد بن المسيب آنذاك، وقد عُرف بعزة نفسه، فكان لا يقوم لأحدٍ من الملوك، ولم يكن يقبل عطاياهم، ولكن أن يصل الأمر إلى رفضه تزويج ابنته من ولى عهد  أمير المؤمنين فتلك لكبيرة!

 

 

نعم، ولكن أن يزوجها من ابن أبى وداعة: الطالب الفقير فى مجلسه، والتى ماتت عنه زوجته فإنها لأكبر، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على فلسفة مباركة قد غابت عن حاضرنا ومجتمعنا.

 

 

نعم كانت فلسفته ( رحمه الله ) هى البساطة فى كل شيء ، فقط كان مهرها درهمين .

 

 

غاب ابن أبى وداعة ( أحد طلابه ) عن مجلسه لثلاثة أيام فسأله سعيد: لم الغيابُ يا ابن أبى وداعة ؟ فقال له : توفيت زوجي فاشتغلت بأمرها .

 

 

فقال له سعيد : وهل استحدثت امرأة ؟  فقال ابن أبي وداعة: يرحمك الله، ومن يزوجني؟ وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة!

 

 

فقال سعيد في يقين جازم، وقد رأى فيه ما لم يرَه في ولى عهد أمير المؤمنين : أنا أفعل ، وزوجه على درهمين، وزفّها بنفسه إليه في بيته، بدون تكلف أو تكبر .

 

 

فأعف بهذا نفساً ، ومنع حزناً ، وأنشأ أسرة تكمل مسيرته الربانية والعلمية بغير كلفةٍ تُذكر: فقط درهمان.

 

 

لم تكن الجيوب المثقلة، ولا المنزل الكبير، ولا السرير الوثير، يوماً محل تقييم للرجال عند سعيد ( رحمه الله ) ، بل كانت التقوى والرجولة والأخلاق هى الميزان ، ففضّل فقيراً يتكسب قوت يومه في كدٍ وتعب على ولى العهد فاحش الثراء، فقط لأنه خاف على دين ابنته .

 

 

نعم غاب ابن أبى وداعة بعدها عن درس سعيد لشهر كامل لبركة زواجه ، وسعادته به ؛ وذلك أنه كان إذا أراد أن ينصرف للمجلس قالت له زوجه : إلى أين أنت ذاهب ؟  فيقول : إلى مجلس سعيد! فتقول له : اجلس نعلمك علم سعيد .

 

 

نعم تزوج طالب العلم الفقير تلك الفقيهة ابنة ذلك العالم العابد الذى لم يكن فقيراً للعلم، بل كان تاجراً  يتاجر في الزيت  .

 

 

فكم فينا من ابن أبى وداعة! وكم فينا من ابنة سعيد! ولكن فرقت بينهم تلك التكاليف الباهظة والعادات المجتمعية المستحدثة المقيتة التي لم تكن يوماً من شرعة ديننا الحنيف الذى ينعتوه دائماً باليسر في مواطن يحبونها، وعندما يتوجب عليهم اليسر تجد فيهم العسر كل العسر .

 

 

ولكى لا نحيف كل الحيف ، ونعمم السيئ ، فبالفعل هناك بعض الحالات التي شذت ! نعم شذت، فقد أصبح الطبيعى اليوم شذوذاً . حالات تقتدى بهؤلاء – أمثال سعيد – في مجتمعنا والحمد لله، ولكنهم ثلة صغيرة في وسط مجتمع كامل تعم فيه هذه الجاهلية، جاهلية الزواج، فقد شاهدت مؤخراً زواجاً في المسجد الأقصى المبارك، في يوم مبارك، لعروسين مباركين، كان مهر العروس فيه نصف دينار، وبلا مؤخر، وسمعت  أبا العروس يقول: نعم بنصف دينار؛ تيمناً بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ” أقلهن مهوراً أكثرهن بركة ” .

 

 

فيا لسعيد !  علمنا ببساطة كيف يكون الزواج  .

 

 

ويا لمجتمع  اليوم ! عَسّرَ الزواج ، وكَثّر الفساد ، فلم يرض بمن يرضى دينه، ولم يرض بمن يرضى خُلُقَه ، وإنما رضى بمن ثَقُلُ جيبُه وكَثُرَت هداياه واتسعت مساحة بيته – إلا من رحم الله – فكانت فتنة في الأرض وفسادٌ عظيم .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد