إذا نظرنا إلى الدين الإسلامي ومنظومة أفكاره والأساسات الذي بني عليه هذا الدين منذ أن جاء به النبي محمد- صلى الله عليه وسلم – نجد أن هذه المنظومة تحمل من الثبات ما جعلها تنتشر بسرعة كبيرة في أرجاء العالم مع اختلاف حضارات وثقافات العالم المتنوعة، والتي هي بالعادة ترفض المدخلات الخارجية؛ لأنها بكل تأكيد ستعمل على تغيير هذه الثقافات والحضارات التي نشأت بمتغيرات هذه المجتمعات بتاريخها وجغرافيتها وبكل عنصر بشري تواجد وأسس هذه الحضارات، ولكن بالرغم من ذلك كانت منظومة الأفكار الإسلامية تدخل وتغير هذه المجتمعات وتصنع حضارة إسلامية امتدت لتربط ثقافات كثيرة بثقافة هذه القواعد الإسلامية طبعًا هذا الدين أعطى بشكل واضح لثقافة كل بلد الحرية الكافية ليكون لها لون خاص بها مع المحافظة على القواعد بدون مساس؛ ولكن لماذا أطرح كل هذا الكلام كمقدمة ؟

لعلنا إذا نظرنا لفلسفة الأديان التي نشأت مع بداية مواجهة الغرب للكنيسة، والتي كانت تمثل بطريقة أو بأخرى الديانة المسيحية، ولا يخفى على أحد ما صنعته الكنيسة من تحويل فكرة الدين من منظومة إلهية إلى أهواء بشرية تستعمل لتحصيل القدر المستطاع من المصلحة ومن هنا نستطيع أن نقول إننا قد نختلف هنا مع الفلسفة الغربية في تعريف الدين بحد ذاته؛ فهم وجدوا أن الطريقة الأفضل في الهروب من الكنيسة هو تحويل هذه الأفكار الكنسية إلى أيديولوجيات تتغير بتغير الزمان والمكان على عكس الديانة الإسلامية التي لا يمكن أبدًا أن تكون أيديولوجيات فكلمة أيديولوجيا لا تصلح أبدًا لمنظومة إلهية لا يمكن العبث في أفكارها وأساساتها ولا حتى المساس بها بأي شكل من الأشكال مثل الديانة الإسلامية.

طبعًا كان يجب علي أن أشرح هذه النقاط في البداية لنعرف أن هناك اختلاف كبير جدًا بين الفلسفة الإسلامية وتعريفها للدين وبين الفلسفة الغربية الحديثة وتعريفها لكل الديانات، فإذا قلنا إن الدين فلسفة من النظرة الإسلامية، كما كان يتعامل معها الفلاسفة المسلمون وهي المنظومة الإلهية غير القابلة للتبديل والتغيير وطبعًا هنا نقصد القواعد وكل ما يتعلق بالعقيدة؛ فحتى الفلاسفة المسلمون لا يمكن أبدًا فيما بينهم أن يتم المساس بأفكار مثل وجود الله, فالفلسفة الإسلامية كانت وما زالت تتناقش بما يمكن النقاش فيه تحت إطار أن هذه النظم إلهية بحتة, لذلك نجد الاختلاف الواضح في الخطاب الموجه للديانات في الفلسفة الغربية التي ما زالت تخاطب كنيسة عصور الظلام، وبالتالي وضعت كل الديانات تحت المنظور الفلسفي نفسه، وهذه مشكلة واضحة دخلت للفلسفة السياسية وتعاملها مع اختلاف الديانات، وأصبح لدينا ازدواجية عالية جدًّا في المعايير؛ فالفلسفة الغربية التي تعتمد على الأيديولوجيات التي هي من وضع البشر، وبالتالي يمكن تغيير أي أيديولوجيا بسهولة، بما يناسب احتياج الإنسان واستهلاكه وتعميم هذه الأيديولوجيات على كل الديانات.

إذًا من منظور الفلاسفة الإسلاميين وتعاملهم مع فلسفة الأديان بإنصاف مع وضع كل ديانة تحت إطار كل متغير دخل عليها، وغيَّر وبدَّل فيها بدون التعميم فمن المؤكد أنه لا يمكن التعامل مع الديانة المسيحية التي كان واضحًا جدًّا وجود خلل بشري فيها بسبب من عملوا على تطوير منظومة إلهية لتخدم مصالح شخصية، وطبعًا الدين الإسلامي بمنظومته الثابتة هو بعيد كل البعد عن فكرة الفلسفة بالمنظور الغربي الذي يراها مجرد أيديولوجيات يمكن تغييرها أو تبديلها؛ لأنها لا تخدم مصالحه، أو لأنها تضبطه بمنظومة أخلاقية؛ فالفلسفة الإسلامية لا يمكنها أبدًا التجرد من الأخلاقيات؛ لأنها قواعد إلهية ثابتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد