العلم والمعرفة كلمتان كثيرًا ما نسمعهما مترادفين ومجتمعين مع بعضهما البعض، ولكن لغويًا العلم والمعرفة كلمتان منفصلتان لا يربطهما سوى المعنى العام وهو اكتساب المعلومة والحصول عليها، فالعلم فعله (يتعلم) والمعرفة فعلها (يعرف)، وما بين يتعلم ويعرف صلة خفيفة وهي الإحساس بالشيء.

لكن المعرفة مصطلح أعم وأشمل؛ إذ يتم تعريف المعرفة على إنها الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد، أو عن طريق الشعور بالشيء، أو عن طريق إجراء تجربة ما، أو تجريد شيء لأصوله. المعرفة مرتبطة بتطوير النفس والتقنيات، وقد تعتمد بشكل كبير على التجارب الحياتية والشخصية للأشخاص، أو تعتمد على التأمل أو الإحساس.

يتم تعريف كلمة المعرفة حسب قاموس أوكسفورد Oxford الإنجليزي على إنها الخبرات والمهارات التي يكتسبها شخص ما عن طريق الخطأ ليتعلم منه الصواب أو على أنها الفهم النظري والعملي للموضوع. ويقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري أن تعريف الشيء المعرفي هو الشيء الكلي والنهائي وتعبير الكليّة هنا يفيد الشمول والعموم، في حين أن النهائية للوجود تعنى غايته وآخره، وأقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء. يرتبط مقدار المعرفة بالبديهة والقدرة على استنتاج ماهية الأشياء والعمل الدؤوب من أجل التعرّف على طبيعة الأشياء وتنمية القدرات الشخصية للفرد بناءً على الاستنتاجات. أما مصطلح العلم فهو مصطلح جزئي أو مصطلح منبثق من المعرفة، فالكلمة الأشمل والأعم هي المعرفة والعلم جزء منها، فمجموعة المعارف في الأحياء مثلًا هي علم الأحياء وهكذا. ويعرف العلم اصطلاحًا على إنه نظام معرفي يهتم بالعالم المادي وظواهره بهدف التوصل إلى ملاحظات تجريبية منهجية بشكل موضوعي بعديًا عن التحيز والعاطفة التي يتحكم فيها هوى الإنسان.

الفرق بين العلم والمعرفة لغةً واصطلاحًا

كلمة المعرفة اشتُقت من العُرف، والعرف مضاد النكر، والعِرفَان مضاد الجهل، لذا فإن الأدق أن نشير إلى تضاد كلمة المعرفة على إنه الجهل، وليس العلم مضادُ للجهل، بل الجهل مضاد المعرفة والعكس صحيح. ويمكن استخدام المعرفة للمجازاة والعلو، كما استخدمها الزمخشري في قوله: «لأعرفَـنَّ لك ما صنعت» وهنا يأتي معناها على أنه مجازاة الشيء أو الشخص. ويمكن أن تستخدم أيضًا بمعنى العلو والطيابة، كما في القول التالي: «فلانُ غُرُّ المعرفة»، وأتت هنا بمعنى طيب المعرفة، وهكذا. أما عن مقصود كلمة المعرفة اصطلاحًا فهي العلم بذات الشيء وتفصيله عما سواه، وقد تستخدم كلمة المعرفة للعلم بآثار الشيء أو أثر وجوده لا ذاته، مثل قولنا: «العارف بالله» أو «عرفت الله»، فنحن لا نرى الله، ولكن أثر وجوده يأتي من دقة النظام الكوني والقدرة على تدبير أمور كل البشر، لذا نقول: «عرفت الله حقًا» على سبيل المثال لا الحصر، ولكن لا نقول: «عَلِمتُ الله حقًا» لأننا نعرف الله عن طريق استشعار أثره البليغ في تدبير وتكوين هذه الكون الظاهر أمامنا.

ويرى بعضٌ من العلماء أن المعرفة هي شيء بديهي وفطري يحدث للمرء من تلقاء نفسه حيث لا داعي لفعله كلفةً، بينما يرى البعض الآخر أن المعرفة مكتسبة، ولا يمكن وقوعها ضرورةً لارتفاع الكُلفة، بينما نرى من وجهة نظرنا أن المعرفة شيء بديهي وفطري، فنحن نرى الطفل يبدأ في إدراك الأشياء على حقيقتها من تلقاء نفسه أو أن يسأل: «ما هذا؟»، فهذا السؤال في حد ذاته طلبًا للمعرفة بماهية الشيء، فإذا عرفه كان حق المعرفة، وإن لم يعرفه كان شر الجهل، فالمعرفة يُضادُها الجهل. لكن العلم لغةً هو إدراك المرء الشيء على حقيقته وعلى بنيته الأساسية، وهو مصدر الفعل «عَلِمَ». وأما العلم اصطلاحًا فهو المعرفة كما قال بعض العلماء، ولكن البعض الآخر منهم يرى إنه أعمّ وأشمل من أن يُعرف، ويعد العلم نظامًا ماديًا يهتم بالعالم المادي وظواهره الخاصة، ويبنى العلم على الملاحظات، والتجارب المادية، والتجارب المنهجية التي لا تنحاز لفكرة ما أو قانون معين.

الـخصائص الـفلسفيّة للعلم

تتعد خصائص العلم والمعرفة نظرًا لكثرة التداخل العام بين الكلمتين.. لذا فإن من خصائص العلم: أولًا: التراكمية، وتعني أن العلم يتراكم فوق بعضه البعض حيث تتواجد نظرية ما إن لم يتم دحضها وإثبات عدم صحتها، فإن النظرية يتم تطويرها وبناء نظريات جديدة على أساسها، لذا فإن العلم كالبنيان المرصوص تبنى فيه لَبِنة فوق الأخرى.

ثانيًا: الدقة، حيث يتسم العلم بأنه دقيق للغاية ومن شأن هذه الخاصية أن تجعل الإنسان يسيطر أكثر على واقعه، وأن يفهم بشكل أو بآخر القوانين العامة التي تحكم هذا الكون الشاسع، وقد يتم استخدام الرياضيات ليتم إثبات صحة هذه الفرضية من عدمها، وهكذا صحة هذه القوانين.

ثالثًا: التجديد، حيث من شأن العلم أن يُجَدِدُ نفسه بنفسه، ويتم دحض الشبهات في النظريات المشبوهة والخاطئة ليتم التخلص منها وبناء نظريات أكثر شمولية وجديـّـة منها.

رابعًا: الترابط، حيث يتميز العلم بالترابط العام بين أفكاره ومعتقداته، إذ يتم التخلص من العشوائية عن طريق العلم، فلا يوجد تفكير علمي مشوش أو عشوائي، حيث يتميز التفكير العلمي بأنه أكثر نظامًا وترابطًا عن غيره.

خامسًا: التأثُر والتأثير، حيث يتسم العلم بأنه يتأثر بعادات وتقاليد المجتمع، فالعلم في المجتمع الذي يسوده العشوائيات الفكرية والتطرف يكون غير العلم الذي يتواجد في المجتمع الذي يسوده المَلَكة العلمية والتفكير المنظم، فمثلًا العلم في الدول المتقدمة يختلف عن العلم في الدول المتأخرة، وكذلك من شأن العلم أنه يؤثر في المجتمعات نفسها كما يتأثر هو بنفسه.

سادسًا: العالميّة حيث يتسم العلم بأنه إذا خرجت نظرية جديدة للنور، فإنها تنتشر كالنار في الهشيم، وتعرف في أقطار واسعة ولا تحدها أي حدود، بل إنها تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية أيضًا.

سابعًا: البحت والتمعن، حيث إنه لا يتم معرفة أي ظاهرة من الظواهر إلا بعد أن يتم معرفة أسبابها، ومن الأهم أن معرفة السبب والتدخل في الأسباب العامة لحدوث الظاهرة هو شيء فطري وبديهي، تعوّد الإنسان عليه منذ الصغر ومنذ الوهلة الأولى لوعيه وإدراكه العام.

ثامنًا: الخصوصية، حيث تتسم أدوات العلم التي تُستخدم في تفسير الظاهرة بالخصوصية، فلكل علم خاصيته التي لا تتداخل مع أي شيء آخر غير العلم.

الـخصائص الفلسفية للمعرفة

تتعددُ الخصائص الفلسفيّة للمعرفة، ولكن من أبرزها:

أولًا: التصنيف، حيث يمكن تصنيف المعرفة إلى عدة خصائص على حسب مجالاتها، ولكل مجال معرفته الخاصة به.

ثانيًا: الانتشار حيث تنتشر المعرفة في كل الأقطار وبكل السُبل المُمكنة، والمعرفة مشتركة بين جميع الفئات والمجتمعات وتنتقل عن طريق الخبرة.

ثالثًا: التوليد، حيث إن المعرفة تتولد من خلال التعليل والتفكير والـملَكَة الفلسفية، بالإضافة إلى دور البحث العلمي والاستقصاء الذي يقوم به المختصون والذي من شأنه يولد المعرفة.

رابعًا: التطور، فالمعرفة لا تُستهلك ولا تنفذ، بل تتطور وتتجدد باستمرار، ولها نسيج عضوي حي يشعر بالشيء كما يشعر البشر.

خامسًا: التخزين، حيث يُسمح بتخزين المعرفة أيًا كان قدرها على هيئة معلومات مختلفة، وقديمًا كانت المعرفة تُخزن على الورق البردي كما في الحضارة المصرية القديمة، ولكن حديثًا فيمكن أن تُخزن بواسطة الوسائل الإلكترونية المختلفة.

سادسًا: الفناء وعدم الخلود، حيث تموت المعرفة بموت صاحبها إن لم تُسجل وتُدون على ورقة ما أو من خلال الوسائل الإلكترونية المختلفة، فمثلًا طلاب الإمام مالك كانوا يدونون مذهبه لذا بقي ولم يفن بفنائه.

سابعًا: حريّـة الامتلاك، حيث يحق لأي شخص أن يمتلك العلم والمعرفة كيفما شاء، فهي ليست قاصرة على شخص واحد، وإنما هي حق لكل فرد من أفراد المجتمع.

تحدثنا في هذا الجزء.. الجزء الأول من المقال عن الفرق اللغوي والاصطلاحي بين العلم والمعرفة، وكيف أنهما كلمتان غير مترادفتين، بل هناك فارق كبير بينهما لغةً واصطلاحًا وفلسفةً! وماذا يتسم به كل من العلم والمعرفة من خصائص قد تتشابه وقد تختلف، وماذا عن الجانب الفكري والفلسفي لكل منهما. والعلم والمعرفة هما أساس التقدم، والازدهار، والرقي الأخلاقي، والمجتمعي لأية طائفة، وأي مجتمع، فبالعلم والمجتمع تتقدم الشعوب، وللحديث بقيّة في الجزء الثاني من المقال عن أهمية العلم والمعرفة للفرد وللمجتمع وللأمة بأثرها، وهكذا أيضًا نتشارك معكم كيف نشأة المعرفة في الحضارة اليونانية القديمة، وهكذا أنواع المعارف الإنسانية في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد