عندما تتجول بخيالك في جغرافيا العالم في أقصى شرقه الآسيوي العائم، وغربه المتطور والسريع جدًّا، وأوروبا العجوز بما فيها من روما وأثينا أرض الحضارات، مرورًا بأفريقيا القديمة، وتنظر إلى أنماط العيش في شقها الحياتي اليومي، تستطيع أن تعرف وتتعرف بأن نمط الحياة البسيط ربما يكون جديرًا بالتأمل فيه، والاحتفاء به، نظرًا إلى ما يقدمه من أسلوب حياة يجعلها ذات معنى وجدوى.

بعد التأمل لوقت متطاول في التصوف أستطيع أن أصفه بأنه فن تبسيط الحياة، بغرض الرجاء في حيوات أخرى عند البعض، وإنه طريقة مريحة للحياة عند البعض الآخر. ويمكننا عده قائمًا بالأساس على التبسيط والزهد. وبكل جرأة أستطيع الفصل بين البساطة والزهد عن طريق الغائية الغرضية لكل منهما! بعد هذه المقدمة الحامية، أريد الاتفاق معك عزيزي القارئ، ولو مؤقتًا، على أن التصوف فلسفة منزوعة الدسم الثقافي لارتباطها التطبيقي أكثر من الثقافي الأكاديمي الجدلي، وبالتالي تأملاتنا فيها ستكون من هذه الجهة.

لماذا التصوف؟

يُعرف التأويل على أنه فعالية ذهنية إنسانية، تُتيح للمتلقِي التعمق في تفاصيل النص، وقياسًا على هذا الوصف، يمكن أن نعد التصوف فعاليةٍ روحيه تتيح للمتصوف التعمق في ردهات الروح، ودهاليز النفس، وضبطها وتشذيبها، وسبر أغوار الكون وتدبره، والنظر فيه. وبالتالي التصوف يوفر بيئة روحية ربما تجعل للحياة معنى وطعمًا لا يدرك كنهه ومعناه إلا من عاش وعايش هذه الحالة في السكون القلبي، والركون الروحي وتجلياتهما.

نحن معشر المسلمين وأصحاب الديانات السماوية الأخرى، وغيرهم كالبوذيين، والكونفوشيوسيين دائمًا ما نصطدم بسؤال عاده ما يطل لك في منتصف العمر إذا كنت محظوظًا، أو في خواتيمه نوعًا ما إن كنت أقل حظًّا، وهو كالتالي:

فِيم تقضي حياتك؟

في ضوء اعتقاد الديانات المختلفة، والإسلام على جهة التخصِيص، كل الإجابات التي قد تتوارد إلى عقلك ربما لا تكون كافية ومقنعة؛ نظرًا إلى عظمة السؤال، ومصيريته، وعدم جدوى البدائل الأخرى! وباستخدام أدوات تحليل بدائية وقديمة، يمكنك أن تجيب بأنك تبحث عن جدوى الحياة متمثلة في المشروع الحياتي الفردي، المشيد على ثنائية الخير والشر. عندها تكتشف أنك تبحث عن الخلود بطريقة ما، وهو ما يفسر خوف الإنسان اللا متناهي من الموت والفناء، ومقاربته لهذا الخوف أو الرجاء يجعل هذا متصوفًا، وذاك متسلفًا، وآخر متفلسفًا.. إلخ، كلهم يطلبون الخلود.

ما يهمنا هنا بالطبعِ هو التصوف بوصفه طريقة حياة، بزُهدها وطابعها البسيط، وهو عندما نضعه تحت المجهر نرى أن الشيء الأساسي الذي يقدمه لنا التصوف هو أنه يملأ فراغات الروح ويسحبك خارج الحلبة المادية للعالم بكل انشغالاتها وسرابها. مما يوفر زاوية نظرية أخرى لرؤية العالم المختلف، البسيط، الحقيقي الذي لا تحتاج فيه لكل هذه الأدوات والأغراض لتحيا.

إن المُقاربة الصوفية للحياة، ربما توفر لها معنى ومتعة لا تستطيع الحياة العصرية توفير معنىً مثله، أو حتى الاقتراب منه.
ولذلك فإن فلسفة التبسيط هذه أثبتت فعاليتها وجدواها، في مُقابل الفلسفة المادِية، وهذا الزَعم تدعمه مشاهداتنا لأنماط الحياة في العالم الحديث والنسب العالية للاكتئاب والانتحار، وتدني هذه المناسِيب في المجتمعات الأقل مادية أو لديها أنماط حياة بسيطة.

في الوقت الذي تجد فيه أحدهم يعتمد على عشرات الأدوات المساعدة للحياة والوسائل الترفيهية، وهو رغم ذلك غير سعيد أو مستقر نفسيًّا على الأقل، في الوقت ذاته تجد أن آخر مقاربته لا تعتمد على كل تلك الأدوات والوسائل الخارجية، وإنما على مفاهيم بسيطة، مثل المحبة «مثلًا» واعتمادها كأساس صلب للنفس البشرية، مما يجعله عنصرًا سهل العيش والتعايش معه، وهذا ما أعتقد أنه عين المطلوب، أن نعيش بسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد