المفهوم العام للزمن

التعريف التقليدي للزمن هو حركة تتدفق فيها الأحداث من الحاضر -المتلاشي بسرعة كبيرة إلى ماض منصرم- وصولًا إلى المستقبل ضمن خط مستقيم لا رجعة فيه، فاللحظة التي تأتي لا تعود مرة ثانية وإلى الابد، كنهر جار تتدفق فيه المياه بشكل متجدد، فالنهر لا يكرر نفسه مرتين وإن تشابه شكل الماء بالنسبة إليك، وفي الحقيقة يُعد مفهوم الزمن بحد ذاته من أعقد مفاهيم الوجود التي لم يُتَوصل إلى فهمها حتى الآن، وكل ماذكرناه مجرد محاولات فهم وليست تعريفًا دقيقًا للزمن بقدر ما هي آثار للزمن نلحظها ونشعر بها ويفسرها عقلنا على أنها تعاقب لأيام وشهور وسنين، ولكن الزمن.. ما هو الزمن؟ صراحةً لا أحد يعلم كنهه وجوهره حتى الآن، هل هو شيء مادي محسوس يمكن الوصول إليه والتحكم بمحتوياته أم هو معنى عقلي مجرد يشعر به الإنسان في قرارة نفسه؟!

فيزيائيًا يرتبط الزمان بحركة المكان، فزمننا الأرضي مرتبط بدوران الأرض التي ينتج عنها تعاقب الليل والنهار، فالأرض تدور حول نفسها بسرعة تساوي تقريبًا 1674 كيلومتر في السّاعة، أي أنَّها تتحرك بمقدار 465 مترًا في الثانية، هذه الحركة التي انتقلتها الأرض بمقدار 465 متر هي ما نسميه نحن بثانية زمن أي أنَّ الثانية الزمنية عبارة عن حركة انتقال للأرض مسافة وقدرها 465 مترا، إذن فالثواني والدقائق والساعات مجرد مسافات انتقال مكانية، كانت الأرض هنا وصارت هناك.

في السابق كان يُظن أنَّ الزمن مفهوم مطلق وثابت لكل الكون، ولكن تبين فيما بعد أنه شيء نسبي مرتبط بحركة المكان، فلكل نظام حركي زمنه الخاص، مثلًا السّنة على سطح عطارد تعادل فقط 88 يومًا من أيامنا، وتبلُغ قيمة السّنة في كوكب الزهرة تقريبًا 224 يوما، بينما اليوم على كوكب الزهرة يعادل تقريبًا 243 يومًا من أيامنا، أي أنَّ اليوم على سطح كوكب الزهرة أطول من عامه، وإنَّ لكُل نظام حركي زمنه الخاص، من كواكب ومجموعات شمسية ونجوم ومجرات، وفي مقالي هذا لست بصدد مناقشة مفهوم الزمن فيزيائيًا وإنما سأطرح فلسفتي الخاصة لفهم الزمن بالنسبة إلى الإنسان نفسه أي تفسير الزمن من داخل الإنسان نفسه.

والآن لنبدأ هذه الرحلة الشيقة مع الزمن

لو طلبت منك أن تقوم بالعد بدءًا من الواحد وصولًا إلى مئة مليار، ولو فرضنا أنك ستنجز في كل ثانية خمسة أعداد، فسوف تحتاج تقريبًا إلى ستمئة وثلاثين سنة لكي تنهي عملية العد، هل تعلم أنَّ هناك كاميرات حديثة تستطيع أن تلتقط أكثر من مئة مليار صورة في الثانية الواحدة، فلو عدلنا الطلب السَّابق وطلبنا منك التقاط مئة مليار صورة من كاميرة عادية، فسوف تحتاج إلى آلاف مؤلفة من السنين لكي تنجز هذا الطلب، لو سألتك ما معنى هذا الكلام ؟!، معناه أن الثانية الزمنية الواحدة عبارة عن تاريخ، دهر، حقبة زمنية، أمد بعيد، وهذا ما نعبر عنه بمفهوم تكبير الزمن، أي وكأننا وضعنا الثانية داخل مجهر يكبر الزمن بدل الحجم أو نشرناها ومددناها على المحور الرياضي، ثم قمنا بدراسة الأحداث العجيبة التي تحصل خلالها، وخلال هذه المراقبة قد تولد عوالم وحضارات كثيرة فتنمو وتزدهر ثم تموت خلال ثانية زمن وأنت لم تشعر بذلك ولم تدر.

سأطرح مثالًا آخر قبل أن أصل إلى المغزى الذي أريد، بفرض وضعنا رجلًا قيد الإقامة الجبرية داخل منزله لمدة ثلاثين سنة، ثمَّ أخرجناه وجعلناه يتنقل بحرية كاملة أينما يريد، فإنه وخلال ساعات قليلة سيدخل إلى رأسه معلومات مصورة وملموسة ومسموعة أكثر مما دخل إلى عقله خلال ثلاثين سنة؛ لأنه لم ير خلال الثلاثين السنة السابقة إلا صور غرفته والحمام والصالون بينما في الساعات القليلة التي أطلقناه فيها قد دخل إلى عقله الآلاف المؤلفة من صور الشوارع والمحلات والبيوت والناس،إلخ، المغزى من المثالين السابقين هو أنَّ الزمن الفعلي مرتبط بغزارة المعلومات الواردة والمعالجة، فالكاميرا التي التقطت مئة مليار صورة في الثانية هي فعليًا امتلكت عمرًا أطول من عمر الانسان المقدر بسبعين أو ثمانين عاما.

هل يمكن أن يتساوى طفل صغير مع شيخ كبير بالعمر،

لو فرضنا جدلًا أنَّ الإله قد قام الآن بصنع نسخة من رجل يبلغ من العمر سبعين عامًا، ولا أقصد من كلامي نسخة شكلية وإنما نسخة معرفية، أي قام بحشو دماغ هذه النسخة الجديدة بكل المعلومات الحسية والخبرات العقلية التي شهدها هذا الرجل خلال طيلة عمره كلها، مع ترتيب هذه المعلومات بنفس النّسَق الموجود في عقل الرجل الأصلي، أي لدينا ذاكرة قديمة تحوي مرحلة الطفولة والشباب ولدينا ذاكرة جديدة، ثمَّ قام بإطلاق هذا الكائن الجديد في مجتمع ذلك الرجل، في الحقيقة سيكون لدينا نسخة طبق الأصل عن ذلك الرجل، سوف يتعرف هذا الكائن الجديد على عائلته وكأنه قد عاش معها سبعين سنة، وسوف
يمارس حياته كما لو أنه فلان الفلاني مع أن عمره لم يتجاوز الساعات في مقابل السبعين عامًا التي عاشها ذلك الرجل وهو يكوِّن هذه الخبرة الطويلة، الفكرة من هذا الكلام أن البعد الزماني غالبًا ما يكون بعد معلومات، بمعنى لو أنَّ رجلًا قد
غاب عن بلده لمدة ثلاثين سنة ثم عاد إلى بلده مع ملاحظة أن هذا البلد لم يتغير كثيرًا عن السابق أي لازال يحتفظ بكثير من معالمه دون تغييرات جوهرية، صراحة عند الوصول إلى بلده سينتابه شعور غريب أنَّ بينه وبين هذا البلد أمدًا بعيدا، وفي
الحقيقة ليس الأمر كذلك فالبعد عن بلده كان بعد معلومات وليس بعد زمان، فخلال الثلاثين السنة قد دخل إلى عقل هذا الرجل المليارات الممليرة من المعلومات المصورة والمسموعة، أنت حتى تشاهد صورة فلان على حقيقتها فإنه يدخل إلى رأسك خلال ثانية واحدة المئات من صور هذا الشخص لكي تدركه بهذه الهيئة، وهذا ما يجعل معلومات بلده تغور نحو أعماق الذاكرة، ولكن بعد العودة بثلاثة أو أربعة أيام لا تلبث أن تطفو معلومات البلد على سطح الذاكرة فيتلاشى ذلك الشعور وذلك الغياب ويبدو وكأنه لم يغب عن بلده سوى أيام قليلة.

الصفر المطلق

أحيانًا تتذكر كلمة سمعتها أو لقطة من الزمن رأيتها في عام 1990 بحذافيرها وكأنها حصلت الآن وتنسى بشكل مطلق تفاصيل معينة حصلت معك قبل ساعة زمن؛ لأن الماضي أقرب للمفاهيم المجردة كإدراكك لمفاهيم الحب والكره والوفاء دون قدرتك على لمسها ماديًا، إنَّ عمر الكون حوالي أربعة عشر مليار سنة، ولكنه مجرد رقم وهمي ليس له أي قيمة، وبمعنى أدق قيمته الحقيقية الصفر وليس أربعة عشر مليار، والعمر الفعلي للكون هو اللحظة الحالية، وحتى يكون هذا الرقم ذا دلالة فعلية يجب أن تتوفر لدينا آلية معينة نستطيع من خلالها التنقل بين الماضي والحاضر جيئة وذهابا، وبذلك يصبح لهذه المسافة معنى، أما العودة للماضي وحدها سوف تعيدنا إلى نفس المشكلة وهي فقدان الحاضر، إنَّ المسافة بين رجل عمره الآن أربعين سنة والعام الذي ولد فيه 1979 هي الصفر المطلق، وبالنسبة إليه لا يوجد أي فرق أبدًا من ناحية المسافة بين عام 2000 وعام 1990.

الإنسان في الحقيقة هو ابن اللحظة الحالية، ولو كان شكل الإنسان لا يتغير أي لا يتعرض للهرم والشيخوخة عندها سوف يتلاشى مفهوم الزمن تدريجيًا وسوف يصبح ابن الألف سنة لا يفرق كثيرًا عن ابن الثلاثين سنة، كلاهما يعيشان اللحظة ولا وجود لشيء اسمه الماضي مهما بلغ من طول، مجرد معنى مجرد في الدماغ، كلما قل التغير كلما تلاشى مفهوم الزمن وفقد
معناه، لهذا السبب أعتقد أنَّ الخلود في الآخرة سيكون خلود اللحظة التي تعيش فيها وسوف يُلغى مفهوم الماضي من رأسك ؛ لأن الماضي هو مفهوم مهم للدنيا لكي تستطيع أن تسير حياتك، أما في الآخرة لا معنى لوجود الماضي ولا المستقبل، فأنت تعيش في ديمومة اللحظة المليئة بالنعيم وإن ولت هذه اللحظة لن تشعر بها لفقدان الماضي وسوف تبقى في خلود هذه اللحظة، إذن هذا رجل عمره 40 وذلك 60 وذاك 80 كلها أرقام وهمية ليس لها أي دلالة حقيقية.

نحن لا نملك إلا طرفًا واحدًا من طرفي السلسلة والطرف الثاني مفقود، حتى هذا الأول سريع الانفلات من أيدينا ليلحق بصاحبه ويخرج عن دائرة سيطرتنا، وسوف أضرب مثالًا عمليًا على ذلك، لو كنت تشاهد الآن شريط فيديو يعرض فلمًا معينا، فما الذي يجعلك تتحكم في لقطات هذا الفيديو؟ هو ذلك الشريط الذي يعيدك إلى الدقيقة العاشرة ثم يجعلك تقفز فورًا إلى الدقيقة السبعين، هذا الشريط يجعل للمسافة الزمنية حقيقة ومعنى، ولكن لو سلمنا أنك لا تملك هذا الشريط، فسيتحول هذا الفيديو إلى شريط يشبه حياتنا بالضبط لا نملك فيه سوى لقطة الحاضر، الماضي فيه خيال والمستقبل سراب.

لو سألتك ما معنى يوم البارحة وهل تستطيع أن تفرق بين يومي الأمس وقبل الأمس؟!، فكر قليلًا ولا أقول لك استرجع سنين كثيرة بل استعيد البارحة واليوم الذي سبقه، على المستوى العام لن تستطيع أن تجد أي فرق ولا يمكنك ولا بأي شكل من الأشكال أن تحدد انتقالًا زمانيًا أو مكانيًا بينهما، والسبب هو أنَّك تغوص في الصفر المطلق وسوف تظل فيه مهما حاولت.

إذن ما هو الزمن؟

يمكنني تعريف الزمن بأنه حركة المعلومات ” صور، أصوات، ملموسات، روائح ” الواردة إلى الرأس، وخارج هذه الأداة الواعية لا معنى لشيء اسمه الزمن أي لو لم يكن هناك كيان عاقل في هذا الوجود كله، وكل ما يحتويه عبارة عن أشياء صماء ليس لها أي نوع من أنواع الإدراك، فلو أخذنا الحجر مثلًا فإنه لو بقي داخل الكون مئة مليار سنة، فلن يستطيع أن يدرك نفسه أو أن يشعر بشيء اسمه الزمن، ووجوده فعليا كعدمه، هو معدوم فعليًا بالنسبة إلى نفسه وذلك بسبب غياب الأداة العاقلة التي تستطيع إدراك هذا الوجود، إن هذا الحجر لاوجود له إلا في عقلك أنت وليس وجوده بالنسبة إلى نفسه لأنه غير قادر على إدراك نفسه.

ما معنى أنَّ الزمن هو حركة للمعلومات؟

لو أخذنا المعلومات الشكلية أي الصور، وبفرض لدينا السيناريو التالي، أنت تدخل إلى الحمام، ثم تخرج منه باتجاه غرفتك، بعد ذلك تلبس ثيابك لكي تخرج إلى الشارع، ثم تركب القطار حتى تلتقي بأصدقائك في السوق، تجلسون في إحدى المقاهي، ثم تذهبون إلى بيت أحدهم لقضاء السهرة، إنَّ كل انتقال من هذه الانتقالات عبارة عن صورة واردة إلى الدماغ تتلوها صورة، في البداية دخلت إلى رأسك صورة الغرفة ثم تلاشت، وجاءت بعدها صورة الحمام، ثم صورة الشارع، ثم القطار، وصولًا إلى بيت صديقك، فلو استطعنا أن نولد لك هذه الصور ونجعلك تصير بداخلها ضمن آلية معينة دون أن تتحرك من مكانك، وأنت تجلس في بيتك، بداية نخفي لك صورة الغرفة فنظهر لك بعدها صورة الحمام، ثم القطار، ثم أصدقائك، ثم بيت رفيقك، اي وباختصار شديد أبقيناك ساكنًا داخل منزلك وحركنا لك المكان، فستشعر بالضبط وكأنك قد تحركت على قدميك من بيتك إلى بيت رفيقك، إنَّ صورة الحمام عبارة عن معلومة سابقة وصورة الغرفة التي تلتها هي الحاضر وصولًا إلى المستقبل وهو صورة القطار والسوق وبيت صديقك، بالتالي السفر إلى الماضي أو المستقبل هو سفر معلومات وليس سفر أماكن، معلومات تتوارد إلى رأسك واحدة تلو الأخرى.

لو قمت بتصوير فيديو لنفسك ولعائلتك أو أصدقائك في عام 1995، ثم عرضناه لك في عام 2019، فإن هذا الفيديو سيحرك في داخلك معلومات الماضي، وسوف يجعلك تشعر بقرارة نفسك بشعور غريب جدا مختلف تمامًا عن رؤيتك لفيديو آخر من عام 1995 لم تكن أنت موجودًا فيه، والسبب لتحريك هذا الشعور هو أنك ترى نفسك الآن داخل شاشة بعد أن كنت عام 1995 حقيقة ساطعة داخل شاشة الكون كله، وكأنك ترى وتراقب نفسك من عالم آخر، ولكن انتبه يا عزيزي فرؤيتك لهذا الفيديو لن تجعلك تسافر إلى الماضي، والسبب هو أن الفيديو في عالم وأنت في عالم آخر، في عام 1995 كنت أنت جزءًا لا يتجزأ من الصورة، لقد كنت تعيش بداخلها لذلك ترافقت حركة المعلومات في ذلك الوقت مع حركة المشاعر، بعكس الفيديو الذي أصبح الآن مجرد صور منسوخة من عام 95 وتنتمي لعالم الشاشة الالكترونية وتخلو من الشعور النفسي الذي يجعلك تشعر أنها تحدث أمام عينيك، وحتى نجعلك تتفاعل مع الماضي وكأنه يحدث الآن يتوجب علينا نقلك إلى داخل الشاشة الالكترونية ونجعلك جزءًا من هذا الفيديو، أو أن نقوم بنقل محتوى الفيديو إلى شاشة الطبيعة المتواجد فيها أنت الآن، ونعيد تخليق هذه الصور مرة أخرى، عندها سيتلاشى مفهوم الزمن وسوف يصبح الماضي حاضرا، لن يكون هناك إلا الحاضر، سيصبح عام 1995 مجرد معنى وهمي لا معنى له ولن يكون هناك أي فرق بين عام 1995 وعام 2019.

ارتباط حركة المعلومات مع الموت والبعث

لذلك الموت سينفي كل هذا الشعور، فمن مات قبل سبعة ملايين سنة سيتساوى عند البعث من القبور من ناحية الشعور مع من مات قبل سبعة أيام، وسيظن كل منهما أنه لم يلبث إلا يومًا أو بعض يوم، وتعليل ذلك هو أن كل امرئ سوف يبعث على آخر نسخة مات عليها، وبسبب افتقاد كل شخص من الاثنين لمعلومات جديدة تدخل إلى الرأس وتضاف إلى هذه النسخة التي مات عليها سيظن الاثنان أنهما لم يناما إلا قليلا، ومن نام اليوم واستيقظ في الصباح لكي يذهب إلى العمل يشبه بالضبط من مات قبل خمسة مليارات سنة واستيقظ في الصباح لكي يذهب إلى الحساب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد