هذا المقال تتمة مقال سابق, والاثنان يكملان بعضهما البعض.

المقال السابق

 

عند الحديث عن المناطق الشائكة يجب الحذر حتى لا يتم إساءة فهم الكلام, لأن الفهم الخاطئ والتطرف في فهم الأفكار خطر داهم, ولهذا وجب إتمام المقال السابق بهذا المقال لتكون الصورة واضحة تمامًا لتجنب الالتباس. جميع ما تحدثت عنه وما سيتبعه يجب أن يكون محدودًا بجملة تتردد علي ألسنة الصوفية ألا وهي:”من زعم أنه وصل, فقد كفر.”

الوصول هنا معناه الوصول لله أو الإحاطة بأسرار قدرته , ولكني أريد المعني هنا بشكل آخر. سأفسر الوصول هنا بأنه الوصول لمقام “الحكم الصائب” دائمًا, والكفر بأنه الابتعاد عن الحق, علي هذين المعنيين كل الأفكار تُبنَي.

إذا اعتبرت أنك وصلت لمقام الحكم الصائب فأنت مخطئ لا محالة, هذا شيء لا تستطيع أنت ولا أي شخص تحديده. خلق الله البشر خطائين, وأنت بالتأكيد لست شذوذ القاعدة, إذا ظننت بنفسك هذا فأنت لست كذلك.

إذًا لا تعتبر أنك تستطيع التجول بحرية خلف جميع الأبواب وأنت واثق تمامًا من نفسك, الثقة هنا قد تفسد كل شيء إذا زادت عن حدها. الأصوب هنا أن تعتبر نفسك مجتهدًا في الطريق وأن تظل معتقدًا أنك محض مجتهد مهما كنت تظن بنفسك الظنون, هذا أصوب وأسلم.

أنت الآن جاهز لثاني مرحلة, ألا وهي مرحلة الشعور بالله داخلك. لا أريد الحديث هنا من منطلق ديني معين, الأمر هنا أعم وأشمل. الاتصال الروحي بين العبد وخالقه, بين الجسد الفاني ومصدر الروح, بين الفاني الضعيف والباقي القوي, بين المصب والمنبع.. هذا الاتصال هو الشيء الوحيد الذي يبقي للحياة معني ويحميها من الفوضي العارمة , إحساس وجود الله بداخلك.

استحضار وجود الله والإحساس به أمر في غاية الأهمية , الله ليس في السماء, ليس في المسجد ولا في الكنيسة, الله في كل مكان وفي كل شيء, الله داخلك.

تذكر هذا دائمًا. حينما تفكر في الخطأ تذكر أنه معك واستحضر هذا. وأنت سائر في طريق الشعور بالله والإحساس بوجوده داخلك ينقصك تعديل نظرتك للأمور, يجب أن ترى روح الأشياء لا الأشياء ذاتها, فالروح أهم وأبقى.

قد يكون الأمر معقدًا هنا ولكن يمكن تبسيطه بضرب الأمثال. فمثلًا إذا رأيت فتاة بارعة الجمال, قد تنظر لها بشهوة كجسد فقط وهذا سيء بالطبع, وقد لا تنظر أبدًا وتغض بصرك وهذا حسن, وقد تنظر لها برقي ووقار وذوق رفيع وتقدير للجمال وأن تري فيها تجلي إبداع الخالق دون التفكير في أي شهوة حسية وهذا أحسن, أي النظرات أفضل؟

النظر للباطن بشكل عام أرقى كثيرًا, عند رؤيتك للناس وهم يخطئون انظر لضعفهم الإنساني الفطري واعذره, عند نظرك للعبادات والتكاليف الدينية انظر لمقاصدها وروحها ولا تغفلهم خلف مظاهر العبادات, فالاثنان لا غناء عنهما معًا. فالصلاة مثلًا ليست مجرد حركات, هذا ظاهرها.. ولكن باطنها الشعور بحضور الله وسكينة وجوده معك ولتتذكر الصلة بينك وبين خالقك.

وهكذا في جميع الأمور, ركز علي باطنها الروحي لا المادي. أنت سائر في طريق الشعور بالله والإحساس بوجوده داخلك وأصبحت تنظر دائمًا للجوهر وتقدره, ينقصك شيء مهم لا يفهمه الكثيرون فهمًا صحيحًا, ألا وهو الحب.

بعض الأفكار أوسع من اعتقاداتنا, فالحب مثلًا أعم وأشمل من معناه الضيق في أذهان الناس, فإذا تناولنا الحب عند شيخ الصوفية الأكبر ابن عربي فنجده اعتبر الحب دينًا جامعًا لكل الفُرقاء. فيقول بشاعرية مرهفة بعد أن وصل إلي قمة التسامي والنضج الروحي:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلًا كل صُـورةٍ
فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ
وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ
ركـائـبهُ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

فالحب جامع لا مفرق، ولهذا فهو ما يلزم البشر ليتجنبوا السقوط في بئر البغض والتطرف الذي ليس له قرار. فهو ليس دينًا بالمعني الحرفي وإنما هو فلسفة وطريقة جديدة للنظر للأشياء, هذه الفلسفة قادرة على احتواء كل شخص من أي دين أو معتقد, فالحب ضد كل قبيحٍ من بغض وتعال وعنصرية, هو الدافع لتفهم الآخر, لمسامحة الآخر, للتعايش مع المختلف معك دون أن ترى في اختلافكما مشكلة تُذكر.

كما قال محمود درويش: “أدرب قلبي علي الحب كي يسع الورد والشوك”. هذا الحب يمكن أن يمتد ليشمل المخلوقات جميعها وليس الإنسان فقط, فنرى من يهتمون بحقوق الحيوان, هؤلاء الذين وسّعوا معني الحب ليشمل الجميع.

الزهد أيضًا له معني واسع, فهو ليس لبس الرث من الثياب واعتزال الحياة, قد تكون غنيا زاهدًا أو ناجحًا زاهدا. الزهد هنا مقام عالٍ, بألا تكون الدنيا في قلبك وألا تتركها تتملكك أبدًا, وألا تجعلها تصرعك فتظل تلهث وراءها ناسيًا من أنت وإلى أين تنتمي روحك ومن أين جاءت وإلي أين تنتهي.

أنت الآن علي طريق التنور, سائر في طريق الشعور بالله والإحساس بوجوده داخلك وأصبحت تنظر دائمًا للجوهر وتقدره, وأصبحت قادرًا علي الحب والرحمة والتفهم لجميع المخلوقات وبلغت مقامًا عاليًا من الزهد.

ولكن ينقصك أن تحذر, وألا تظن بنفسك الوصول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد