تعترينا في كثير من الأوقات طائفة من الأفكار والمشاعر السلبية التي قد لا نستطيع التخلص منها بسهولة، إما لأنها ناتجة عن مشكلة حقيقية ما زالت مستمرة أو لأننا ننظر للحياة عامة من منظوري الخوف والأمل، الخوف من أن يتكرر الماضي بأخطائه التي لا نرى سواها ومن المستقبل المجهول، ونظل نتأمل تجاوز الماضي والمضي قدمًا نحو مستقبل تهدأ فيه مخاوفنا، ولكن تكمن المشكلة هنا بأننا لا نتستطيع تغيير لا الماضي ولا المستقبل ولن نستطيع التحكم أو الحكم على الظروف التي واجهتنا أو قد نواجهها والتي يمكن أن تختلف ساعتها ردات فعلنا وتصرفاتنا وحتى قراراتنا التي أنتجت الخوف والقلق والترقب، ووحده الحاضر ووحدنا نحن من نستطيع التحكم به.

وحتى تتقدم حياتنا وتمشي على نهج مستقر وسعيد، لابد لنا عن أن نبذل جهدًا حثيثا في تطوير أنفسنا وتطبيعها وتعويدها على متقلبات الحياة المختلفة السعيدة منها والتي نستطيع المرور بها دون أن تحدث لنا عقبات، والحزينة السلبية منها التي قد نقف عندها مرحلة تؤطرنا وتجعلنا غير مفيدين لأنفسنا ولا لما نريد إنجازه في الحياة.

قد يبدو عنوان هذه المقالة سهلًا، ولكن أن أقول لشخص ما حتى تكون كذا عليك أن تفعل كذا وكذا قد يبدو ليس صعبًا، ولكن تنفيذه يحتاج إلى الكثير من القوة والإرادة والصلابة النفسية التي تمنحنا الثقة والقدرة على تغيير أنفسنا للأفضل، وحتى نصل إلى ذلك فإننا نحتاج لأن نغير في البدء طريقة تفكيرنا عن أنفسنا وعن الناس ومدى تقبلنا للتغيرات في حياتنا.

و كما يقول المفكر والحكيم اليوناني أبيقور بأنه علينا وحتى نصل لغايتنا في الحياة ولنعيشها بسلام وبهجة قدر الإمكان، أن نسعى ونحاول بلوغ الأتاراكسيا أو كما يمكن ترجمتها إلى الطمأنينة، أو التحرر من الاضطراب العاطفي، وحتى نبلغها علينا أن نتخلص من جميع مخاوفنا وأولها الخوف من الموت.

إن الغاية الحقيقة من بلوغ الطمأنينة هو أن نعيش حياة بسيطة وسعيدة، خالية من التعقيدات الناشئة من التراكمات والضغوطات التي يتعرض لها كل إنسان في حياته، فعندما نتحرر من اضطراباتنا العاطفية نكون أقوى نفسيًا ونستطيع التحكم بعقلنا، فنحول العاطفة عقلًا، أي نتفهم بعقلانية مشاعرنا الناجمة من مختلف التفاعلات في الحياة والتي قد تنشأ مرات رغمًا عنا ونتمنى حينها التخلص من مشاعر سلبية معقدة تقف في طريقنا.

إن تلك المشاعر لا نستطيع إطلاق سراحها لمجرد أننا نريد ذلك، ولا نستطيع تجاهلها لأنها ستتردد أكثر فأكثر، ولكن نستطيع تفهمها بعقلانية، وتتبع سبب نشوئها منذ البداية، فنتحدث مع أنفسنا ونتساءل كيف شعرت بذلك؟ وبدلًا عن أن نفكر كثيرًا فيها، نفكر في حلها.

التفكير والتفكر عمومًا في ذواتنا وكينوتها ومحيطنا وواقعيته، يوصلنا لنعرف هل نحن حقا نتحكم في كل شيء حولنا أم عدانا يفعل؟ هل أنا من سببت لنفسي الأذى أم غيري؟ فذلك يقودنا لنفهم أساس العلاقات، حتى علاقتنا مع أنفسنا سيئة كانت أم جيدة، ولنكتشف أنه نحن من نتحكم فقط بكل ما يصدر منا لا ما يصدر من الآخرين. نحن قادة مصيرنا.

الزعم بأن ترك المشاكل لتحل نفسها بنفسها قد لا يعقدها، هو الوهم بذاته وهو أمر خاطئ، وكأننا نطفئ الحاسوب لمشكلة داخله وننتظر منه أن يحل مشاكله بنفسها وهو المستحيل بعينه، يجب علينا أن نفك تعقيدات مشاكلنا أول بأول دون أن ندعها تتراكم حتى تصبح عائقًا بالغًا في حياتنا يسد عنا حقيقة الحياة.

في هذه الحياة قد لا نملك سوى أنفسنا التي بين جنبينا، فوحدها تجتاز معنا المرارات وتتجرع العلقم. لذا علينا أن نوليها اهتمامًا بالغًا ولا نتركها لثقوب سوداء تبتلعها، ولا نتركها للأوهام تتقلب بينها، علينا أن نكون أكثر مسؤولية في تحمل مشقات كثيرة، مع العلم بأن ما حدث لم يكن سوى أن يحدث، وهو لا يهمنا بعض الآن عدا الاعتبار منه، وما سيحدث لا نستطيع التحكم به وتقليبه لأنه ليس أمامنا بين أيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد