هناك حيث رمق الشفق وإذ بكوبٍ من الشاي يجالسه شخصٌ ذو نظرة ثاقبة تعكس مدي الريبة والتساؤل بداخله إذ يعبث بعقله بحثًا عن أفكار محاولًا التقاط إحداهم ويعتصر مرارًا وتكرارًا محاولًا خلق فكره لأن ما يدور في عقله الآن لن يلفت انتباه العامه بالقدر الذي يريده، فيراود فكره محاولًا استدعاء فلسفة ما لربما تكون هي السبب في تحصيل أكبر عدد ممكن من الإعجاب والمشاركة بين الأصدقاء، ولكن هل هذا هو المعني الحقيقي للفلسفة؟ وهل هذه هي الفحوى من تلك الأفكار المتناثره على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل كثرة الأقاويل والعبارات الرنانة والمقاطع المرئية المختلفة هي التي قد تغير من الواقع؟

على الرغم من أنه لم يكن هناك وفاق في تعريف الفلسفة إلى أنه لطالما كان مفهوم الفلسفة الغالب هو محاولة لفهم ودراسة المشاكل المحيطة والعمل على التساؤل والتدقيق في السلوكيات والقيم والعقل، ولكن ما هو المردود النهائي للفلسفة، اختلف الفلاسفة في ذلك الأمر، ولكن انقسم أغلبهم إلى أمرين وهما أن الفلسفة هي التفكير في التفكير سعيًا للتأمل والتدبر أو التفكير بحثًا عن الحقيقة، ما نخلص إليه هنا هو أن اساس التفكير هنا قائم على الأمور الموضوعية أو غير الموضوعية من أجل الذات، إذا كان للتأمل والتدبر ومن أجل المجتمع والذات إذا كان بحثًا عن الحقيقة، وبالتالي يمكن القول إنه محاولة للسير نحو المنطق والتحليل المتدرج نحو الفهم والانتقال من الشك إلى اليقين، وهنا تكمن الفكرة هل الفلسفة بكل هذه المضامين تعني سطحية الفكرة أو مجرد بعثرة ونفض غبار الأفكار على العامة؟

في واقع الأمر، إذا نظرنا إلى هذا الكم الهائل من الأطروحات على الساحة الألكترونية من وسائل التواصل الاجتماعي أو الصحف أو غيرها، فلن نتمكن من تصنيف هذا العدد في أطر محدودة وواضحة، ولكن يوجد ما هو بارز وبشدة من سلبيات ربما الآن يركلها البعض بأصبعه، وهو مستلق متناسيًا إياها بضغطة زر، ولكنها تظل محط نظر الغير، وما زال تأثيرها يدوي بين الآخرين.

فمن ما يثير اندهاشك هو بعض المقاطع المرئية التي تنشد نشر المبادئ الدينية والأخلاقية بين المجتمع، وتُظهر مدى حرص صاحبها على هذه المبادئ، وأنه كم يتمنى أن يرى المجتمع في ظل تلك الأسس أو تجد من هو يريد أن يميت فكره سلبية تفشت في المجتمع، فيحاضر فينا عن مدى المردود السلبي الناتج عن تلك الفكرة، ومن ثم وبعد يومين من انتهاء الضجة المتمركزة حول تلك المبادئ أو الأفكار التي حدثونا عنها، يصبح وكأن شيء لم يكن، وتجد هؤلاء هم أوائل الباحثين عن عكس ما كانوا يتغنون به، وهناك نوع أخطر من ذلك، وهم الذين نجدهم يتناولون مبدأ ما بطريقه سطحية بشكل يشوه المبدأ، فهم ليسوا بالفقهاء أو الجديرين بطرح المبدأ من الأساس ولربما هم لا يفهمون هذا المضمون بالمرة، ولكنهم يستشعرون مدى أهميته لدى العامة، فيحاولون أن يتناولوه حتى تستدير أنامل البشر نحوهم مصفقين لهم، ولكن للأسف يتحول المبدأ إلى عبارات بلا معنى، فتقتل روح الفكرة، كالذي خلط الماء بالملح فعكر صفوه.

الكوميديا هي أحد وسائل الهروب من الواقع الأليم، حيث تجدد في المرء روح الفكاهة، وتنثر عنه كل حزن، ولكن لم يعد للكوميديا سقف، بل أصبحت مبارزة بين مصارعيها فيمن سيتمكن من أن يرسم أكبر عدد ممكن من الضحكات دون الاكتراث إذا كان هذا الأمر سيؤذي أحدهم أم لا فأصبحنا نجد أن في كل حدث، وإن كان يحمل في طياته من المصائب ما يكفي، إلا ونجد من يهفو لالتقاط كلمه من هذا الحدث، واقتطاعها ودمجها مع إحدى الإفيهات لتكون هي مصدر الإضحاك بين الناس، بل هناك الألعن من ذلك وهو أن يحول الحدث ككل إلى مصدر للكوميديا، ويحول من ذلك الألم المنبعث من الحدث إلى سخافات فيصبح الأمر برمته ما هو إلا نكته ناهيك عن أن يقوم البعض بتصوير شخص ربما يتعامل أو يتحدث بعفوية ما ناتجه عن عدم حصوله على القدر الكافي من التعليم ليتحول إلى رقم واحد على وسائل التواصل الاجتماعي من نشر مقاطعه واستخدام كلماته التي رددها أثناء التصوير والتسخيف منه، ويصبح الجميع يسعى لمقابلته فقط ليس إلا لكي يلتقط معه الصور التي سيقومون بنشرها على صفحاتهم الشخصية فيحصلون على الكثير من الإعجابات.

خلقت لكي أكون أنا والأنا هو الكون الذي يحيط بي لأني رسمته بوجداني هربًا من هذا الكون الغريب الذي يحيط بكم، وكما رأيت هذه فئة أخرى يدعو البعض صاحبها بالعميق أو هو يسعى لأن يكون هكذا، هذه كلمات كتبتها محاولًا الوصول لفكر هذا النوع كي تشاهد معي هذه الفئة التي قد تكون ما هي إلا أشخاص كل ما يسطرونه يدور حول فكرة واحدة وهي أنهم لا ينتمون إلينا، بل إنهم أنقى وأصفى وأطهر من البقاء معنا في هذا الكوكب، والعجيب أن تجد أعدادًا رهيبة من الإعجابات، ومعظم من أعجبوا بتلك العبارات يتردد بداخلهم أنهم وجدوا من عبر عما بداخلهم، إذًا فمن الذي فعل هذا بالكوكب، أو من هم اهل الكوكب الذي نعيش فيه وهناك نوع آخر من تلك الفئة وهم من يترددون علينا بالجمل المعقده غير المفهومة بالمرة، ولكنها من كثرة تعقيدها أثارت زر إعجاب من قرأها لكي لا يقال عنه إنه أحمق هذا العصر، فتجدنا نسارع لننحني لتلك الجمل رافعين لها القبعات، بل متفلسفين في كومنتات بكلمات مبهمة أكثر من الجملة نفسها.

هذا هو الواقع، ولكن لا يعني أبدًا أن نحصر كل ما يدور في فلك وسائل التواصل الاجتماعي في تلك النقاط، فهناك ما هو مفيد وينشد معنى، وفكرة حقيقية، ولكن هذه النقاط التي سردتها تعد الأبرز والأكثر انتشارًا لتجد أننا أصبح لدينا نظرية جديدة من الفلسفه وهي كيف ننزع الفلسفة من مضامينها مكتفين فقط بواجهتها متظاهرين إننا ننشر فكرة ونسعى للإبداع، وهل للفكرة قيمة دون برهان وإيمان حقيقي وعمل بها من قِبل ناشرها لنجد أننا نسبح في فلسفة اللافلسفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد