لا يخفى على أحدٍ رُبما مسألة الاختلاف الأبستمولوجي بينَ العقليين والتجريبيين، فأصحاب المذهب العقلي يميلون إلى العقل بوصفه الأداة الوحيدة القادرة على انتزاع المعرفة من الحقائق الحسية المحيطة بِنا، أما الحواس فلا يمكن الاعتماد عليها، وهي تُخطئ وتخدع في أحيان عديدة، فكم مرةً اشتبهنا على وجود الماء حقيقة حسية لكنه لم يكن سوى سراب، وكم مرة خُدعنا بواسطة ظاهرةَ انكسار الضوء أو رأينا الشمس أصغر من لهب الشمعة والأمثلة الأخرى عديدة لمثل هذه الأخطاء ذات الطبيعة الحسية. والحل للتخلص من هذه المشكلة هو اعتماد المبادئ العقلية المُقررة ذهنيًّا بوصفها مسلمات، لكي نتجنب الزلل الناتج من الاعتماد على مدركات حسية لحقيقة ما واستقراء قانون عام منها؛ إذ ينفذ العقل إلى حقيقة الموجود ويجرده من شوائب الحِس ليصل إلى الجوهر الذي يتضمن حالات عديدة تختلف وتتشابه وتظهر للطرف الآخر على شكل صفات تُدرك بالحِس. فمعرفة الجواهر إذن تحصننا نحن الذين نُمارس عملية الإدراك من الاعتماد على الحالات المتعددة، والجوهر اللا ممتد لا يدرك بالحِس إنما بالعقل.

لنفرض إن أمامي الآن مِنضدة، أنا أستطيع أن أُدرك بالعين أنها مستطيلة وبواسطة اللمس والسمع معًا أنها صلبة، تشكل هذه المدركات حقائق حسية لموجود المنضدة وناتج هذه المدركات في دماغي هو الإحساس بوجود المنضدة؛ إذ يجب التمييز في عملية الإدراك – كما نميز بين العواطف وموضوعاتها – بين الحقائق الحسية القائمة للموجود والإحساس الناتج في الذهن من تلك الحقائق. لكن السؤال الذي يتبادر لنا الآن ونحن نعلم مبادئ المذهب العقلي أيٌ من هذه الصفات هو جوهر المنضدة الذي تتشكل حوله أو تتجمع كما تتجمع الإلكترونات حول النواة لتشكل الأخيرة مركزها، أنا قطعًا لا أستطيع أن أنفي أي صفة أو أعتبرها غير ذات أهمية فنتيجة أي فعلٍ كهذا هو تشويه الإحساس الناتج من المنضدة في الذهن ولن أستطيع بعدها إدراك أي منضدة على الإطلاق، إذ إن الحقيقة الجوهرية للمنضدة – بوصفها موجودًا ضمن إطار الحقائق – ندركها دفعة واحدة بواسطة مسارات حسية مختلفة تصل جميعها إلى الدماغ وتشكل المحسوس الذي ندركه عقليًّا عندها أما مباشرةً أو من خلال مقارنته في الذاكرة مع محسوسات من تجارب سابقة.

يبدو مما سبق أننا لا نستطيع الاعتماد على صفة ما مثل جوهر للمنضدة ولا على أحد أحوالها لنعدها نواةً لها، فأنا رُبما أرى وأدرك بالملاحظة البسيطة منضدة ذات لون بني، ولكن الرسام عندما يحاول رسمها سيلاحظ والحالة هذه عدة تدرجات للون البني وكذلك يختلف اللون باختلاف الظل والضوء الساقط عليها فأي لون يشكل حقيقة المنضدة؟ كما يختلف شكل المنضدة عندما أفحصها تحت المجهر أو ينظر إليها المصاب باعتلال البصر أو عمى الألوان، وربما يخترع الأنسان مستقبلًا وسيلة للإبصار أكثر دقة من الوسائل الحالية. يبدو أننا لا نستطيع البت في حقيقة الأحوال فكيف يمكننا الاعتماد عليها إذا أردنا الوصول إلى حقيقة جوهر المنضدة؟

لكي نتفادى نحن البشر الذين لا نصيب في أحيان كثيرة و لا نميز في حالات أخرى بين الصواب والخطأ كل هذا يقول أصحاب المذهب العقلي بوجود جوهر غير مُدرك للمحسوسات يحوي أحوالًا وصفات مختلفة تظهر للعيان بواسطة الحِس ويأتي اختلاف أحوالها من اختلاف طرق رصدها لكنها – هذه الأحوال – لا تشتمل إطلاقًا على الحقيقة الجوهرية للمنضدة، فهي كما رأينا تتغير باستمرار وليست ذات حال ثابتة إذا حاولنا إدراكها بالحواس، أما العقل فيميل إلى تجريد المنضدة من كل الحقائق المنطوية عليها حسيًّا ليصل إلى جوهر مطلق، حيثما يكون تكون المنضدة. فأنا حينما أفكر في عقلي بشيء ما، أُدرك جوهر هذا الشيء الذي يجعله موجودًا حتى إنه لم يوجد في أي زاوية من هذا العالم، فعندما أتذهن في عقلي مربعًا أدرك مباشرة أن مجموع أضلاعه الأربعة متساوية حتى إنه لم يقفز هذا المربع بعد إلى عالم الموجودات.

وفق هذا أعلن ديكارت في مؤلفه الأكثر صمودًا حتى الوقت الحاضر – تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى – إن الوجود ينطوي على جواهر وامتدادات، إذ إن الجواهر لا تنطبق عليها صفات المادة من طول وعرض وارتفاع، أما الامتداد فندركه حسيًّا لأن صفاته موجودة لكي تتوافق مع الحواس. يمكننا أن نشبه الجوهر بالإناء الذي ينطوي عليه الوجود ويعد بذلك غير مرئي أما الامتداد فهو ما يملأ ذلك الإناء من الأحوال التي تتغير حسب تغير الراصد له.

على النقيض من ذلك يأتي المذهب التجريبي، الذي لا يؤمن إلا بالحواس بوصفها الطريق الوحيد إلى المعرفة البشرية، أما المبادئ العقلية فهي غير موجودة على أرض الوقائع اليومية إنما يبديها العقل الإنساني وسيلة لتفسير تلك الوقائع. يعتمد التجريبيون على جمع الحقائق الحسية وملاحظتها ومحاولة الوصول إلى قانون يجعلها تتكرر على هذا المنوال وبالتالي إمكانية التنبؤ بوقوعها في المستقبل.

فأنا وعلى سبيل المثال عندما أرى المنضدة تتحرك عندما يدفعها شخص ما، يأتي إليَّ أولًا أن هناك شخصًا يسلط قوة على المنضدة باتجاه ما، ومن ثم منضدة تتحرك باتجاه القوة الدافعة المسلطة عليها نفسها، ولا أرى فيما أرى أي سببية أو علة على سبيل المثال، إنما أفرضها في عقلي محاولة لتفسير الحركة الحاصلة بدون أي صلة واقعية لها. والسببية إذن هي شأنها شأن بقية المدركات العقلية يفرضها العقل تعسفيًّا على الأشياء المطردة والمتوالية ليفسر سبب وقوعها ويصل إلى اللذة المعرفية الناتجة من تنبؤ حصول الأحداث مستقبلًا. ولكي نُفسر الأحداث تجريبيًّا يجب أولًا وكما قلنا أن نلاحظ حالات حسية مختلفة ضمن ظروف وأزمنة وأمكنة مختلفة لِنرى أي شيء يجمع فيما بينها، ونحاول تطبيقه على حالات أخرى وبالتالي نصل إلى القوانين التي تجعل تلك الأشياء تسلك كما تسلك. تُدعى هذه الطريقة بالاستقراء وبرزت أهميتها العلمية على يد الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون الذي اعتمد على التجربة والبرهان سبيلًا للمعرفة وراح أبعد من ذلك وبدأ يسطر في كتاباته أوهام العقل التي يمليها علينا عند الحكم على الأشياء. والاستقراء هو نقيض للقياس الذي يعتمد عليه العقليون من خلال وضع المقدمات العقلية أولًا ومن ثم الحصول على نتائج من هذه المقدمات، فالنتيجة للمقدمة الكبرى: الإنسان حيوان ناطق، والمقدمة الصغرى: سقراط إنسان هي أن سقراط حيوان ناطق.

بعد هذا العرض للآراء الفلسفية المختلفة عن المعرفة الإنسانية، والحق أقول إنه لو أردنا معرفة أي حقيقة عن هذا العالم فيجب أولًا وقبل كل شيء أن نثبت أسسنا الأنطولوجية، إذ قبل أن نجزم بحقيقة الفرضية الأبستمولوجية يجب على الفلسفة أولًا أن تنظر إلى الأنطولوجيا، وبتحديد أكثر بدلًا من دراسة حقائق المنضدة العلمية يجب أولًا أن نناقش المنضدة من ناحية وجودية أو هل توجد أي منضدة حقًّا في هذا العالم.

إن أي مفاهيم عقلية مثل الجوهر والعلة لم يتم البت بصحتها لحد الآن وهي ما تزال تسبب الخلاف منذ قرون عديدة، وفي الحقيقة لو وجدنا أي دليل ملموس على مفاهيم مثل الجوهر والعلة والمفهوم والتجريد، أقول لو وجدنا أن هذه المفاهيم لها من الوجود كما للوجود والتأثير الذي نلحظه للأشياء الملموسة حق علينا عندها أن ننتقل إلى الأبستمولوجيا ونقول إن المعرفة الإنسانية لا نهائية وأنها لا حدود لها؛ إذ بمعرفة الجواهر تُعرف كل الحقائق ولا حاجة بعدها لملاحظة حقائق حسية وأحوال وممارسة الاستقراء لاستنباط القوانين لقد قال سبينوزا بجهد مماثل إن قوانين الدائرة تشكل جوهرها.

أما الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم فقد تحدى الفلاسفة على إيجاد أي دليل على وجود مفاهيم مثل العِلة والمعنى والتجريد، فحسب هيوم كل قضية لا وجود لها لا يمكن البرهان على صدقها أو كذبها. بل ذهب أبعد من ذلك فيما يخص النفس البشرية وسايكولوجيتها، فيقول إنه لا وجود للأنا أو الهوية الشخصية عند الفرد، بل هي عبارة عن سلسلة من المدركات الحسية، فالهوية الشخصية عبارة عن مجمل انطباعاتنا الأولية، وإدراكاتنا ورأي الآخرين فينا، وهناك أشياء تكون مكتسبة من العادة تسهم في تكوين الهوية مثل مسائل الاعتقاد والإيمان، ومجموعة التجارب التي تبقى مطبوعة في الذهن، وبناء عليه تتوالد الأفكار التي تحكم سلوكنا، ونظرتنا إلى الأشياء والعالم من حولنا.

أما إذا لم تتمكن الفلسفة من إرساء أي مبادئ عقلية فلا بد والحالة هذه أن نقر بأن معرفتنا مقتصرة ومحدودة بحدود حواس الإنسان وتسهيلات التجربة، ولا يمكن إطلاقًا البت بقضايا القوانين المجردة أو إمكانية الوصول لحقائق مطلقة، إذ إن العلل لا تتعدى اطراد الحقائق في الطبيعة، والجواهر غير مدركة حسيًّا إذ لا سبيل والحالة هذه إلا الاعتماد على الأحوال المختلفة والمتناقضة بعض الأحيان للموجودات بوصفها تمثل وجودها الحقيقي ومن خلال ملاحظة هذه الصفات يمكننا استقراء قوانين تتنبأ بظهورها في المستقبل وتفسر حدوثها في الماضي. ولكن مع ذلك لا تعد هذه القوانين حتمية فإننا لا نستطيع ملاحظة كل الظواهر في الكون وسيظل الاستقراء ناقصًا ما دام الكون في توسع على حساب العدم ولا يوجد أي قانون يجبر شيئًا ما على أن يسلك سلوكًا معينًا تحت ظروفٍ معينة.

وسنكرر لمرة أخيرة – مع أن التكرار هو الآخر مدرك عقلي لا حسي – أنه لكي ندرس القوانين التي تحكم أي طاولة فينبغي أولًا أن نتأكد ونتحقق فيما إذا كانت توجد أي طاولة بمعناها المجرد ذات جوهر ما ينطوي على صفات تتغير بتغير الأحوال في هذا الكون. عندها وفي هذه الحالة فقط يمكننا الانتقال للبت في حدود المعرفة الإنسانية وإمكانية تحصيل الإنسان المتناهي الممتد معرفة لا نهائية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد