صراعان كلاهما مر

تبدأ حياة الإنسان في النهاية منذ ولادته، وأثناء طريقه إلى نهايته المحتومة يلقى نفسه يصارع من أجل إحدى النجاحات الممكنة في هذه الحياة وهما، إما النجاح في الحياة العملية وبناء المكانة المهنية للشخص، وإما النجاح في الحياة الشخصية والتعاملات مع المجتمع القاسي والوصول إلى الغاية الصعبة وهى السعادة المطلقة «وهذا مستحيل بالطبع».

سواء تفكرت في الأمر أم لم تتفكر؛ فالحياة بتلقائيتها تدفعك إلى خوض الصراعين، وتجد أنك نفسك داخل ساحة المعركة دون أن تعد العدة لها، ولكن هكذا هو الأمر في الحياة، لقد ولدت فيها مجبرًا على الاختيار مما أتيح لك من الاختيارات.

عودة إلى الموضوع الرئيسي لهذا المقال، وهو أيضًا الموضوع الرئيسي لحياة المرء، وهو الاختيار ما بين النجاح المادي أم النجاح المعنوي، ففي هذا الصراع توجد مشكلة توقف المرء أثناء صراعه، وهي أن كلا النجاحين لا غنى عنهما للمرء، فجميع البشر يريدون السعادة المطلقة وأن يكونوا الأفضل على الإطلاق وعلى مستوى التاريخ، وأن يتحاكى عنهم الناس في مجال عملهم، ولكن هذا بالطبع غير ممكن، ونضرب في النجاحين أمثلة أولها «الرسول محمد» – صلى الله عليه وسلم- وقد أدى مهمته على أكمل وجه، ولكن هو أيضًا القائل لأصحابه: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا»، وهذا خير برهان على أن من زاد علمه زاد همه.

أما المثال عن الشخص السعيد، فلم أجد شخصًا ناجحًا في حياته المهنية مطلعًا سعيدًا، وهذا هو مقصدي بأن المرء مجبر على أن يختار أن يكون ناجحًا في مسيرته العملية، ولكن في المقابل سيدفع ثمن نجاحه وعلمه ومعرفته بحقيقة الدنيا، وهذا الثمن هو أنه لن يجد السعادة إلا لحظات على مدار حياته الناجحة البائسة، أما الآخر فسيجد أنه لن يصبح إلا نكرة لن يتذكره إلا دائرته الصغيرة من معارفه غير مهاب وضعيف، ولكن سيحظى بقدر أوفر من السعادة عن الشخص الآخر.

تمضي الحياة ويبقى هذان الخياران هما فقط المتاحان لمن يريد النجاح، فهناك أشخاص ولدوا وماتوا ولم يصارعوا من أجل أية نجاح، وإنما فقط من أجل البقاء منتظرين الزائر المحتوم معلنًا لهم انتهاء معاناتهم أو بداية معاناة أخرى لست متأكدًا بحقيقة ما سينتهى إليه الأمر في بداية حياة الإنسان بالعالم الآخر، ولكن كما ندرك سواء تفكرنا في الأمر أم لا، فنهاية الناجح والفاشل واحدة وهي الموت، ويبقى الصراع على الحياة مستمرًا ورغبة الإنسان في المكسب لا تموت، والكل يريد أن يفوز، حتى الزاهدين في الحياة زهدوا لينالوا في العالم المجهول ما لم يحصلوا عليه في عالمهم الأول، فالبشر خلقوا وبهم غريزة حب الامتلاك والشعور بالسعادة والعيش في الراحة طامحين موهومين بأنه بالنهاية سيأتي الخلاص من المعاناة التي يعيشها الخلق، متناسين بأن المعظم خاسر والقلة فائزة، ويبقى إعلان الفائز في يد من لا يموت.

هذه هي الحياة لا تعطى المرء كل ما يريد وستأخذ منك أكثر ما تعطيها، وعند اقتراب نهايتك ستشعر بأن كل ما اكتسبته من حياتك لا قيمة له، وبأن حياتك قصيرة مهما طالت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد