في البداية كانت تعليقات الساخرين من جدية وباء الكوليرا عبر ولايات الوطن تبدو جدًا مستفزة، كيف للناس أن تموت وتعيش وسط كل هذا الرعب، بينما هم في بقاعٍ أخرى آمنون ولا يعترفون ولا يظنون أن ماهو واقع هنا حقيقي.

في الحقيقة الأمر ليس بهذه السطحية، ولا متعلقًا بالوباء ذاته، ولم تكن هذه المرة الأولى، في كل منشور رسمي، أو خبر وطني، متعلق بقضية سياسية كانت، أو إدارية، أو حتى اقتصادية، من بعيد أو من قريب، حالة غريبة من اللامبالاة، كل شيء قابل للسخرية، والتحول لنكتة تتداول على السوشيال ميديا، سيكون الأمر حتمًا مرتبطًا بالقوى الخارجية، وبالمؤامرة التي تحاك في الخفاء، ضد الشعب، أو هكذا يظنه الشعب.

هنا حيث ما عاد بالإمكان تصديق أيّ شيء تصدره قنوات الإعلام المحلية، ولا أي تصريح وزاري أو هيئة حكومية، أو أي جهة رسميّة كانت، بعد سنوات الظلم والوعود الكاذبة، بين الشرعية وفقدان الشرعية، عن خيار الشعب والخيار الأنسب، عن الإرهاب وأصله، وكل تلك الأسئلة التي بقيت دون أجوبة، لتلك القضايا الكبرى ربما، والقضايا التي لا نعلم عنها شيئًا، كانت كفيلةً لهدم كلّ تلك الثقة بكل الجهات.

هنا حيث يتم تضليلنا وحشونا كل مرة بقضية جديدة لشغل الرأي العام خاصةً إذا زامن الأمر وضعًا سياسيًّا ما، ففي كل مرة تبرز فيها قضية ما نتهمها ونزوّرها، منتظرين أن تظهر الحقيقيّة المخفيّة بين السطور والمواقع، والنشرات الإخبارية، والشريط السفلي للقنوات الرسمية، لعلنا نكتشف السر وراء الأزمة، سواء كان من أجل الانتخابات، أو لتمرير قرارات ما، او أيًّا ما كان في كل مرّة، سنرمي التهمة على القوى الخارجية مجدّدا والمصادر المجهولة!

هنا حيث في كل مرة تعلو أصابع الاتهام وتوجه مباشرة إلى الدّولة، وهي تمثل من يملك زمام الأمور وممثلي النظام بالعامية، أو (همَّا) هم، لم نتكبّد يومًا عناء توسيع دائرة الاتهام لتشملنا، لا من قريب ولا من بعيد، لم نتهم ولو مرة أنفسنا، (حنا)، أي نحن، لم نتساءل ولو لمرة ما موقعنا من كل هذا؟ هل كان لنا دور؟ هل يمكن أن يكون لنا دور؟ هل يمكن أن نكون قد ساهمنا في الداء؟ هل يمكن أن نساهم في الدواء؟

هنا حيث لا نجيد سوى انتقاد كل شيء، لا لشيء محدّد، بل الانتقاد من أجل الانتقاد، الجميع يشتم الجميع، والجميع ضد الجميع، ماذا عنك؟ ماذا عني؟ ماذا عنا؟ في كل مرة نبرئ أنفسنا من كل قضيّة، ونجيد التهرب والتماس الأعذار لأنفسنا بامتياز، ونثبت كل مرة براعتنا في لعب دور الضحية بلا منازع!

إذا كانت الدولة قد دبرت الأمر كما نزعم، فما بال شارعك وقد غزته النفايات؟ ما بالها الروائح الكريهة في كل مكان، ما بال هذه المناظر التي تعافها العين؟ ما كل هذه القذارة في كلّ مكان؟ ما بالك تسير في الشارع وترمي لبانك وعلبة عصيرك الفارغة؟ سيجارتك وكوب قهوتك؟

حسنًا، كل شيء مدبر، بالضّبط تمامًا، ما به سعر قارورة الماء ارتفع بين ليلة وضحاها، هل كان ضمن مخططات الدّولة، أليس واحدًا منا، فردًا من بينِنا، ابن هذا الوطن، ألم يكن من المفترض أن نجير بعضنا في مصيبتنا، ونحاول النجاة وسط كل هذا، بينما يحدث العكس تمامًا، يستغل بعضنا ضعفَ بعضنا لتزيد أرباحه، هل بلغت الحقارة أسمى معانيها في موضع غير هذا؟

هنا حيث لا حديث يخلو من شبح العهدة الخامسة، وعن طغاتنا وظلامنا، عن لصوص بترولنا وأحلامنا، عن عيشنا البائش، عن عمق جرحنا، 20 سنة مرّت، هل ستختلف خمسٌ أخرى؟ وكنا قد قبلنا بالرّابعة، فما نحن إلا نحصد ما جنينا، هل سنبقى على الأطلال نبكي حالنا!

أليس من الأجدر بنا أن نكف عن انتظار الحلول الجهازة والسحرية كي تنقلنا لجزائر أكثر إشراقًا؟ أليس بمقدورنا أن نقف لنحقق هذا الحلم ونساهم في بنائه بدلًا عن ذلك؟ أما حان الوقت لنتوقف عن لوم الجميع، وتحمّل بعض المسؤولية مما يحدث، فنحن شركاء شئنا أم بينا، فنحمل ذات الجنسية: الجزائرية؟

يبدو الأمر بعيدًا جدًّا، لكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، وتأتي باقي الخطوات تباعًا، إذا عمل كل فرد على أن يغيّر نفسه للأفضل، بما يليق بالجزائر التي يريدها، لا الموجودة، وزرع ذلك في محيطه ابتداءًا بإخوته، جيرانه، زملائه، أصدقائه، حتمًا سيتغيّر الكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد