يحتفي العالم باليوم العالمي للشباب الذي يُصادف 12 من أغسطس (آب) من كل عام (*)، لنتذكر ما تحقق وما لم يتحقق في مسيرة الشباب للحصول على حقوقهم في التعليم، والصحة، والاقتصاد، والسياسة، واتخاذ القرارات، والحياة العامة.

إن الشباب العربي يواجه الكثير من التحديات والصعوبات التي قد تكون ضمن وقائع الحياة السياسية والعامة. إن ذلك الواقع لا يُمكن له أن يُشكل واقعًا اجتماعيًا أو ثقافيًا دون أن يكون هناك ضرورة مُلحة لفهم أبعاد هذا الواقع، وما ينجم عنها من آفاق مستقبلية سواء كانت آفاقًا معرفية أو حتى آفاقًا فكرية، لكنها حتما ستعبر عن لحظة تاريخية معلومة، لتجعل من تلك الآفاق من أهم المداخل التي يمكن أن تبين مشروعية الخطاب الفكري الموجهة للشباب، وتجعله في صدارة مدارات الاهتمام، وتستقطب من خلاله آليات مواجهة ذلك الواقع ضمن سياق / سباق رهاني واضح، بحيث تعمل على إزالة الملابسات الشائكة التي أضحت تلازم الواقع الحضاري العربي اليوم، والتي قد تنبئ بأن الجهود الرسمية وغير الرسمية لم تعد قادرة على لم الشتات الذهني لدى الشباب العربي في برامج تلبي تطلعاتهم وممارساتهم، كون الصورة الذهنية لديهم حول النشاط التخطيطي للمستقبل – لدى برامج فئات المجتمع المختلفة – غير مطابقة للقاعدة المجتمعية المنوطة بها وضع الأفكار والنماذج الذهنية المأمولة أو الملائمة لتوجهات الشباب في إطار منظومة فكرية وقيمية واضحة ومحددة.

ومن هنا، نجد أن تلك المنظومة القيمية والفكرية في حالة تعارض واضحة بين نسق فكري يستهدف حجب الواقع، وبالتالي، يصعب التكهن بمالاته لتناقضات تقدير وتحليل مدخلاته من ناحية، ومن ناحية أخرى، تتجه تلك الحالة إلى دراسة الظروف الموضوعية التي أدت إلى ذلك التعارض، ومن الممكن أن يكون من أسبابها وتداعياتها التأكد من موقع عُقدة التناقضات».

هل هي في مستوى العلاقات الانتاجية أم في مستوى القيم الجماعية؟!

ولذلك نجد أن الواقع العربي جعل من البرامج الموجهة للشباب أداة لتفسير الأهداف المعلنة من تلك البرامج، وإيضاح الشعارات التي تنادي بها، وبالتالي، أمكن لذلك الواقع من أن يفرز المستوى الأيديولوجي المناسب لكون الواقع ذاته جعله مركز التناقضات العامة.

في تركيا، في الجامع يُرفَع العلم التركي، ويُخَطب عن «الجيش المحمّدي» الذي انتصر في عفرين. ونحن عرب! أما في اليمن، فقد خطَبَ السيد/ عبدالملك الحوثي عن الجمعة الإيمانية «جمعة رجب»، جمعة دخول اليمنيين إلى الإسلام.

إن جميع المساجد تمول من قبل دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ويُمنع على أي مسيحي إقامة كنيسة في جزيرة العرب استنادًا إلى حديث الرسول: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب». المفارقة الغريبة أن معظم الجوامع التي تقام في أوروبا وكل دول الغرب، معظمها ترفع علم المملكة العربية السعودية!

يُروى عن الإمام الشافعي قوله: «ولا يُحدِثوا في أمصار المسلمين كنيسةً، ولا مجتمعًا لصلواتهم».وعن الإمامُ أحمد قوله: «ليس لليهود ولا للنصارى أن يُحدِثوا في بلاد المسلمين، بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيها بناقوس».

وهكذا ،فإن إدارة مسألة الهوية، مسألة معقدة، جذورها تاريخية، وتحقيق الانسجام بين هويتين وثقافتين، تحدث عن صعوبتها كبار المثقفين، أمثال إدوارد سعيد وأمين المعلوف، وبدورهما خاضا صراعًا طويلا ً في فهم وتعريف الهوية وتعددها، ومناقشة فكرة الانتماء، ولكن هذا الصراع كان ضمن جذور معرفية وثقافة أثمرت حضورها بعيدًا عن المذهبية والطائفية، كون كلٍ منهما تشغلهُ القضايا الإنسانية الكبرى. ومن هنا كان ويكون مبدأ الحوار الخلاق في فهم الهوية وتعدّدها ومشاكلها.

لذلك، فالعلمانويّة، كما مَفْهمتها صبا محمود في كتاباتها المتعددة، ليست حياديّة الدّولة عن مسائل الدين، إنّما بالأحرى هي انخراط الدولة أكثر فأكثر في تنظيم المسألة الدينيّة. إنّ تنظيم الدين، وضبْطه بالمعنى الفوكويّ، أي إحكام ممارسته (الصحيحة وغير الصحيحة) وإقرار مَن يمثّله (المؤسّسة الرسميّة) وتمظهراته السوسيو-سياسيّة (في المجتمع والأسرة والعلاقات)، هو شأن الدّولة في واقع الأمر، وليست الدّولة بمعزل عن الطائفيّة لأنّها هي التي تنظّم الدين بما يسمح والتوافق مع «حاكميّتها» (وهو مفهوم فوكويّ أيضًا ).

وتأسيسًا على، ذلك المدخل الفكري حول «واقع الشباب العربي والمؤسسات التربوية والاجتماعية»، حيث يبدو من خلاله بأن هنالك تخبطًا فكريًا على مستوى صانعي القرار السياسي أو على مستوى المفكرين والمثقفين ناجمًا عن تأثير كل ما نتج عن كل من البناءين الديناميكيين، المحلي والدولي، والتي أوجدت تمايزًا جذريًا على مستوى الفهم للمواقف المتخذة، وأدت إلى «الفجوة المعرفية ؛ إعلاء شأن المثقف المهاجر واللاجئ على حساب الثقافة الوطنية». فإن أبرز ما يُمكن أن نشير إليه، هو أن الواقع قد يكون انعكاسًا للبنية الاجتماعية والثقافية التي أوجدت قيمًا جديدة، لكنها قد تبدو مستنسخة من نماذج غلب عليها المحاكاة الاجتماعية والمقاربات الثقافية، وذلك ما قد يترتب عليه ما يُسمى «الانسلاخ عن الذات»، التي تفقد الشباب الهدف الحقيقي من ما يتطلعون إليه، خاصة وأن كان هنالك نوع من التواكل في تقدير المواقف التي قد تتطلب المواجهة أو تلك التي تتضمن التجاهل الأمثل خشية الوقوع في شرك الجدل العبثي حول أبرز مخرجاتها، وإذا مكان المحيط الاجتماعي يُكرس لثقافة الهروب من الواقع، وإزاحته إلى قضايا أخرى قد تكون عديمة الجدوى، لكنها قد تكون عبارة عن نوع من «المسايرة الاجتماعية».

وهكذا فإن الشباب العربي اليوم وخاصة بعد ثورات الربيع العربي التي بدأت على شكل احتجاجات شعبية ومطالب حقوقية منذ العام 2010، قد أوجدت مسافة معينة بين تطلعات الشعوب، وبين مقدرات الأمة وإرثها الحضاري. فلم يعد بإمكان أولئك الشباب الذين خرجوا لساحات التغيير بمعزل عن ما حققوه على الأرض أو على الواقع، وأصبحت تلك المسافة الأنموذج الذهني الذي أوجد ما يُسمى «فوبيا إسقاط النظام» لدى الشعوب والحكومات على حدٍ سواء، وباختلاف درجة الوعي لدى الدول المعنية، وآليات تعاملها مع تلك الصورة الذهنية، والتي قد تعبر مجازًا عن نوع من التعاضد الفكري أو التوق للحرية والديمقراطية، لكنها قد تكرس لنوع آخر من «الأيديولوجيا السياسية» ماثلة في الاستلاب الفكري والثقافي، الذي يعبر عن حالة الصيرورة المتجددة لدى النظام القائم أو المأمول، إذا ما تم ربط ومقارنة أحداث الماضي بالمستقبل من خلال «النموذج الذهني» المناسب بحيث يتم الموائمة بين التطلعات المشروعة وبين الأمنيات المرجوة.

وبعد دراسة ذلك الواقع «واقع الشباب العربي في المرحلة الراهنة»، يُمكن أن نحدد التحديات التي تواجههم في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية ،وإكسابها فاعلية أكبر ضمن الأوضاع الدولية الديناميكية المحيطة، والتي قد تتطلب تحديد الاتجاه الفكري المناسب، والذي من المأمول أن يكون للشباب دور هام  في إثراء هذا الواقع والتعامل معه بحسب مقتضيات المراحل، في إطار السمات المشتركة المحددة لطبيعة المرحلة التي تشهدها المنطقة العربية خاصة، ودول الشرق الأوسط على وجه العموم ؛ والتي قد تُمثل مصدرًا للإحساس بضرورة التعامل مع مفاهيم السيادة الإقليمية والحدود والمواطنة والدولة القومية، ومنها النتائج المترتبة على العلاقة بين الهوية أو الهويات وإنشاء نظام الدولة من حيث الآتي:

-تمركز قوة الدولة للتغلب على المقاومة الداخلية.

– استقلالية قوة الدولة والسيادة لإعادة تحديد التقاليد ومقاومة الهيمنة الخارجية.

– توسيع الجماعة السياسية من خلال الإصلاح الدستوري، وتمديد / تحديد حق الاقتراع.

– تطور رموز القومية: الأعلام والأناشيد واللغات الأجنبية.

– تفعيل الدولة لتجاوز الوظيفة العسكرية إلى مجالات التنظيم اليومي.

وفي إطار هذه السياقات المفاهيمية، يتجلى تأثير إشكالية «النازحين واللاجئين والمهاجرين» التي تتمثل في كيفية تبني مشروع يهدف لوضع المعالجات اللازمة لحل هذه الإشكالية في ظل البنية القانونية والمساعدات الانسانية. فكما أشار، بيان من الرابطة العالمية للفتيات الكشافة والفتيات الكشفية والحركة الكشفية الأوروبية حول حقوق الإنسان للتبرعات، جنيف وبروكسل، 20 يونيو (حزيران) 2018 بإنه يجب على المؤسسات الأوروبية أن تحرك تركيز سياسات الهجرة من «إغلاق أوروبا» إلى «دمج أوروبا».

وتتضح هذه الإشكالية بأبعادها الكامنة حول من يتحمل مسؤولية إدارة ذلك المشروع ما بين المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية كالمفوضية السامية للاجئين، والمنظمات الدولية الأخرى، لكنها قد تُمثل «البعد المهمل» لذلك المشروع، والذي يكمن في طبيعة العلاقات الأمريكية الروسية، والذي تبدت ملامحه من خلال المزاعم الامريكية بالتدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، والتصعيد ضد روسيا قد يأتي في إطار إدارة ملف «النازحين والمهاجرين واللاجئين»، الذي قد يُشكل تحديا أوروبيًا يتقاطع مع الدوائر المعرفية للعلاقات الروسية البريطانية في الشرق الوسط، والتي نجم عنها «المناورات الدبلوماسية المثيرة لمساعدة إيران في التهرب من العقوبات الاقتصادية»، في إطار جدلية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومحاولات تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي، فضلا عن محاولات اليمن الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي في سياقات ما يُسمى بـ«التحالف العربي» في اليمن!

وفي هذا الصدد، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي: «نحن أمام نقطة تحول فاصلة، إذ يتطلب النجاح في إدارة النزوح القسري على مستوى العالم اعتماد نهج جديد وأكثر شمولية، من أجل عدم ترك البلدان والمجتمعات تتعامل مع هذا بمفردها».

وقال: «عشية يوم اللاجئ العالمي، فإنني أوجه رسالة للدول الأعضاء أرجوهم فيها لتقديم الدعم. لا أحد يصبح لاجئًا باختياره؛ ولكننا نملك الخيار حول كيفية تقديم المساعدة».

وجميع ما سبق، قد يتطلب «فهم فلسفي جديد» في ظل عودة للقومية في شكل إعادة إثبات الهوية المحلية في وجه العمليات المعولِمة.

(*) تبنت الجمعيــــة العــــــــــامــة، فـــــــي (قرارهـــا 54/120) المؤرخ 17 ديسمبر (كانـــون الأول) 1999، توصية قدمهـــا المؤتمر العالمي للوزراء المسؤولين عن الشبــــاب (لشبونة، في الفترة من 8 إلى 12 أغسطس 1998) والتي أعلن بموجبـهــــــا عن الاحتفـــــاء بيــوم 12 أغسطــس مــــــــن كــــــل عـــــام بوصفه يوم الشباب الدولــــي.

*للتأمل : آدم سميث «دعه يعمل.. دعه يمر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد