اليوم بعدما صارت الهواتف لصيقة بنا وكأنها يدنا أو عضو من أعضائنا، فصار موعد نومنا هو عندما تنفد بطارية الهاتف، وأما عند استيقاظنا متأخرًا بعد سهرنا طوال الليل على الإنترنت، فيكون أول شيء نفعله قبل غسل وجوهنا أو النهوض من على سريرنا هو التأكد من أن بطارية الهاتف قد شحنت مائة بالمائة.

عوضًا عن أن تكون التكنولوجيا نعمة صارت نقمة، فقد صار الحصول على المعلومات أسهل من أي وقت مضى؛ نقرة واحدة على جوجل تأخذك لما تريد لكن لم يعد أحد يبحث عن المعلومات – اللهم إلا الطلبة وغيرهم ممن يحتاجونها لتأدية فروض أو أبحاث، وإلا من رحم ربي من محبي المعرفة القلائل – صار تحميل أي كتاب متوفرًا لكن لم يعد أحد يقرأ فمواقع التواصل شغلتنا، وفي أوج هذا التطور صرنا قليلي المعرفة حتى صارت هواتفنا أذكى منا.

الأحرى بنا الآن أن نقول إن الهواتف ضيعت أوقاتنا وما حياة المرء إلا بضع ساعات تدق فيها العقارب لتنبهه إلى أن الوقت الذي يمضي لن يعود، ووقت المرء هو رأس ماله لو فقده ضاع، الصدمة أن مستخدمي الإنترنت يقضون عشرين دقيقة من بين كل ساعة في يومهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ أي حوالي خمسة وعشرين عامًا من حياتهم على الهاتف إن ماتوا وهم في الخامسة والسبعين، ألم يكن الأحرى بنا أن نستعمل هذه الأوقات في ما يفيدنا، وهكذا صارت مواقع التواصل الاجتماعي أفضل مكان لإضاعة الوقت. نحن نستيقظ ونذهب للعمل أو المدرسة والهاتف في يدنا ونمشي في الشارع ونحن نحدق بالهاتف غير آبهين بأي سيارة تمر حتى إن معظمنا – إن لم يكن كلنا – أكيد في يوم ما اصطدم أو تعثر بشيء وهو على هذه الحالة؛ حتى إن البعض صار يأكل وهو ممسك بالهاتف وإن 32% من مستخدمي الإنترنت يفعلون ذلك.
وبذلك أصبحت شاشة الهاتف زنزانتنا التي حبسنا أنفسنا فيها سامحين لها بحرق عيوننا ببطء وتقويس ظهورنا وإتلاف خلايا عقولنا.

واختصرنا مشاعرنا في «إيموشن» واختفى صوت ضحكاتنا وقت اجتماعنا ليحل محلها ذاك الوجه الضاحك، واختزلنا مشاعر حبنا في قلب واختفى نبض قلوبنا.

واختزلنا أبوتنا في مشاركة أو تعليق، وأمومتنا في فيديو أو صورة وقل اهتمامنا بأبنائنا وصاروا هم أيضًا منعزلين عنا حتى صاروا هم الآخرون عاكفين على أجهزتهم وقد ارتفعت نسبة الذين لا يقضون وقتًا مع عائلاتهم من 8% عام 2000 إلى 34% عام 2016.

حتى الأطفال لم يعودوا يلعبون كالسابق في الحديقة مع أطفال مثلهم، وإنما غطى الغبار الألعاب وعلاها الصدأ، ولم نعد نسمع صوت صرخاتهم المليئة بالبراءة إنما صاروا منعزلين في منازلهم في غرفهم يلعبون ألعاب الفيديو ويشاهدون اليوتيوب وطفولتهم تسرق منهم.

نذهب للتنزه مع الأصدقاء لا لنستمتع وإنما لنلتقط عشرات صور «السيلفي» لنحظى بتعليق من هذا ومن ذاك.
ونذهب للمطعم لا لنأكل وإنما لنصور الطعام ألف مرة ومرة ثم نأكله ونحن مشغولون بهواتفنا دون أن نشعر بمذاق الطعام.

وبذلك صرنا نهتم بتصوير وتسجيل كل لحظة دون أن نستمتع بها أو نتذكر كيف كانت، نحن لم يعد متبقيًا لنا أي ذكرى إلا تلك الصور التي نمسحها عند عدم توافر مساحة كافية على الهاتف.

فعلاقاتنا الاجتماعية صارت «فيسبوك» وصداقاتنا صارت «إنستجرام» وروابطنا العائلية صارت رسالة «واتساب»، واجتماعاتنا صارت اجتماع أجساد فقط دون تواجد الأرواح، نجلس معًا وكل واحد فينا مشغول بهاتفه ونحن في واد وهو في واحد آخر وبذلك عوضًا عن أن تسهل التكنولوجيا تواصلنا شغلتنا عن التواصل.

ولكن الذنب ليس ذنب التكنولوجيا وكل ذلك ليس بسبب الإنترنت بل بالعكس إن لها فوائدَ كثيرة منها مثلًا: مقدرتنا هنا على إيصال هذه الأفكار لكم.
وبالطبع الهاتف ليس هو الجاني وإنما نحن من سمحنا له بأن يأسرنا ويلهينا.

لنجرب أن نخرج من دون الهاتف ولو لمرة واحدة؛ لنتحرر منه، لنضعه في حقائبنا ولنتركه فليست هذه نهاية العالم؛ وذلك حتى يتسنى لنا رؤية العالم بعيوننا لا بعدسته، لنتحدث للآخرين بوجوهنا لا برسائله ولنتواصل معًا على أرض الواقع لا على شاشة الهاتف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد