في هذا المقال تدور أحداث معينة لا شيء منها ثابت أو حتى في تسلسله الصحيح مع الجميع، لكنها حدثت على أي حال بالتسلسل الذي ستسرد به في السطور القادمة. وجب التنويه عن هذا طبعًا لأنني لا أُعمم هذه الأحداث أبدًا، لنبدأ.

بينما تهب الأفكار هبتها المعروفة على الكاتب، دائمًا يذهب مغلوبًا على أمره إلى أول «أي شيء» يأتي أمامه حتى يترك أفكاره تنساب عليه، عندما تأتي الأفكار من هنا أو هناك لا يجد هذا الكاتب المسكين مُتسعًا من الوقت حتى يحفظ منها ولو كلمة للحظة واحدة على حافة عقله لذا يلقيها إلقاءً على أول «أي شيء» يجده في الجوار!

في لحظاتِ انسياب الأفكار هذه يبدأ مشوار الكاتب دون أن يعلم أنه بدأ داخل عالم الكتابة الكبير الذي لا حدود له، حيث الأسرار والمعرفة والسكون والجنون، حيث يجد كل شيءٍ مسموحًا به هناك، ببساطةٍ مطلقة يبدأ الكاتب رحلته بفكرةٍ ما ليجد نفسه يكتب ويكتب دون توقف، من هنا تبدأ الرحلة.

ولأن هذا الزمان هو زمانُ السرعة في كل شيء دون أدنى مبالغة يتطور الكاتب ويعي سريعًا جدًا وأحيانًا يكون هذا أسرع مما ينبغي. أهمية سرعة هذا الزمان أنها أتاحت لكل كاتب أن يستعمل هاتفًا يُلقي فيه كل أفكاره المتناثرة في كل حدبٍ وصوب داخل دماغه، تلك الأفكار قد تأتي في عز نومةٍ هنيئة تجبرك على القيام إجبارًا ويمكن أن تأتي في وسط الامتحان تاركةً إياك على حافة الرسوب!

وهكذا يمكننا القول إن الكاتب يستعمل هاتفه رُبما أولًا لأنه غالبًا يكون أقرب «أي شيء» أمامه، والحقيقة هو بذلك يُعد خاسرًا أشد الخسارة لأنه لا يفقه شيئًا عن معنى أن يكتب كتابةً واسعة فعلًا، ثانيًا لأنه أسرع ويمكن أن يحفظ كل المكتوب، وثالثًا يمكن التصحيح من خلاله دون توليد أي مخلفات كتابة.

الاتفاق الوحيد المُبرمُ بيننا والذي سنضعه كقاعدةٍ هنا، هو عدم وجود حجة تمنع أي كاتب من ترك أفكاره تنساب أو بكلماتٍ أخرى لا يوجد حجج لتحجيم أفكاره، فبسهولةٍ واضحة الكاتب يكتب وهذا كل شيء.

في المرحلة التالية يستمر الكاتب في كتابته دون أن يمل منها لثانية، ثم يأتي من يُلقي إليه باقتراح الكتابة على الورق فيتجاهله تجاهلًا متعمدًا لأن الكتابة في الهاتف أسهل من دون شك، لكن الأيام تدور ليجد الكاتب نفسه يجرب الورق فيحبه ويدمنه، صوت القلم الرصاص إياه يحتك بالورقة والممحاة تنثر بقاياها هنا وهناك، هنا وهنا بالذات تبدأ الكتابة بشيءٍ من الخفة والخُبث في التحول إلى ما يقرب الهروين الخاص بالكاتب، يكتب ويكتب، حبًا وطمعًا في المزيد من الأفكار، جشعًا وجوعًا في الوصول لمزيد من خبايا روحه التي لم ير منها شيئًا سوى على تلك الأوراق السحرية!

ما يتبع لحظات وساعات وأيام إدمان الكتابة الأولية هي لحظات التجميع والعثور على المعلومات أو «الماتيريال» كما يطلق عليها أحد الزملاء، حيث تتطور الكتابة من مجرد بداية على هاتف إلى إدمان على ورق ومن ثَم نصوصٌ طويلة لا يسعك كتابتها على ورق أبدًا لأنك كسول ولا يُسعفك هاتفك لأن ذاكرته تقريبًا هواء فتذهب إلى ذاك الحاسوب اللعين، مرة أخرى تتحرك دون أي إرادةٍ منك، ومن جديد أقول هنا وهنا بالذات ستجد الحاسوب أهم من حياتك تقريبًا، لأنه سيلازمك حتى القبر تكتب فيه كل شيء، تنساب أفكارك داخله وتطول كتاباتك حتى لتشعر أنها لن تنتهي أبدًا، وهي كذلك بالفعل.

الواقع يقول أن كُتاب الأزمنةِ السابقة استخدموا الورق ليكتبوا عليه، أو بكلماتٍ أخرى سلك الكُتاب قبلنا الطريق الصعبة للكتابة والتي تحمل كل المتعة صدقًا، لكن ولأن زماننا سريع لم يعد منا من يصبر على كتابة الورق تلك، فاتجهنا إلى الهواتف أو الحاسوبات والتي تُفقد الكتابة شيئًا كبيرًا من رُوحها، لكنها على أي حال أسرع بكثير.

أخيرًا نصل إلى هدف هذا المقال الذي يمكن لمن شاء أن يحبه ويمكن لمن شاء أن يكرهه، الهدف الواضح هو سرد حكاية كل كاتب أو كثير من الكُتاب في زماننا مع الهاتف والكراسة والحاسوب في رحلةٍ من الهاتف إلى الكراسة وصولًا إلى الحاسوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد