عندما تُطرح مسألة العقل، فإنَّ ذلك يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بتلك المحاولات المختلفة، من أجل إشباع شغف الإنسان لاقتحام المجهول؛ وبما أنَّ العقل الإنساني قد بدأ عبر التطوُّر السرمدي للحضارات وفق الصيغة التاريخية في الشرق مع المصريين، البابليين والصينيين فالهنود القدامى، فإنَّ هذا الذي يُصطلح عليه بالفكر الشرقي القديم، له مميزات ومواصفات خاصة به، ففي هذه البقعة من العالَم كان العقل في لحظاته الجنينية، بحيث أنّه بحث في الأخلاق التي جعلها الصينيون مصدر انسجام المجتمع، والهنود مصدر راحة نفسية، ولذة مسعدة للذات، والبابليون مصدر التنظيم التشريعي-السياسي، والمصريون مصدرًا لفهم ما يحيط بهم من قوى طبيعية، إضافة إلى هذا، فإنَّ العقل الشرقي القديم، قد قدَّم تفسيرات أسطورية يعتبرها البعض كمرحلة أولى لعقلنة ما يحيط بالإنسان، ممَّا جعل الأسطورة مصدرًا للإجابات، منبعًا للثقافات، وملجأ للمتدينين، لهذا فإنَّ الفرد الشرقي القديم قد سقط في محاولة الإجابة عن أسئلة مثل: ما علاقة الإنسان بجنسه؟ ومن أين أتى؟ وإلـى أين سيذهب؟ وما دوره في هذا الكون؟ وما مصدر الكون أصلاً؟

لربما ما يؤخذ على هذه المحاولة التفكيرية في الشرق القديم هو أنَّ الفكر قد حُصِر في موضوع الأخلاق بمنهج أسطوري، خلا في أغلب الأحيان من قواعد تنظم عملية التفكير، وجعل من بعض الأسلاف مثل كونفوشيوس وبوذا مفكرين بصيغة دينية، ممَّا أعطى شرعية لسيرهم الذاتية حتى غدت مبادئ وتعاليمًا وحِكَمًا عبر عمليتيْ: التجريد والتعميم، فالفعل الفلسفي كان حاضرًا خلال هذه الحقب، لكنه كان ضعيفًا، وتلفه العشوائية، مما جعل العقل الإنساني في الشرق القديم لا يبني أنساقًا فلسفية، لا يقنع وإنَّما يطالب الفرد بالإيمان.

أمَّا في المرحلة اليونانية القديمة، فإنَّ الأمر اختلف نوعًا ما، فانفصل الفكر من الكثرة إلى الجودة، بحيث ظهر هناك شاب يدعى طاليس، يفسِّر أصل الكون بالماء، وهو أوَّل تفسير بعيد عن الأسطورة، ويصبُّ في إطار إقناع الفرد عبر الحجج والبراهين، وبعد الحكيم طاليس تعاقبت المحاولات، فظهر مصطلح الفيلسوف على يد فيثاغورس وتعدَّدت مباحث التفكير، لتصبَّ في الطبيعة ونشأة الكون، وتمحورت في فترات أخرى حول الإنسان، كيفية تعليمه (مع سقراط وأتباعه)، ليظهر عِلم البيان، وسحر الخطابة مع السفسطائيين، ووضعت قواعد تنظِّم الإلقاء والتلقِّي مع أرسطو، وأخذت المناهج تتطوَّر بشكل تصاعدي، انطلاقًا من منهج أفلاطون الأخلاقي، منهج إقليدس الرياضي، ووصولاً إلى منهج الجمعية الفيثاغورية الصوفي، وبهذا انتقل العقل الإنساني إلى فترة العقل الإغريقي (الهيليني)، عامدًا إلى التخلي عن الأساطير كمصدر للتفسير، ومحاولاً تأسيس مجتمعات، وفق تصورات فلسفية، بالإضافة إلى أنَّه حاول تفسير الكون بالكون، والطبيعة بالطبيعة، كما حاول الاقتراب من الكمال عبر احترام الروابط الإنسانية، وقد استعمل في سبيل تحقيق كل هذا، عمليات تفكيرية واضحة: التجريد، التعميم، التناسق، الانسجام، تأسيس الأطر الفكرية والمذاهب الفلسفية وفق قواعد مشتركة كالبداهة، الحدس إضافة إلى البرهان والتدليل.

بعد المرحلة اليونانية، وخاصة مع فلسفات العصور الوسطى في أوروبا، انتقل هذا المد الفلسفي إلى العالَم العربي بعد ظهور الإسلام، في حوالي القرن السادس للميلاد، فبعد وفاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، أي بعد انقطاع الوحي عن الأرض، ظهرت فِرق تحاول أن تُؤقلِمَ الثابت (النص القرآني) مع المتغيِّر (الأحداث)، وعلى هذا الأساس، أخذ العقل البشري ديناميكية جديدة، اصطلح عليها بعلم الكلام، والذي نشأ في أرضية النص لأجل الدفاع عن الشريعة الإسلامية، وفق القواعد الفلسفية العقلية؛ وبما أنَّ حركة الترجمة وفَّرت فرص التعرُّف على الفلسفات اليونانية، فإنَّ كلَّ الشروط قد أصبحت متوفرة، فالنص حاضر، والأحداث تتعاقب، وأدوات الفكر المستوردة من بلاد الإغريق موجودة، وبهذه العوامل اشتغل علماء الكلام على محاولة معالجة السؤال الديني، ليتطوَّر إلى السؤال السياسي، فالسؤال الفكري المنظَّم عقليًا، لكنَّ المرجعية دائما بقيت في إطار القرآن الكريم وأحيانا تجاوزت ذلك نحو سيرة خير الأنبياء والمرسلين عليهم أعطر الصلوات وأبهى تسليم.

لهذا ولد العقل الإسلامي ولادة قسرية، بحيث أنَّه كان لزامًا عليه حلُّ إشكالية الوافد الجديد من الإغريق، إمَّا بأسلمته أو بأغرقة الإسلام، فتميَّز عقل المسلمين خلال هذه المرحلة بالبحث في الوجود (قضايا الكون، السياسة، الأخلاق والفكر) عبر ما هو موجود (النص القرآني)، وبواسطة العقلانية الإغريقية.

فقد كانت الانطلاقة واحدة بين علماء الكلام (النص)، لكن الطرق والأدوات اختلفت، فأدَّت إلى نتائج مختلفة، وبالتالي تشكَّلت الفِرقُ، الملل والنِّحل الفلسفية، لتعبُر بعد ذلك إلى إنجاب العباقرة وأقطاب إسلامية كابن رشد، الكندي، الفارابي والرازي وغيرهم.

وحسب أرنست رينان المستشرق الفرنسي، فإنَّ الفلسفة الإسلامية الخالصة هي تلك التي دارت بين المقدَّس الغيبي، والحاصل الواقعي، ذاك الذي يُصطلح عليه بعِلم الأصول أو أصول الفقه، والذي عرف بعِلم الكلام، فالمتكلمون كانوا يحاولون البث في النص القرآني عبر البحث في المتشابه من آياته، وبالتالي هذا يعني أنَّ الأصل واحد، وبتعبير الفلاسفة: الكل هو بديهي وواضح، أي أنَّ الحلال بيِّن والحرام بيِّنٌ، وما الاختلاف سوى في «غير الثابت» بقول الفلاسفة أو الجزئي كما عبَّر عنه الفقهاء، فيكمن التعارض في الفروع، وعلى هذا الأساس استوجب تحصين الشريعة بواسطة العقل البرهاني من أجل ضبط المتحرِّك من النصوص القرآنية على حسب العصور والتقلبات الحاصلة، فكانت نشأة علم أصول الفقه الذي اتخذ من القياس الأرسطي لغة إجرائية للتعبير عن الفروع، واتخذ المنهج الأفلاطوني الأخلاقي للتعبير عن الأصول.

الفلسفة ليست ملكية خاصة لأحد، لأننا عندما نقرأ تاريخ العقول البشرية، نجد أننا نقع في إشكالية آلية الانتقال من عقل لآخر؛ ومن هذه الزاوية يمكننا القول إنَّ لكلِّ حقبة ميزاتها وخصائصها التي أسست لاختلاف بين التصاعدية أو القطبية التي لم يتم الفصل فيها حتى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد