إن التقدم الهائل الذي عرفته العلوم فتح الباب على مصراعيه للبشرية من أجل التقدم والتطور والازدهار، فمن خلال معرفتنا لعلم الإحياء تمكنا من إدراك تركيبتنا البشرية، وفهم طريقة عملها كما أننا تعرفنا إلى أصغر الكائنات الحية مثل الميكروبات والبكتيريا، ومن خلال إدراكنا لعلم الكيمياء تمكنا من تطوير معدل الأعمار، وذلك من خلال صنعنا لمجموعة من الأدوية الكيميائية، والأمر نفسه بالنسبة للعلوم الأخرى.

لكن عزيزي القارئ، فإن تطور هذه العلوم وازدهارها كان مرتبطًا بشكل قوي بعلم آخر، يمكن عده اللبنة الأساسية لتقدم العلوم الأخرى بصفة خاصة، والبشرية بصفة عامة، إنه علم الفيزياء، أو كما يصطلح عليه «علم الطبيعة» (دورها تقديم تفاسير لظواهر الطبيعية الملاحظة).

إن تطور هذا العلم ساهم مساهمة كبيرة وفعالة في تطور أغلب العلوم التي نعرفها الآن؛ فعلى سبيل المثال تطوير وفهم مبادئ «الديناميكا الحرارية» أدى إلى فهم الخواص الحرارية، وبالتالي اختراع مجموعة من الآلات وتطويرها. وكذلك تطوير علم الكهرباء على يد علماء بحجم «توماس إديسون»، «ماكسويل»، «أمبير» وغيرهم، أدى إلى استعماله في الإنارة وظهور أجهزة كهربائية كالتلفاز والهاتف. أما تقدم علم البصريات وفيزياء الليزر والإشعاع فساهم كثيرًا بتطوير المجال الطبي (مثال: استعمال أشعة إكس للفحص، وكذلك معالجة الأورام باستعمال الليزر…)، وكذلك ساهم كثيرًا في الدفع بعلم الأحياء للتطور، وذلك من خلال اختراع وظهور المجهر الضوئي والإلكتروني، زيادة على ظهور أجهزة التصوير والعرض. أما فهمنا لتأثير الكهروضوئي ساهم كثيرًا في نقل الصور عبر الأسلاك، وحسن من الخدمات السلكية واللاسلكية، وكذلك طور مجال الإلكترونيات، بالإضافة إلى أن صياغة نيوتن لقوانينه الثلاثة المشهورة وقانون الجذب العام، مهد إلى ظهور السيارات والصواريخ، وكذلك غزونا للفضاء من خلال الأقمار الاصطناعية.

إن كل ما سلف ذكره هو فقط جزء بسيط جدًّا من الخدمات التي قدمتها الفيزياء للعلوم وللبشرية. وبرغم التكامل بين العلوم، فإن الفيزياء تمتلك حصة الأسد من هذه الثورة العلمية التي عرفتها البشرية، فهي مثل سفينة جابت بنا أعماق الفضاء، وقدمت لنا تفاسير عن كيفية عمله، وعن الطريقة التي تشكلت بها هذه الحياة، لتأخذنا في رحلة أخرى، وهذه المرة إلى عالم صغير جدًّا، عالم الذرة، وقدمت لنا لمحة عن الطريقة التي يعمل بهذا هذا العالم الدقيق، لتعود أدراجها؛ أي لعالمنا الواقعي، وتقدم كل هذه التفسيرات والحقائق على شكل معادلات رياضية من أجل فهم جيد وسهل لها، وتقدمها على طبق من ذهب للعلوم الأخرى، وهنا يمكن القول إن «الفيزياء أم العلوم».

قبل الختام أريد الإشارة إلى أن لكل العلوم دورها الفعال في بناء الفكر البشري وتطويره؛ أي إنني لم أُقْص دورها، بمعنى آخر ليست الفيزياء وحدها من ساهمت في إعطاء كل المفاهيم الحالية، بل كل علم ساهم بشيء معين، وتطورنا كجنس بشري رهين بتطور كل العلوم وتقدمها وتكاملها فيما بينها لإعطاء نوع من القوة والمنطقية للنظريات التي سنتوصل إليها، وعندئذ ستتضح رؤيتنا أكثر لهذا الكون، وسنتمكن من الإجابة عن الأسئلة التي لطالما حيرت عقولنا، وسنجعلها حقيقة ملموسة، فكما قال ماكس بلانك (عالم فيزياء ألماني ومؤسس نظرية الكم): «معظم الوقائع الطبيعية كانت يومًا تختفي وراء الأساطير ثم أصبحت مسلمات بفضل العلم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد