إن حاجة الإنسان لتفسير الظواهر التي تحيط به جعلت من ديميتير آلهة الطبيعة والنبات والفلاحة عند الإغريق؛ ليكون للقحط والجفاف علاقة بغضبها وسخطها، وهي ما جعلت هيفست إلهًا للنار يمجده الإغريق ويتقربون إليه.

تلك الحاجة خلقت أساطير وخرافات وآلهة عدة، يستكين البشر منذ وجودهم إلى تمجيدها وتقديسها مقابل تفسير الظواهر الغريبة، وتبرير جهلهم بأسباب حدوثها، ثم ما تلبث أن تُفنّد وتسقط مع أول تفسير علمي ومنطقي للحدث.

ولم تسلم من ذلك حتى الاختلافات المورفولوجية التي جعلت الإنسان يُصنَف حسب لون بشرته أو جنسه، حسب مرضه والداء المصاب به؛ فاحتجز أصحاب بعض المتلازمات في أقفاص، وعوملوا على أنهم وحوش، وقيد بعضهم وعُدوا عبيدًا وخدمًا لصنف آخر، وفسرت اختلافاتهم وحيكت الأساطير حول ولاداتهم وارتباط ظواهر كونية بقدومهم للحياة.

وما زال ذلك الجزء البشري طاغيًا داخلنا، لا يلبث أن يقع أمام ظاهرة لا يستطيع عقله استيعابها، حتى يجد لها تفسيرًا ميتافيزيقيًا ويربطها بسلسلة من الغيبيات فقط كي لا يجد نفسه أمام علامة استفهام لمدة طويلة، لكن المشكلة الحقيقية أنه يحاول التخلص منها وحلها بناء على تحليلاته القاصرة، دون استنفاذ كامل أسباب الفهم التي باتت متوفرة للجميع.

من بين تلك الظواهر التي يناشد أصحابها «الرقاة” و«السحرة» ليخلصوهم منها، ما يعرف بمرض «البكا» وما يعبر عنه المصابون به برغبة أكل أشياء ضارة وربما سامة، بينما تعرفه الكتب والبحوث بكونه اضطرابًا صحيًا في شهية المريض؛ حيث يشتهي المريض في هذه الحالة المواد المضرة بالصحة ويخرج بذلك عن طبيعته.

سمي هذا المرض بهذا الاسم نسبة إلى اسم لاتيني إغريقي لطائر البيكا، وهو طائر الغراب من نوع ماجباي، والذي يعرف بقدرته ونهمه بتناول كل شيء، وكل ما لا يمكن أكله.

لمرض البيكا سببان أساسيان، أحدهما نفسي والآخر عضوي محض؛ فطبيعة الجسم الإنساني التي تسعى للبقاء تعدل عمليات عضوية أساسية في محاولة لإطالة بقاء خلاياها، تجعل من اشتهاء بعض المواد الغريبة وأكلها طريقة لتعويض نقص في مكون معين يحتاجه الجسم.

فالجيوفاجيا أو مرض أكل التراب قد يكون أحد أسباب نقص الحديد في الدم، إن الجسم عندما يفتقد مادة طبيعية مهمة ولا يستطيع الحصول عليها عن طريق التغذية اليومية؛ فإن الشخص قد يتجه إلى تناول مواد تحتوي على المادة التي يحتاجها، وخاصة الحديد، والذي هو بطبيعة الحال متوفر في التراب.

على غرار مرض الجيوفاجيا الذي نجد له تفسيرًا عضويًا، فإن مرض التريكوفاجيا أو هوس أكل الشعر الذي يعتبر «اضطرابًا قهريًا» يحتاج إلى متابعة نفسية مقربة جدًا لكونه مرضًا نفسيًا، لكن العقل البشري الذي يجد ذلك غريبًا ونادرًا يتعلق بجلابيب المشعوذين والسحرة لفك طلاسمه؛ فيجد نفسه في حلقة مفرغة لا يستطيع الخروج منها دون ضرر.

المصاب باضطراب في هرمونات الغدة الدرقية قد يجد نفسه أمام تفسير ميتافيزيقي أو ديني حسب ارتباط المجتمع الذي يعيش به، ويقضي حياته بين أربعة جدران يعامل كمجنون أو مصاب بمس من الشيطان في أحسن الأحوال، أو قد يجد نفسه في قاعة إنعاش جراء تناوله ما يقارب الخمس لترات من الماء كعلاج «شرعي» دونما فحص طبي أو دحض احتمال عضوي وتفسير علمي لاضطرابه.

وتتراوح النتائج بين الضرر الخفيف والكبير، كما تتراوح الأسباب بين عضوية ونفسية، ويبقى الخط الفاصل بين التفسير العلمي والتفسيرات الغيبية التي قد تعتمد على أساس أساطيري أو ديني صغيرًا جدًا ما بقيت حاجة الإنسان لإشباع رغبته في إيجاد أجوبة عن أسئلته.

وقد بات من الضروري جدًا نشر الوعي، وإيضاح بعض الأمراض النادرة وطريقة تشخيصها؛ ليتمكن المصابون بها من الاستفادة من العناية اللازمة، والتخلص من الإرهاب النفسي، والتصنيف القاصر الذي يجعلهم متهمين بتعرضهم لانتهاكات واعتداءات من عالم موازٍ لا نعرف عنه ولا منه إلا ما يكفينا لتبرير جهلنا وقصورنا أمام حل مشاكلنا.

فطبيب الأمراض العقلية أو الأمراض النفسية، الذي لا يستطيع إلا أن يقف على منبره ينتقد «الرقية الشرعية» ومن يمارسها، ويجعل التفسير الديني لبعض السلوكيات والأمراض شيئًا مرفوضًا بمجمله، في حقيقة الأمر لا يزيد الأمور إلا تعقيدًا.

ودكتور الطب البديل ورجل الدين الذي قضى عهودًا يدرس ويبحث منافع الرقية الشرعية وأثرها إلى درجة اقتناعه بها، حين يقف ضاربًا بكل التفسيرات العلمية عرض الحائط، وجاعلاً من العالم مجرد عابث، في حقيقة الأمر يزيد الشرخ اتساعًا.

حين يفترض من الطرفين بذل جهود حقيقية لبناء جسر وطيد، يقوم على تشخيص يأخذ بعين الاعتبار كلا التفسيرين، ويسير في بحثه وتحليله معتمدًا على إلغاء احتمالية كل ما هو عضوي، ونقل المريض بكل سلاسة إلى العلاج الديني، الذي سيكون تأثيره واضحًا لاريب أو لا ضرر منه في أسوأ الأحوال.

وحده ذلك الجسر سيهدم العداوة التي جعلت المريض مضطرًا للاختيار بين أحد التفسيرين، والخوض في غماره دون التراجع على حسابه هو مهما كانت النتائج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد