شعرت بسخافة في بداية الأمر عندما رأيت مقتطفات من لائحة اتهام قدمتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد أسيرة فلسطينية، ولكني أعدتُ النظر مرارًا علّي أجد مخرجًا لدهشة السخرية التي اعترتني، فماذا يعني أن تكون أسيرًا بسبب «صورة وخمسة لايكات» ماذا لو كانت الإعجابات أكثر من خمسة، ماذا لو علق عليها أو شاركها الآخرون؟ ماذا لو كانت هذه الفتاة «شخصية عامة» منشوراتها على فيسبوك تصل إلى الآلاف؟ بالمختصر يعني أنك «فلسطيني».
في تتبع للقضية، أظهرت آخر الإحصائيات أن جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتقل أكثر من 300 فلسطيني بسبب منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، منذ عام 2015، و لم يتوانَ الاحتلال في إبراز ملاحقته للفلسطينيين حتى على آرائهم وتعبيراتهم ومنشوراتهم، ضمن لوائح الاتهام التي يقدمها ضدهم، ومن بينهم هؤلاء الأسرى بتهمة «السوشال ميديا»، الأسيرة فداء إخليل (23 عامًا) من محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة.

اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينية فداء إخليل في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2018، وحكم عليها بالسجن عدة أشهر، وعندما انتهت محكوميتها جرى تحويلها الى الاعتقال الإداري القابل للتجديد -أي لا تاريخ محدد لانتهائه-.

والاعتقال الإداري هو الاعتقال الذي يظل الأسير بسببه حبيس الزنازين دون تهمة واضحة، وتتذرع سلطات الاحتلال بأن «ملفًا سريًا» متداولًا في المحاكم العسكرية الإسرائيلية ضده، وأن الخاضع لهذا الاعتقال يشكل خطرًا على أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعلهم يبقون على الأسير في سجونهم دون تهمة، علمًا بأن هذا الاعتقال مخالف للقوانين الدولية «حقوق الإنسان– أسرى الحروب»، وقابل للتجديد –أي ليس له مدة زمنية محددة-، وخاض الأسرى الفلسطينيون العديد من حملات «الإضراب عن الطعام» الجماعية والفردية ضده، ويخوض الأسرى الإداريون حاليًا إضرابًا عن المحاكم الإدارية، في محاولة لكسر سطوة هذا الاعتقال.

حسنًا، ليست المعضلة في أن فتياتنا بتن أسيرات في سجون الاحتلال وأعوانه من أنظمة عربية لم تعد تخجل من كونها تعتقل الإناث الحرائر، و لكن حجم الفاجعة كانت في سبب تحويل الأسيرة فداء لحظة الإفراج عنها وإنهاء محكوميتها السابقة إلى الاعتقال الإداري، إذ جاء في لائحة الاتهام التي قُدمت ضدها أنها ناشطة على موقع «فيسبوك» وفي تاريخ محدد جرى تحديده في اللائحة، نشرت فداء صورة لناشط في حركة المقاومة الإسلامية حماس، وهو يرتدي اللثام وخطت أسفل الصورة عبارة «السلاح دون فكر إنساني مهم هو مجرد سلاح عابر، وكل استراتيجية ليبرالية أو نظام فكري أو خطة لا تملك القدرة على الدفاع عنها ليست سوى أفكار وجهود تطير في الفراغ دون نتيجة ودون هوية»، والطامة الكبرى أن هذه الصورة تُحاكم بسببها الأسيرة فداء إخليل، إلى جانب أنها حصدت خمس علامات إعجاب «لايك» بعد نشرها، وفق لاحئة الاتهام، ما يعني في نظر الاحتلال أن خمسة أشخاص وافقوا على مبدأ فداء وفكرها، فاقتضى اعتقالها!

الأسيرة فداء ونحو 450 أسيرًا يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي تحت مقصلة الاعتقال الإداري القابل للتجديد وفق أهواء الاحتلال، وقد يسرق أعمارهم نتيجة تجديده على التوالي، فداء وعشرات الأسرى الذين اعتقلهم الاحتلال على خلفية منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، خير دليل على أن الفلسطيني الذي سُلب وطنه، وقُتل أجداده، وتهجر من أرضه، وعاش النكبة ويلات متتالية، يحاربه الاحتلال على كلمات ومنشورات وآراء وأفكار، وما ذلك إلا دليل قاطع على هشاشة هذا الاحتلال الذي يخشى الحرف والكلمة، ويدرك قوتها ومدى تأثيرها، كما وبات الاحتلال يخشى كل فلسطيني يؤمن أن وطنه لا بد أن يتحرر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد