عندما تحدث جورج أورويل عن معاناة الحيوانات في كتابه: مزرعة الحيوان، تحدث عن خزيها، وكأنها أخت الإنسان في الوجود، فهي تعيش في مزرعة تسمى: مزرعة القصر، التي في ملكية السيد جونز، السكير الذي كان يقهرها بالسوط، ويبخل عليها في حصص الأكل والأعلاف.

قررت الحيوانات – بفضل نبوءة الخنزير العجوز ميجر – الثورة على الأوضاع البائسة، وقوانين السيد جونز القاهرة: حينما رأى حلمًا – ذات ليلة – ظهرت له فيه الأرض وهي خالية من الإنسان، وبفضل هذا الحلم تم طرد السيد جونز من المزرعة؛ عندما ألمّ الجوع بهم نتيجة عدم إطعامهم ليوم كامل. وبدأت الحيوانات تتعلم كيف تسير مزرعتها بنفسها بعيدًا عن قوانين الإنسان، ووضعت لنفسها نشيدًا وطنيًا، تحت عنوان: حيوانات إنجلترا، كما وضعت سبع وصايا.

1- كل من يسير على قدمين هو عدو.

2- كل من يسير على أربعة أقدام، وكل طائر هو صديق.

3- يمنع على الحيوان ارتداء الملابس.

4- يمنع على الحيوان النوم فوق سرير.

5- يمنع على الحيوان شرب الخمر.

6- يمنع على الحيوان قتل حيوان آخر.

7- كل الحيوانات متساوية.

           وبعد موت الحكيم ميجر الذي أصبح قبره مزارًا للثوار، تم تغيير اسم: مزرعة القصر، إلى: مزرعة الحيوان، وتم إدارة المزرعة من خلال ثلاث حيوانات، كل من: نابليون، وسنوبول، الخنزيران الأكثر تفوقًا من بين جميع الخنازير في المزرعة، والسيد سكويلر، وهو خنزير قذر وسمين وقصير القامة، لكنه كان متحدثًا بارعًا.

وبعد نجاح الثورة – بفترة وجيزة – تعلمت الخنازير القراءة والكتابة بإتقان، كما تعلمت الكلاب القراءة بيسر، لكنها لم تهتم سوى بالوصايا السبع. فلم يمر على نجاح الثورة إلاّ فترة وجيزة حتى قام الخنزير نابليون بالانقلاب على سنوبول، من خلال كلابه التسعة التي اقتحمت الحظيرة وارتمت عليه، ولكن سنوبول ركض مسرعًا نحو الخارج، وأفلت من أنيابها بنجاح، واختفى عن الأنظار، ولم يعرف عنه شيء منذ ذلك الحين.

هذه الكلاب التسعة، أخذها نابليون من كلبتين: جيسي وفلور، وأشرف على تربيتها، وأخفاها جيدًا إلى درجة أن بقية الحيوانات نسيت حتى وجودها. وبعد أن تم طرد الخنزير سنوبول، صعد نابليون إلى منصة الحظيرة، وأعلن أن – منذ اليوم – كل سؤال يتعلق بتسيير المزرعة، سيتم الحسم فيه من طرف لجنة من الخنازير، وستكون تحت رئاسته، وستجتمع اللجنة في جلسات سرية، وبعد ذلك سيتم إخبار الحيوانات الأخرى بالقرارات المتخذة. كما أصبح الخنزير سكويلر المتحدث الرسمي لحكومة السيد نابليون.

        وفي صباح أحد الأيام، أعلن نابليون بأنه – منذ اليوم – ستعقد مزرعة الحيوان علاقات تجارية مع المزارع المجاورة، ليس لغرض تجاري، ولكن – بكل بساطة – للتزود بمجموعة من المواد التي تكون المزرعة في حاجة ماسة إليها. عبرت حيوانات المزرعة عن كآبة غامضة في داخلها؛ لأن هذا الاعلان مخالف للمبدء الأول من المبادئ السبعة التي اتفق عليها جميع الحيوانات عندما تم طرد السيد جونز من المزرعة، والذي نص: كل من يسير على قدمين هو عدو.

ولما أحس نابليون بكآبة الحيوانات؛ أعلن: أن كل القرارات قد اتخذت في هذا الشأن، فلا مجال لأن تدخل الحيوانات في علاقة مع الإنسان الذي من الواضح أنه مصدر الشر، وأكد أنه سيتحمل هو شخصيًا هذا العبء، عبر محام يدعى السيد ويمبر، الذي سيأتي كل صباح اثنين لهذا الغرض.

          بعد ذلك قام سكويلر بجولة في المزرعة من أجل تلطيف العقول، وأكد للحيوانات بأن القرار الذي يحرم التجارة واستعمال المال غير وارد، بل إنه لم يسبق أن اقترح، بل إن ذلك مجرد خيال، أو مجرد خرافة ولدت من أكاذيب سنوبول الذي كان ما يزال قريبًا ومتخفيًا في إحدى المزارع المجاورة.

           وفي غضون عدة أيام، انتقلت الخنازير إلى بيت المزرعة الذي جعلت منه مقر إقامتها، وعلمت الحيوانات أن الخنازير تتناول وجباتها في المطبخ، وجعلت من غرفة الجلوس قاعة للترفيه، بل تنام في السرير.

مرة أخرى تذكرت الحيوانات أنه قد تم اتخاذ قرار ضد هذه الممارسات منذ الأيام الأولى في الوصية الرابعة التي نصت: يمنع على الحيوان النوم فوق سرير. ولكن جولة ثانية من سكويلر، عالج فيها المسألة، وأعلن بأن الأمر بسيط، وبأن الضرورة المطلقة تحتم أن تقيم الخنازير باعتبارها العقل المدبر في المزرعة، وأنه من اللائق لكرامة القائد نابليون أن يعيش في بيت، بدلًا عن زريبة الخنازير.

وتوجهت بعض الحيوانات إلى داخل الحظيرة لقراءة الوصايا السبع المعلقة هناك، واصطدمت عند قراءة الوصية الرابعة المكتوبة: يحظر على كل حيوان النوم على سرير بأغطية، وهنا شرح سكويلر هذه القضية لهم، وبيّن: أننا نحن الخنازير ننام الآن على الأسرة الموجودة في البيت؟ ولم لا؟ هل تظنون أن هناك قانونًا يحرم النوم على السرير؟ السرير ليس سوى مكان للنوم. وكومة القش في الإسطبل ماذا تكون غير سرير للنوم؟ الاحتجاج هو على الأغطية التي صنعها الإنسان. غير أننا أزلنا الأغطية من الأسرة، ونحن ننام الآن بين البطانيات، فأبدت الحيوانات موافقتها بهذا الخصوص.

               وبعد بضعة أيام لاحظت العنزة موريل – وهي تقرأ الوصايا السبع – أن وصية أخرى فهمتها الحيوانات خطأ، فقد كانت دائمًا تظن أن الوصية الخامسة تقول: يمنع على الحيوانات شرب الخمر. في حين أنها لم تلاحظ وجود كلمتين مكتوبتين بالحرف: يمنع على الحيوانات شرب الخمر حتى الثمالة.

        وفي إحدى الليالي اندفعت جميع الحيوانات عدوًا إلى فناء بيت المزرعة، فرأت أن سكويلر يمشي على قائمتيه الخلفيتين، كان يمشي عابرًا الفناء، وبعد لحظة خرج من باب القصر – المزرعة – صف طويل من الخنازير تسير جميعها على قوائمها الخلفية، بعضها كان يسير أفضل من بعضها الآخر، وظهر نابليون بنفسه منتصب القامة، وكلابه تسير من حوله. ظنت الحيوانات أنها فهمت مرة أخرى أحد الوصايا السبع خطأ، والتي نصت: كل من يسير على قدمين، فهو عدو. لكن في تلك اللحظة بالذات – وكأن أحدًا قد أعطاها إشارة البدء – انفجرت الخراف بالقول: الخير في الأقدام الأربعة، والخير الأكثر في القدمين.

       وفي إحدى لقاءات السيد نابليون بالسيد بيلنغتون، أحد أصحاب المزارع المجاورة، تم تغيير اسم مزرعة الحيوان إلى اسم مزرعة القصر الذي كان هو اسمها الصحيح والأصلي. وأصبح من المستحيل التمييز بين الإنسان والخنزير، عندها تطلعت الحيوانات بنظراتها، من خنزير إلى إنسان، ومن إنسان إلى خنزير. ومرة أخرى ذهبت الحيوانات لتتأكد من الوصايا المكتوبة – داخل الحظير – فاصطدمت هذه المرة أيضًا بالوصية الأخيرة التي كانت تنص: كل الحيوانات متساوية. ورأت أنها مكتوبة كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أورويل, جورج, مزرعة الحيوان, ط2, المركز الثقافي العربي, 2014م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد