ستبدأ الرحلة بسعادة ، بشغف وترقب ، وبضبط شديد للنفس فأى تصرف صغير غير محسوب قد يضيع هدف الرحلة كلها!

 

ستنتقلون من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال ، تمرون وأحيانا تستقرون فى أماكن موجودة طوال العام، لكنها فى هذه الأيام على غير حال ، ستعيشون فى نفس زمان البشر، لكنكم فى الحقيقة فى زمان آخر فزمانكم تحدده ساعتكم وساعتكم تحددها مناسككم  متى ستبدءون هذا ومتى ستنهون ذاك !

 

الجميع سيطوف ويسعى ويقف ويرجم ، ثم يعود ، لكن كم منهم ستتغير بالفعل حياته، كم منهم ستمر عليهم اللحظات هناك فى إتقان أداء الشعائر بأجسادهم دون أن تسموا أرواحهم، وكم منهم سيغادرون الأماكن دون أن تغادرها أرواحهم ودون أن يغادرهم المكان ولا ما كان به ؟

 

أخبرتني  إحدى قريباتي وأنا أعد عدتى للحج إنها بعد الحج لم تعد تقول: “يا رب عمرة “وإنما أصبحت تقول “يا رب حج ” وقتها رددت عليها بابتسامة متأدبة، ولم أعلق فلم أكن قد أدركت الأمر بعد و كنت أظن أن الحج لن يختلف عن العمرة كثيرا إلا فى زيادة لبعض الشعائر، لكن الحقيقة أن الحج  غير فى كل شيء فأعدوا له عدته .

 

كيف نعد العدة ؟

هناك أمور يلزمكم فعلها قبل السفر وأخرى عليكم الالتفات إليها أثناء الحج ،ولكل حاج  تجربته الخاصة فإليكم بعض النقاط التى دونتها من وحى مشاهداتي وتجربتي .

 

1- العلم

يسعى الجميع لتحضير الملابس ، تغير قدر من الأموال ، تحضير حقيبة  أدوية ، معرفة كم يوما سيمكث بمكة وكم بالمدينة ، هل محل الإقامة قريب أم بعيد من الحرم ، ما هى الخدمات المتاحة ، إلى غير ذلك  من تفاصيل هى بالطبع على قدر من الأهمية، لكن لا تجعلوها تنسيكم إعداد أنفسكم لما هى مقبلة عليه ، لا تجعلوا الأمر يصل بكم إلى أن تبدءوا بقراءة أصغر كتيب عن مناسك الحج بعد أن اعتدلتم فى جلستكم لتربطوا حزام المقعد فى الطائرة ، صدقا أخبرك بأن من رأيتهم يفعلون هذا فقدوا  شيئا هام، ألا وهو الطمأنينة  كيف تخشع النفس وتسمو الروح ونحن غير مطمئنين إلى صحة  أى من حركاتنا أو سكناتنا!

 

زادكم الحقيقي الذى عليكم الانشغال به قبل السفر هو العلم لا تذهبوا بدون تصور كامل لما سيحدث ، اقرأوا الكتب ، طالعوا التطبيقات ، استمعوا للدروس ، اسألوا وتفقهوا من أهل العلم ، افعلوا كل هذا قبل السفر بوقت كاف حتى لا يضيع وقتكم الثمين هناك فى التردد والحيرة وسؤال من يفقهون ومن لا يفقهون .

 

2-  قاطعوا كل ما يربطكم بالعالم الخارجى فور أن تبدأوا فى التلبية

حاولوا أن تنسوا هاتفكم فى مكان لا تجدوه به غير يوم عودتكم ، فإن لم يكن فعلى الأقل عليكم بإغلاقه ، ولا تتركوا أفكار من نوعية فقط لأطمئن على الأهل ، أو على سير العمل تسيطر عليكم وتخدعكم؛ لأن الأمر سيمتد بكم بعد قليل لتصفح التطبيقات ولمتابعة أهم الأخبار أو نتائج المباريات ، البعض قد يمتد به الأمر لالتقاط  قليل من صور (السيلفى) هنا وهناك حتى يتمكن أصدقاؤه من رؤيته فى ملابس الإحرام أو واقفاً على عرفات وبالطبع سيعود للهاتف مرة أخرى  لمتابعة آرائهم فى الصور!

 

كنت أشاهد أُناس يهرعون إلى أماكن إقامتهم فور انتهاء الصلاة فى الحرم ليلحقوا  بنشرة الأخبار، أو لمشاهدة مباراة النهاية التى يلعب بها فريقهم المفضل ، سيأتى السؤال مستنكرا وهل مطالعة الأخبار، أو مشاهدة المبارة حرام؟  وسأرد بدورى بسؤال وهل الحج هو الإقلاع عن حرام ؟

 

فى الحج كما فى الصيام لم ينهنا المولى عز وجل عن الحرام  الذى نحن منهيون عنه طوال الوقت، ولكن نهانا عن الحلال نهانا عن الطيب عن المخيط ( للرجال )عن الصيد عن الجماع …. إلخ

 

ترك الحلال لبعض الوقت به تدريب وتقوية وتربيه للنفس فإذا ملكتها فى الحلال ملكتها فى الحرام ، اتركوا أنفسكم لتنعم بهذه التجربة الفريدة قاطعوا كل وسائل التواصل بالعالم الخارجى (الهاتف ، التلفاز ، الألواح والحواسيب الشخصية ..) أنسوا أو تناسوا كل شئ أتركوا الدنيا خلفكم وستعودون إليها بعد انتهاء أيامكم المعدودات، لكن لديكم فرصة لأن تعودوا إليها وأنتم أحرار منها فلا تبخلوا على نفسكم بهذه الفرصة.

 

3- تأملوا فى كل شئ واستشعروه

الحج  دعوة من الله فإذا دعاكم فأحسنوا الحضور ولا يكن همكم إسقاط الفريضة وإنما التجرد لله عز وجل فأنتم بحق تقومون برحلة عمركم وهى رحلة  سعد من أكرمه الله بها .

 

لقد دعاكم الكريم فلبيتم دعوته  “لبيك اللهم لبيك ” لن تقطعوا التلبية إلا حين استلام الحجر الأسود  لتبدأوا الطواف  “بسم الله ، الله اكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك وإتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم  “ استشعروا المعاني ورددوها بقلوبكم قبل ألسنتكم استشعروا العهد الذى جعلتموه بينكم وبين ربكم لقد جئناك يا رب طائعين ملبين مصدقين بك وبنبيك وبكتابك ، سنفعل كل شيء وفقا لشريعتك عازمين أن تكون كما فعلها نبيك.

 

لماذا نطوف فى هذا الاتجاه ، لماذا 7 أشواط ، لماذا الرجم على ثلاثة أيام ولماذا ستزيد يوما إذا لم تغادر منى قبل المغرب؟ العديد من الأسئلة العديد من الأجوبة والاجتهادات والتأملات لكن الأهم هو التسليم لله عز وجل هكذا أرادها الله تعالى منا وهكذا فعلها رسولنا الحبيب وهكذا سيفعلها كل مسلم مكلف مستطيع .

 

4– كونوا جزء ممن حولكم أسعوا للتواصل معهم ولقضاء حوائجهم

صيغة الجمع التى نرددها دائما فى سورة الفاتحة ، تتجلى بشدة فى الحج فهناك الجميع جزء من الكل، جزء من هذا النهر المتدفق من البشر،إذا كنتم حاضرين بأجسادكم متأففين بأنفسكم ستسقط الفريضة ، لكن إنكار الذات وسط هذا الجمع وجعلها جزء منه سيجعل الأمر مختلف .

 

ستجدون فى كل مكان لافتات تنصح بتجنب الزحام من قبل الجهات القائمة على أمور الصحة والسلامة وقد نصحت من أحدى الفضليات ليس فقط بتجنبه بل وبتجنب الجلوس إلى جوار جنسيات معينة  تجنبا للأمراض المعدية !

الحقيقة أن الزحام حادث لا محالة، بل غالبا العدوى قائمة بصورة أو أخرى فاصرفوا عن أذهانكم هذه الأفكار، تجنبوه – إن استطعتم – أخذا بالأسباب، لكن لا تنأوا بأنفسكم  عمن حولكم والفارق كبير، سلموا أمركم لله وتوكلوا عليه كونوا جزء من الكل واستمتعوا بهذا الزحام استمتعوا بالتودد والتراحم مع إخوانكم واسعوا لقضاء حوائجهم ولا تحرموا أنفسكم من أن يصيبها قدر من رحمات تتنزل على مجلس أو على شخص تجاوروه .

 

5- الشراء

كيف نتجرد للعبادة ونترك الدنيا ثم نهتم بالشراء ؟ لا أقصد بالطبع قضاء يومكم فى المراكز التجارية الكبرى والتسوق بين متاجر الماركات العالمية، ولكن أقصد أولئك الذين تقوم حياتهم على ما يكسبونه كل عام فى موسم الحج فلا تبخلوا عليهم ، ستجدونهم فى المتاجر صغيرة أو يفترشون الأرض أو يعدون طعام  أو يسعون لحمل متاعكم ، فقط استحضروا نيتكم واقصدوا نفعهم وستجدونهم فى طريقكم .

 

6– تأملوا فى أحوال البشر دون أن تصدروا أحكام

لكل منا ما يلفت انتباه فى أحوال من حوله  لكن التباين الشديد لمفهومى الاستطاعة ، والرفاهية بين البشر أمر لا يمكن إغفاله ويصعب أن يمر علينا  دون أن  نتعلم منه شيئا  .

 

ستجدون أن الاستطاعة  للبعض قد تكون القدرة على المشى من بلد كالهند مثلا إلى مكة  بعد أن جاوز عمره الستين عاما محملا بقليل من المال ادخره  طوال حياته وقليل من الزاد وخيمة صغيرة يحملها على ظهره لتكون مأواه طوال فترة الحج ، وقد تكون لآخر هى القدرة على دفع مصاريف الطائرة والبقاء فى الفنادق والمخيمات الخمس نجوم وما بين الاستطاعتين  العديد من الصور تأملوها ولا تصدروا أحكام .

 

قد تتعجبون وأنتم تهرعون لدخول الحرم لتنعموا بالصلاة فى التكيف وشرب ماء زمزم المبرد من أن هناك آخرين قد أتوا مبكرين ولكنهم  ظلوا جالسين فى الخارج مفترشين الرخام فى سعادة !

لا تتعجبوا فللبعض مجرد الصلاة على الرخام الرطب فى الساحة الخارجية أو الحصول على ماء نظيف فى أى وقت دون الحاجة للمشى مسافات طويلة للوصول لأقرب نهر أو بئر هو منتهى الرفاهية وستظل أيام الحج بالنسبة لهم هى الأيام الوحيدة التى تنعموا فيها  طوال حياتهم ، تأملوا واستشعروا النعم .

 

7- تأملوا فى أحوالكم وفيما يصيبكم برضا وتسليم

“يا أيها الذين امنوا ليبلونكم الله بشيئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ” كان هذا اختبار للمؤمنين فى وقت ما وياله من اختبار صعب ، ستتعرضون أنتم أيضا لاختبارات ستكون من نوع آخر وقد لا  تكون بمثل هذه الصعوبة كتأخر الحافلة ، أو فقدان بعض من المتاع أو النقود، قد تكون مرض أو إصابة  فى جسد ، أو فقدان الطريق  … إلى غير ذلك من أمور كونوا يقظين لها وتعاملوا معها على إنها اختبارات للثبات على الطاعة ولضبط النفس وللرضا بما قسمه الله ، لقد رأيت من يثورون ثورة عارمة ويتلفظون بأسوء أنواع السباب لضياع مصليتهم المفضلة  أو لأنهم لم يجلسوا فى المكان الذى أرادوه فى الحافلة !

 

8- لقب جديد

كطالب الطب الذى يلقب ( دكتور) وهو فى تمهيدي طب ، سينال الجميع لقب ( حاج /حاجة ) ما إن يرتدى ملابس الإحرام سيصطحبكم اللقب طوال فتره الحج وربما بعد عودتكم ولو لفترة قصيرة  فاعزموا أن تكونوا أهلا له واسألوا  الله التوفيق  .

 

لكل من هو فى طريقه للحج هذا العام هنيئا لكم ضيوف الرحمن أنتم فى ضيافة جواد كريم فلا تنسوا أمة الإسلام من صالح دعائكم.

“وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ “

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد