إنها رحلة أفئدة تهوى، ونفوس تشتاق، ودعوات قديمة لا تنتهي، إنها أعظم رحلة في حياة القلب المؤمن، رحلة السلام الأعظم، جمعت من الدين ثوابت العقيدة، ومن الدنيا حسن المعاملة، جمعت من الحياة سلامة القلب، ومن الآخرة أن الكل أمام الله سواسية، رحلة تهذب الداخل وتنعكس على طباع الخارج.

قبل أن نبدأ رحلة المكان، فلابد من الرجوع إلى رحلة الزمان، رحلة إبراهيم – عليه السلام – إلى ربه، رحلة جهاده مع نفسه، رحلته في بناء ذاته وآل بيته وقومه (الفرد، والأسرة، والمجتمع) ذلك النبي الذي كان أمة، ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن، فكان للناس إمامًا، كان الإعداد إعداد خليل، فكان الابتلاء جليل، يزلزل عظيم الجبال، يقتلع قلوب الرجال من أعماق صدورهم، ابتلاء في كل ما يحيط بك من أجل تأسيس ثوابت العقيدة المعقودة التي لا تنحل.

فقبل أن تبني بيتًا لا بد أن تبني إنسانًا، وإذا أردت أن تبني إنسانًا، فلابد أن تبني قلبًا نقيًا سليمًا، والإنسان هنا لم يكن إنسانًا عاديًا، وإنما كان إنسانًا نبيًا، وقد يكون الابتلاء أعظم عوامل البناء، أما سمعت أن الناس تبتلي على قدر إيمانهم، فكيف تكوّن إيمان إبراهيم ليتحمل كل هذا؟ بداية من البحث عن الإله الواحد ووقوفًا أمام أبيه وقومه ومرورًا ببيته ووصولًا لذريته. كانت رحلة حياة لا يمكن أن يقال عنها، إلا أنها جمعت في باطنها كل مقومات البناء الحقيقي الذي انعكس على ظاهرها ليكون من خاضها أبًا للأنبياء وإمامًا للناس.

يا رب أبحث عنك في السماء في القمر في الشمس، إلى أن هديتني إلى أنك – سبحانك – منزه أن تُمثلك صورة أو يُجسدك جرم، لا يحتويك مكان ولا يسعك زمان فأنت قبل البداية وبعد النهاية، أنت الواجد الواسع أنت الظاهر الباطن.

هنا يا إبراهيم قد وصلت إلى أولى ثوابت الإيمان، هنا التوحيد، هنا أولى الخطوات فتقدم.

يا رب هذه ذاتي إن أردتني أنتزعها من داخلي انتزعتها، ولكن هذا أبي وهؤلاء قومي، لا يعرفون للتوحيد طريقًا ولا يتخذون الإيمان سبيلًا، فماذا علىّ بهم؟ أدعوهم فيصطدموا، أرادوا أن يحرقوني فلا تتركني يا ربي، فقد فعلت ما في وسعي ولم يبق لي إلا وسعك.

يا إبراهيم اثبت ولا تخف فالنار لهم مصيرًا وعذابًا والنار عليك بردًا وسلامًا، يا إبراهيم إن الله لا يٌكلف نفسًا إلا وسعها، يجازي بالإحسان إحسانًا، يا إبراهيم كان منك السعي ولك من الله عظيم الأجر فاسع ولا تتوقف.

يا رب هذه هاجر زوجتي، وهذا إسماعيل طفلي، اتركهم هنا لأني أعرف أنك لهم عني، أنا فقط أخشى ألا يتحملوا، فيا رب كن لهم، ارزقهم اليقين واربط على ذلك بالصبر.

يا إبراهيم ستسمع منها، يقينها بالله الذي ملأ قلبها، فهي تؤمن أنه ما ضاع من اعتصم بالله، يا إبراهيم ستهوي إليهم الأفئدة وستشد إليهم الرحال، كما لم يتركك من قبل، فلن يتركهم فلا تخف سيأتيهم رزقه من كل الثمرات.

ينام الأب لعله يرتاح من عناء هذه الحياة – وما لشقاء هذه الحياة من انتهاء – تأتيه رؤيا، يا إبراهيم اذبح ولدك!

ينتفض من منامه، قابضًا على قلبه الذي ملاه الخوف على من يحب، يستعيذ بربه فيطمئن قلبه فينام من جديد فتدق الرؤيا أبواب منامه ثانية فثالثة، عندها أدرك أنها من رب السماء، وأن مقصودها أمر عظيم، راح يراجع نفسه، يبحث في زوايا قلبه.

بين طاعة من تعبد والخوف علي من تحب بين أن الله أمرك فلابد أن تنفذ وبين النفس قد تمانع فكيف لابن أن يُذبح بيدي أبيه، ابتلاء لا أحسبه هينًا، لن يتحمله إلا القلب الممتلئ باليقين في الله الواحد الواجد، فقط اسمح لنفسك تتخيل أن رؤيا تأتيك في نومك تأمرك بذبح ولدك، تتكرر في منامك، عندها قد تخاف أن تنام، حتي وإن قتلك التعب، تخاف أن تأتيك مجددًا، عندها سيتجمد تفكيرك، يطير فكرك بين فلذة كبدك، ماذا تقول لهم ماذا سيقال عنك، ماذا عن الابن ماذا عن الأم، ماذا عن تلك المضغة التي بالداخل (القلب)؟

يا إبراهيم إنه الله لا شريك له، فلا ينبغي أن يكون في قلب خليله إلا هو – سبحانه – هو الواحد المعبود، هو لك دون نفسك، وقبل زوجك وولدك، سيكفيك عن كل ذلك يا إبراهيم، فلا تخف إنه لا يخاف لديه المرسلون، صوت قادم من كل الأركان يتردد صداه في أعماق قلب إبراهيم، إنه صوت الإيمان.

يا رب لن يكون في قلب خليل الرحمن إلا الرحمن.. يسير صامتًا ساكنًا وكأن الأرض هي التي تتحرك تحت قدميه.. ولدي إني أري في المنام أن أذبحك فانظر ما تراه، افعل ما تُؤمر أبتاه.

لم يكن مجرد تصديق رؤيا، وإنما كان يقين إيمان، لم يكن حادثًا عابرًا، وإنما كانت رسالة لكل القلوب المؤمنة أنه لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. كانت مسيرة حياة عظيمة لنبي كريم ، أرادها الله لتكون رحلة حياة، لمن أراد الله ولم يرد سواه، فرضها الله فريضة وأرادها رحلة قلب مشتاق إلى رحاب الله، رحلة تعلمنا أن السعى إلى الله لابد أن يرتكز علي قلب سليم وأن الطريق إليه جهاد عظيم، فكانت شعيرة الحج، الركن الخامس من أركان الدين، اختصه الله دون غيره من الشعائر بأنه محدد الزمان والمكان، فبعض الشعائر حددها الله بوقت (الصلاة والصيام والزكاة)، وبعضها لم يحدد له توقيت أو ميقات (الشهادة)، فإن دل هذا فإنما يدل علي عظم الشعيرة، وقدسية المكان، وأفضلية التوقيت، فما من صلاة تعدل الصلاة في بيت الله الحرام، وما من يوم أعظم من يوم عرفة، فريضة لم تقتصر على كونها أنها مناسك تُؤدي، ولا زيارة مكان قُصد، وإنما هي رحلة قلب معلق برب البيت، ارتدى ملابسه وشد الرحال، ليطوف ويسعي، قلب وقف ولب، فعاد كطفل صغير نقي من ذنوبه.

فُرض الحج على الاستطاعة، وما هي بالأمر الهين، لأنها ترتكز على رغبة القلب، واستطاعة الجسد، وتوفر الزاد، وصدق المقصد، وسلامة الداخل وطهارة القلب والقالب، لذا فهي تعلمنا أن الدين حياة، يجمع في خصاله مقومات الحياة السليمة، وشعائره هي هدايات ربانية ومنارات حياتية، تُعلم أنفسنا أن الطريق إلى الله هو خير طرق الحياة، حياة الدنيا والآخرة.

حملت مناسكه عميق اليقين، وخير دليل التعامل مع الحجر والبشر والشجر، تأمرك لتقبل حجرًا وترجم حجرًا، هكذه هي الحياة قد تتشابه في ظواهرها وتتناقض دواخلها، في الحياة اعتزل ما يؤذيك، واحرص على ما ينفعك، عامل القلوب فالناس تتشابه في أجسادها، في أشكالها، ولكن القلوب تتفاوت في نقاوتها وسلامتها.

رحلة اشتملت علي العدل في عظيم صفاته، فالأصل فيه أنه لا فرق بين حاكم ومحكوم، لا فرق بين من أتي من الشرق ومن أتى من الغرب، الكل قادم إلى رب البيت، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح.

رحلة.. السلام عنوانها، سلام مع النفس أولًا، فلابد أن تذهب راضيًا مطمئنًا، قاصدًا الخير، ثم تعكس سلامك علي كل ما يحيط بك من ورق وشجر وحجر وبشر، فلا فسوق ولا جدال في الحج، لا أذي من أحد لأحد، لا تقتلع شجرًا لا تقتل صيدًا، لا تحمل في قلبك إلا الخير للجميع والسلام للكل، سلام يتسع ليشمل هذا الكون، لأنك في رحلة السلام الأعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد