في كل عام – ومع قرب موسم الحج – تهوي الأفئدة لبيت الله الحرام، تتمنى التعرض لنفحات الله في تلك البقاع الطاهرة؛ حتى تحظى بالكرم الإلهي من غفران ورحمة، ورفعًا للدرجات ومحوًا للسيئات، ولعل التراث الإنشادي والغنائي لم يبخل على محبيه بتسجيل تلك الأمنيات، وإذكاء مشاعر الحب والوفاء لبيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا.

وقد ارتبط موسم الحج باحتفالات شعبية ودينية – وإن قلت في الآونة الأخيرة عن ذي قبل – يقوم بها أهل الحاج وجيرانه وأصدقاؤه، من أهمها تهنئة من كُتب له الحج، فتتجمع العائلة في منزل الحاج في الأيام التي تسبق سفره، فضلًا عن غناء بعض الأهازيج الشعبية، والمدائح التي تتحدث عن الرحلة المقدسة.

ولا يزال التراث الغنائي حافلًا بالأغاني التي جسدت عاطفة المسلمين، خاصة المصريين تجاه تلك الشعيرة، فنجد أغنية ليلى مراد «يا رايحين للنبي الغالي» تأليف أبو السعود الإبياري من فيلم: ليلى بنت الأكابر. ومن كلماتها:

«الله .. الله .. الله . الله

يا رايحين للنبي الغالي .. هنيالكم وعقبالي

يا رايحين للنبي الغالي .. هنيالكم وعقبالي

الله .. الله .. الله . الله

يا ريتني كنت وياكم .. واروح للهدي وازوره

وابوس من شوقي شباكه .. وقلبي يتملي بنوره

واحج واطوف سبع مرات .. واللبي واشوف منى وعرفات

واقول ربي كتبهالي .. يا رايحين للنبي الغالي

الله .. الله .. الله . الله

أمانة الفاتحة يا مسافر لمكة.. تؤدي فرض الله

حترجع ولإاله غافر ذنوبك .. لما نلت رضاه

يا ريتني معاك في بيت الله .. أزور وياك حبيب الله»

ومثلها في تجسيد تلك العاطفة أغنيات كوكب الشرق أم كلثوم عن الحج،  فبعدما غنت قصيدة «إلى عرفات الله يا خير زائر»، لأمير الشعراء أحمد شوقي، غنت «القلب يعشق كل جميل»https://www.youtube.com/watch?v=PVwReFb66DU

وهي من تأليف بيرم التونسى وألحان رياض السنباطي ومن كلماتها «مكة وفيها جبال النور.. طالة على البيت المعمور.. دخلنا باب السلام.. غمر قلوبنا السلام.. بعفو رب غفور.. فوقنا حمام الحما.. عدد نجوم السما.. طاير علينا يطوف بالعفو والمرحمة».

ولم يكن الاحتفال بموسم الحج حكرًا على الغناء وأهل الطرب، بل نجد أن للابتهال الديني دورًا ملموسًا في معايشة النفوس الأرواح لتلك الشعيرة؛ فعبقرية التأليف والأداء جعلت المستمع للإنشاد الديني يحلق في سماء الشوق، وكأنه بين الحجيج يطوف ويسعى، ومن هؤلاء المنشدين الذين نستمتع بأصواتهم في تلك المناسبة:

1- الشيخ طه الفشني

للشيخ طه الفشني قصائد كثيرة في المناسبات الدينية، خاصة ذكرى ميلاد الرسول – صلى الله عليه وسلم – ومن قصائد إنشاده في شعيرة الحج قصيدة «لي فيك يا أرض الحجاز حبيب».

«لي فيك يا أرض الحجاز حبيب * نور العيون وللقلوب طبيبُ

في الأرض أحمد والسماء محمد * عند  الإله  مقرَّبٌ  محبوب

وله بطيبة روضة من زارها  * نال  المنى  وأتى  له المطلوب

يا يوم ميلاد الرسول محمد  *  يوم سعيد  للأنام طروب»

2- الشيخ نصر الدين طوبار

قدم الشيخ نصر الدين طوبار ما يقرب من مائتي ابتهال منها «الحوت والعنكبوت»، و«يحلو لدى»، و«أمري إليك»، و«اكرمنا في المعاش والمعاد»، و«بك أستجير»، و« قبسٌ من الرحمن لاح»، و«من غير ربي يستجيب؟»، و«سبحان من جعل الأرض قرارا»، و«ربي هو الله»، و«يا من يراني في علاه ولا أراه»، و«تسابيحي»، و«يا حنان يا منان»، و«يا ودودا»، و«أنا العبد المقر بكل ذنب»، و«مؤنسي فى وحدتى»، و«يا نصير المظلومين»، و«يا سالكين الدرب»، و«فاطر الأكوان» ومما أنشده في ذكرى الحج بصوته الشجي، قصيدة “ما بين زمزم والحطيم” ويعيش المستمع وهو ينصت لهذه الكلمات أجواء الحج وكأنه يشرب من زمزم، ويقف على جبل الرحمة.

ما بين زمزم والحطيم سراهمُ** *والركن والجبل الاشم حراء

وهناك فى عرفات كل خاشع ***هيمان مابين ضراعة وبكاء

الله أكبر حين ينبلج الضحى *** والله أكبر كل ذات مساء

3- الشيخ سيد عطية ندا

يعد الشيخ ندا من الأصوات الندية في تلاوة القرآن والتواشيح الدينية، وبالرغم من غياب المصادر التي تؤرخ لحياته وتاريخه مع القراءة والإنشاد؛ إلا أن احتفاظ إذاعة القرآن الكريم ببعض تسجيلات الشيخ قراءة وابتهالًا يبرز عبقريته في فن القراءة والتواشيح، ومن هذه الابتهالات الخاصة بعبق الحج ونفحاته قصيدة: يحن إلى أرض الحجاز فؤادي، التي يشدو فيها الشيخ ندا هو وبطانته بأرواحهم وقلوبهم شوقًا وأملًا لبيت الله الحرام.

يحنّ إلى أرض الحجاز فؤادي ويحدو اشتياقي نحو مكة حادي

ولي أملٌ لا زال يعلو بهمّتي إلى البلدة الغراء خير بلاد

بها كعبة الله التي طاف حولها عبادٌ همُ لله خير عباد

لأقضيَ فرض الله في حج بيته بأصدق إيمان وأطيب زاد

أطوف كما طاف النبيون حوله طواف قيادِ لا طواف عناد

وأستلم الركن اليماني تابعًا لسنّة مَهْدِيًّ وطاعة هادي

وأركع تلقاء المقام مُصليًا صلاةً أرجئها ليوم معادي

وأسعى سبُوعًا بين مروة والصفا أهللّ ربي تارة وأنادي

وآتي منى أقضي بها التَفَثَ الذي يتم به حجي وهدييَ شادي

فيا ليتني شارفت أجْبُلَ مكة فبتّ بوادٍ عند أكرم واد

ويا ليتني رويت من ماء زمزم صدا خاله الجوانح صادي

4- الشيخ علي الزاوي

من المنشدين الذين لا يمر موسم الحج دون أن يسمع المرء عبر أثير إذاعة القرآن الكريم ابتهاله الرائع حجاج بيت الله

حجاج بيت الله طوفوا واسعدوا** بالقرب منه واسألوه متابا

الله جَّمعَكُم بأطهرِ بقعة ** وحَبَاكمُ كرما وفضلا طابا

أحرمتمُ يا سعدكم…. هللتمُ **  ياحظكم ..عظمتم الوهابا

ياسعد قلبى حين طاف ملبيا ***بالكعبة الغراء وحن،، و دابا

مستبشرا بعبير روض محمد ** يسرى مع الدم فى العروق مُداما

هذا بكاء التائبين الآيبين إذا**دعوا فاجعل دعاءهمُ لديك مجابا

يا أمة الإسلام  أشرق مجدكم **فتوحدوا وخذوا الحياة غلابا

وامضوا علي دين الإله وشرعه** يفتح لنًصْرتكم بها الأبوابا

وبالرغم من أن الشيخ الزاوي لم ينل شهرة واسعة بين الجيل الحالي؛ لكنه صاحب بصمة مميزة في دنيا الابتهال والإنشاد الديني، ويظهر هذا التميز فيما كشفه الكاتب الصحافي علي القماش عند حضور الملاكم المسلم محمد علي كلاي للقاهرة، حيث أعجب بالشيخ وأراد أن يلتقيه، ومن ثم اتصل مترجمه اللبناني رشاد المسوي باستوديو إذاعة القرآن الكريم، وطلب منهم رقم هاتف المبتهل الكبير الشيخ علي الزاوي، وطلب منهم ترتيب لقاء بين كلاي والشيخ الزاوي، وألح في هذا الطلب.

وبالفعل قام المسئولون عن إذاعة القرآن الكريم بإحضار المبتهل علي الزاوي من بلدته فاقوس بالشرقية، وعندما قابل كلاي طلب منه كلاي أن يسمعه سورة الرحمن بصوته؛ لأنه سمعها منه قبل ذلك، وهو يتلوها مثل الشيخ محمد رفعت، وعندما بدأ الشيخ بالقراءة إذا بكلاي يرتعش ويبكي بكاء شديدًا تعجب له جميع الحضور بمن فيهم مندوب رئاسة الجمهورية… وكان كلاي يضع هذا الشريط في سيارته كما يحتفظ بصورة وهو يرفع يديه إلى السماء ويعلوها الآية الكريمة: هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ.

ومن الابتهالات التي يغنيها الزاوي: «النور عم الكون بالقرآن، والخير ساد الأرض في رمضان والملك والملكوت هلّ مرحبا، أهلا بشهر الخير والإحسان، رمضان يا قبس من الأنوار، وهدية من عالم الأسرار، رمضان قمنا في رحابك نجتلي عفو السماء وطلعة المختار».

وهكذا يظل فن الإنشاد الهادف ملهما لكثير من الشعراء والمنشدين؛ لتصوير أجواء الشوق والحنين لبيت الله الحرام حتى تروي النفوس الظمآنة، وتطمئن القلوب المنكسرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك