القوة الخارقة لسلاح التسويق

أنت تدور بعقلك حول عقلك، في دائرة محكمة الغلق تحوط نمط معيشتك الذي ينعم بالثبات اليومي. لم تصل يومًا لما يمحو بعضًا من نقاط تلك الدائرة فيوقع بك في مصائد أنماط أخرى، أو يهز ثبات نمطك. تتضمن دائرتك الكثير من راسخ الأفعال وغريبها، ولم تفكر يومًا فيما يدفعك نحوها؛ لماذا هذا النوع من الشراب صباحًا وذاك ليلًا؟، لماذا اللون الزهري للإناث واللون الأزرق للذكور؟، لماذا معجون الأسنان هذا بالأخص؟، وما الذي أدى بك إلى ارتياد تلك الجامعة دونًا عن غيرها؟ هناك حتمًا قوة خفية وراء كل هذا. تلك القوة التي لا ترى إلا من خلالك، فقد اعتادت أن تكون أنت مرآتها، تمامًا كما لا يمكن لعينيك أن تلتقيا إلا عن طريق تلك المرآة. إنها قوة التسويق التي سادت راياتها أرجاء حياتك، وتغيرت لها عاداتك واهتماماتك.

دائمًا ما تحظى بيوم مليء بتلك اللحظات العصيبة التي تحتم عليك اتخاذ قرار. مهما زادت أهمية قرارك أو نقصت فأنت توضع أمام مفترق طرق: ماذا ترتدي؟، ماذا تأكل؟، هذا المنتج أم ذاك؟، هذه المدرسة أم تلك؟ ولتخبر عقلك – إن احتال عليك يومًا فأقنعك بأنك سيد قرارك – أنني هنا لأطلعك على صاحب القرار الحقيقي. إن لسلاح التسويق قوة قادرة على الانفراد بكافة قراراتك. هو فن البيع الذي بإمكانه بث الحياة في المنتج، فيصبح ذا لسان له عباراته الشهيرة أو أغانيه، بل ويصبح ذا أعين تسحرك فتجعلك من أتباع هذا اللسان، تنطق بكلماته وتتغنى بأغانيه، في إطار ما يعرف بالتسويق المعرفي. أو ربما يجعل من المنتج صديقًا تكن له الحب، فتحب وجوده لوجوده لا لجودته، وهو النوع العاطفي من التسويق. وقد يجعل من هذا المنتج عينًا تهدي إليك عيوب منتج آخر، وذاك هو الإعلان المقارن. الآن ببلوغك تلك الأسطر تكون قد قتلت أدنى شكوكي في تصديقك على وصفي للتسويق بأنه سلاح متكامل.

فيما يلي سأخطو بك على أرض ربما لم تطأها قدماك قط. سأعبر بعقلك حواجز لم يجتزها من قبل، عله يزيح شكوكه في قوة التسويق. فقط اتبعني! اترك فراشك هذا الذي سيطرت عليه أفكارك الخاملة واقطع بضع خطوات لنافذتك. انظر من النافذة وحاول أن تعطني تفسيرًا لكل ما تراه. نعم، الصبية يلعبون لأنه يوم عطلة. ذاك الرجل يحتسي القهوة لأنه لم يلبث أن ترك فراشه. وهؤلاء الأولاد يرتدون الأزرق بينما يسيطر اللون الزهري على ملابس الإناث! لماذا؟ دعني أخبرك..

كان اللون الأبيض قد فرض كامل سيطرته على ملابس الصبية والفتيات على حد سواء. وكان اللون الزهري يغزو ملابس الصبية تدريجيًا لكونه أقوى وأكثر تحديدًا من الأزرق، على حد وصف مجلة «Infant department» في مقالها الشهير عام 1918. وعلى الجانب الآخر انتشر تحلي الفتيات باللون الأزرق. لم يلبث الحال أن تبدل تزامنًا مع الحرب العالمية الثانية، حيث تحول الفتيان إلى الأزرق والفتيات إلى الزهري. طبقًا لما نشره -جو باوليتي- الباحث بالتاريخ بجامعة ماريلاند، فقد تبدلت ألوان الملابس تحت راية بعض من حركات التحرر الأنثوية التي تبعت الحرب العالمية الثانية، ثم اختفت لفترة ليست بالقصيرة، إلى أن بثت بها الروح مرةً أخرى في نهايات القرن العشرين.

في هذه المرة كان صاحب القرار هو التسويق الذي كان قد بدأ لتوه يحبو ويلتقط أنفاسه الأولى. وإثر الشعور بالأهمية القصوى لتفريق الجنسين تضمنت الخطة التسويقية تحديدًا جنسيًا لبعض المنتجات دونًا عن غيرها. وعلى هذا الأساس تم الاتفاق على الترويج لبعض من مستحضرات التجميل أو الأدوات الجراحية أو حتى الملابس على أنها أنتجت خصيصًا للذكور أو الإناث. وقد لوحظ في إحصائيات مجلة «تايم» أن أصحاب تلك المنتجات قد حققوا نجاحًا باهرًا في كسب أضعاف الأرباح من منتجات الإناث، على الرغم من توافقها مع منتجات الذكور فيما عدا اللون. أما عن صناع الملابس، ففي ظل رواج الذوق الفرنسي – في القرن العشرين – لم يجدوا أفضل من التحديد الجنسي للملابس على الطريقة الفرنسية. لطالما اعتمدت هذه الطريقة على تخصيص اللون الزهري للإناث والأزرق للذكور.

هنا نكون قد وصلنا للنهاية. الآن بإمكانك ترك نافذتك والعودة إلى فراشك وقد تبضعت من ثمين المعلومات في رحلة دامت لبضع خطوات. الآن أكون قد عدت بك إلى دائرتك التي ستظل حبيسها شئت أم أبيت. لكنك عدت إليها مستنير العقل، عالمًا بحقيقة من يتخذ قراراتك ويقوم جوانب حياتك، مقدرًا حجم قوته، عسى أن تجعل منه معينًا لك فيما ينتظرك من مستقبل مشرق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, تسويق

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد