كيف تفسر ما حدث ويحدث وسيحدث، وأنت لا تردد، إلا ما تسمعه من هذا وذاك دون تحقيق؟ تَدَخل مصطلح «الهلفطة السياسية» و«هرتلة الإعلام» وتزييف التاريخ في كل خبر تقرؤه على «فيسبوك» و«تويتر» والجرائد وقنوات المعارضة والتأييد، فلنتفق ان الجميع يريد الخير للوطن، لكن البعض لا يبالي بالأرواح التي تزهق  كل يوم بدعوى المصلحة العظمى، ومحاربة الإرهاب، وتلك الفئة يجب استثناؤها من مسمى بشر؛ لأنهم أقرب إلى شيطان متعطش للدماء؛ فلا جدوى من التفكير فيهم سلبًا أو إيجابًا. لتضع تركيزك في محله، وهو: أي الفئات على صواب، وأيها ستندم على قراراها؟

ارتد أفضل ملابسك، وإنزل إلى مقهى بسيط يضم أكبر عدد من الموظفين والشباب، واختر مكانًا في المنتصف، واطلب فنجال قهوة،  وراقب عن كثب، هناك على اليمين ستجد فئتين يتشاجرون، أحدهم يقول «الجيش هو السلطة الأقوى، والأكثر تنظيمًا، وتمتاز بمشروعات ناجحة، وانضباط مبهر، ورؤية جيدة؛ تجعلهم مستعدين لمواجهة أحلك الظروف في شتى المجالات، حتى لبن الأطفال، ويضاف إلى ذلك تاريخهم العظيم، وتقييمهم العالمي كأحد أقوى جيوش العالم، ولا يقومون بشيء مخالف للمعتاد؛ فكل جيوش العالم لها أذرع اقتصادية وسياسية؛ تنتج وتعمل لصالح المؤسسة الخاص، وكل الاتهامات الموجهة لهم، ما هي إلا دعوة لهدم درع الوطن ».

يهدأ ثم يلتقط أنفاسًا من سيجارته، ورشفة شاي «تعليِ مزاجه»، يرد نظيره، ويقول «كل هذا هراء؛ لقد أريقت الدماء بأيدي درع الوطن، أما نحن، فلم نعلن عن أية دعوى عدوانية، بل صيحاتنا كانت سلمية، لقد اخترنا مشروعًا ومنهجًا يهدف إلى الحرية في كل شيء، وبدأنا بالتحرك ُقدمًا، على الرغم من كل التحديات والهجمات الممنهجة من الإعلام والصحافة والحملات التي سجن أصحابها الآن في صورة هي أشبه بخيانة رفاق الدرب، وقد أعلينا من كلمة العدل، لكن ذوي النسور والنجوم لا يريدون أن تعلو كلمة فوق كلمتهم، ويريدون الاستيلاء والتحكم والهيمنة، ولكن الله سينصرنا لقوة موقفنا وهدفنا وعزيمتنا»، يضحك الأول ويقول «انتوا مين؟ بتوع: العنف في سيناء لن يتوقف حتى يتراجع الجيش، صح !»

دعك من اليمين؛ فكل منهم يرغب في نيل السلطة، دون معارضة، وبعد كل ثورة يقولون: ليس لنا شهوة في الحكم، لكن تجدهم يحتضنون أقدام الكراسي كضم الأم لرضيعها، استمع لمن على يسارك، يقول أحد الجالسين «الجواب كان لدى ماركس، ولن تجد خيرًا في أمة تركتها روح الاشتراكية. لقد صنعتم من الدين أفيون، أين أنتم من الليبرالية التي تمحو الخوف من ممارسة الحياة؟ لا يوجد بينكم تنظيم «راديكالي»، أو فكر العمل بمجموعة «تكنوقراط» تمثل طوائف الشعب، ترون أنفسكم فئة مختارة ومميزة، بل تستغلون ضعاف العقول بشعاراتكم مرة وموائدكم مرة، أين نضالكم في حق الفقراء، وأين موقفكم من الفكر الحر، تستغلون وتشوهون وتحرمون وفي ثنايا الليل تمكرون، لستم أهل ثقة «يثور عليه نظيره ذو اللحية القصيرة ويقول «من هو الماكر! أنا الذي أحمل منهجًا يرفض أفكار أمثالك التي تبغض أعرافنا وديننا، أنا من يريد الخير للجميع وفق مبادئ تريد أن تمحوها أنت لمعارضتها حريتك المزعومة، تريد الخمر كالماء، وعري النساء، وتمزج هذا  بكلماتك عن حرب الغلاء، ودعم الفقراء، إن كنت شهوانيًا قيراطًا، فأنت أربعة وعشرين، ولا تنكر فشلك؛ فقد تقدم العالم بمجرد أن قمع مذهبك، مدعي الكمال، و مخرج العالم من الظلمات إلى النور»، يضحك الأول، ويقول «أخبار النور إيه صحيح؟».

الآن استرخ تمامًا؛ واستمع للجالسين أمامك، قد تكون تلك هي الحقيقة المختبئة بين طيات الأحداث المتوالية دون تفسير، يقول أحدهم «بينوشيه! قام بالانقلاب كطرف من ضمن ثلاثة أطراف، الخونتا العسكرية، وأصحاب رؤوس المال، والمخابرات الأمريكية، كل الهدف هو إيقاف اللندي الذي أراد الإصلاح الاجتماعي وتحقيق النهضة، كل أخطاء اللندي تتمركز حول تأميم الشركات الأمريكية في تشيلي، وتحجيم سلطة رؤوس المال، والخونتا؛ كي يضمن حياة كريمة للعمال الفقراء، وليس هذا بجديد على تشيلي؛ فقد كان ذلك شعار كل رئيس ينتخبه الشعب، ولكن لكل شيء حدود، وقد بلغ الليندي حدوده، قام الانقلاب المسلح، وقمع بينوشيه معارضيه، وتأزم الوضع اقتصاديا واجتماعيًا، وعانى الشعب من التضخم، وزيادة الديون، والغلاء المتفشي كالوباء، لكن مع الوقت ربح الشعب المعركة، وأطاح ببينوشيه بعد سبعة عشر عامًا من الحكم العسكري في استفتاء أوضح أن هناك انقسامًا بين فئات المجتمع، لم يكن هناك ثأر بين اليميني واليساري، بل تم وضع اتفاق وشروط تضمن استمرار تقدم الدولة، ومواجهة التحديات، والتدخلات التى تريد احتدام الانقسام، وتغذية الصراعات، وبعد مرور عقدين من الزمن يمكنك أن ترى تشيلي الآن في زهو وتقدم ورقي».

يتعجب صديقه ويقول «إذا هل يوجد أمل؟»، يجيبه الأول بابتسامة، «عندما تُبني مدارس السياسة، ويكتسب الشعب ثقافة الديمقراطية العادلة، وينبذ التعصب غير المبرر، ويصبح الإعلام حياديًا نزيهًا، وندرك جميعًا أن هناك أخطاءً تمارس، ولا يوجد من يحاسب المخطئ، سوف نتحرك ككيان واحد يريد الإصلاح، على الرغم من كيد الكائدين».

يمكنك الآن أن تتجه خلفك لتدفع الحساب، وتعود لمنزلك، ومعك بعض الأفكار؛ لتدرسها وتتحقق منها، ولا تتبع أحدًا،  فكرك الخاص هو الملاذ الأخير للتحرر من القيود، دمتم أصحاب فكر، دمتم أحرارًا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بينوشيه
عرض التعليقات
تحميل المزيد