زرت صوماليلاند قبل عامين، وبعد نزولي من الطائرة في هرجيسا، ودخولي قاعة المطار، وإذ بإعلانات في لوحات ضخمة تعلن فيها شركة «تليسوم» الاتصالية TELESOM عن تقديم شرائح مجانية للزوار والوافديين، حيث تتيح هذه الخطوة للسياح التواصل مع أقربائهم داخل الوطن وخارجه بسرعة فائقة لم أجدها حتى في لندن، حتى أغرتني هذه المبادرة المجانية، وأخذتها بدون تعب وتكاليف، وشكرت للشركة ومالكيها، ثم بعد وضع الشريحة في موبايلي، تفاجأت أن للشركة خدمات هائلة سهلت النجاح وكسب قلوب المشتركين، فقبل أن أعدد هذه الخدمات دعني أوضح تاريخ الشركة.

بداية نشأتها

لقد أُسِّست شركة تيلسوم الخاصة عام 1999، بمساهمين من التجار المحليين في ظل حالة صعبة في البلاد من تردي المعيشة، والخدمات الأساسية، ومنها طبعًا الهاتف السلكي واللاسلكي، حتى وضعت الشركة إستراتيجية كاملة لخدمة المجتمع على الأقل بالاتصالات، حيث فتحت في أقل من سنة مكاتبها وفروعها بجميع أقاليم صوماليلاند.

ومددت خطوطها السلكية في القرى والبوادي في التسعينات، ثم بعد ذلك شرعت في بدء خدمات الهواتف النقالة، وأصبحت شركة ذات نفع للمجتمع كله، فاستفاد التاجر، والدكتور، والمهندس، كل على حسب عمله، والأهم من ذلك أصبحت همزة الوصل للمغتربين وأهلهم في وطن الأم بسعر 50 سنتًا أمريكيًا للدقيقة الواحدة، كل هذا في غضون ثلاث سنوات، حتى أصبحت شركة خاصة لا تهتم إلا بالنجاح وكسب قلوب الزبائن المنكسرة نفسيًا آنذاك بالحروب الأهلية.

أهم مهارت نجاحها وخدماتها

ولكن الشركة ذاع صيتها عام 2006 بسبب الخدمة المصرفية العصرية والتي سمتها «زاد»، وهي عبارة عن نظام إلالكتروني يسهل التحويلات المالية باستخدام الهاتف النقال؛ إذ تُودع الأموال لدى الشركات التي تقدم خدمات التحويلات المالية عبر الهاتف، وتُختزن في حساب المستخدم على الهاتف، وتتيح بذلك للمستخدم شراء وبيع السلع بإدخال أرقام مخصصة لكل مستخدم على حدة، ويسمى في عالمنا المعاصر «MOBAIL MONEY» أنظمة الدفع الرقمي أو خدمات الأموال المتنقلة.
حتى أصبح هذا النظام بالنسبة لهم كبطاقة الائتمان لسببين:

  1. الغياب التام للمصارف والبنوك المعترف بها دوليًا، ناهيك عن ماكينات الصرف الآلي، حتى صار استعمال الأوراق النقدية شبه منعدم، وأصبحت الباقية منها أوراقًا بالية ورزمًا مكدسة لا تستطيع لمسها باليد، ولا تكاد تحملها إلا في العربة بسبب التضخم، وانخفاض الشلن العملة الرسمية للبلد.
  2. بساطة أنظمة التحويل الرقمية بالهاتف النقال وسرعتها، حيث يتطلب الدفع خطوات يسيرة للغاية تبدأ بإدخال بضعة أرقام وتليها مجموعة رموز خاصة بكل بائع على حدة، ويتم البيع والشراء حيث تأتيك رسالة تأكيد من الشركة تخبرك الدفع والباقي معًا.

وقد أعجبت هذه الخدمة رجل الأعمال المشهور مؤسس شركة «مايكروسوفت» بيل جيتس، حيث ذكر وقت خطابه أمام المؤتمر السنوي العالمي «SIBOS» عام 2014 أن هذه الخدمة ساعدت المجتمع في تجاوز ظروفه المصرفية، وأعطت هذه الكلمة لجيتس الشركة وخدمتها الموبايلية – إذا صح التعبير – شهرة واسعة حول العالم المصرفي والإلكتروني، وأصبحت في المرتبة الأولى في القرن الأفريقي، والمرتبة الثانية في أفريقيا ككل.

الميزة الأخرى التي جعلت الشركة مميزة في القارة الأفريقية هي حسن الإدارة والتنظيم؛ فقد حاز مدير الشركة عبد الكريم محمد عيد تكريم الجائزة السنوية الأفريقية (AfricaCom) من بين تسعة أشخاص كأحسن مدير عام 2018 بسبب إستراتيجياته بعيدة المدى لإنماء المعرفي لموظفي الشركة حتى أهلت أن تكون طليعة الشركات المحلية والعالمية.

ختامًا نقول لشركة تليسوم: بيضتم وجهنا، ليس فقط لمنافستكم الشركات العالمية، ولكن لمساعدة وطنكم اقتصاديًًا، واجتماعيًا، ومعرفيًًا، فتقدموا ونحن جميعًا وراءكم.

قال أبو الطيب المتنبي:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ … وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها … وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد