بعد حروب الاسترداد واستيلاء الملوك الكاثوليك (إيزابيلا وفرناندو) على آخر الحواضر الإسلامية بالأندلس، وهي غرناطة في عام 1492, حدثت قطيعة كبيرة وتقريبًا كاملة بين إسبانيا وماضيها الإسلامي وظلت صورة العربي والمسلم مشوهة بشكل كبير في الوعي الجمعي الإسباني، حتى ظهرت على استحياء بوادر لحركة استعراب تختص بدراسة الماضي العريق الذي تركته الحضارة الإسلامية هناك في القرن التاسع عشر، ثم ما لبث أن اشتد عودها في القرن العشرين أسفرت عن تصالح كبير بين إسبانيا وبين ثمانية قرون من ماضيها مصبوغة بالطابع الإسلامي.

إن حقل الاستعراب الإسباني كبير ومتشعب، ومليء بالأسماء الكبيرة والمؤثرة داخل إسبانيا وخارجها، ولكن نخصص هذا المقال الموجز للحديث عن دور النساء في حركة الاستعراب الإسباني، وذلك لأن إلقاء الضوء على رائدات حركة الاستعراب الإسباني هو في الحقيقة إلقاء للضوء على عصر كامل، وهو عصر الجمهورية الإسبانية الثانية القصير، والتي كانت قد بدأت في إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع، وكذلك في طرق تفكير الناس، ولكن مع الأسف حالت الحرب الأهلية وديكتاتورية فرانكو دون ذلك.

قبل الحديث عن المستعربات الإسبانيات تجدر الإشارة إلى من يطلق عليهم بني كوديرا، وهم مجموعة من المستعربين الإسبان يعود نسبهم إلى فرانسيسكو كوديرا، والذي كان أستاذًا جامعيًّا منذ عام 1872 ثم التحق بالأكاديمية الملكية للتاريخ، وهو الطريق نفسه الذي سار فيه تلميذه خوليان ريبيرا تاراجوو، والذي تتلمذ على يده ميجيل أسين بالاسيوس، وتنتهي هذه المجموعة بإميليو جارثيا جومس.

يلاحظ من العرض السريع السابق أن جميعهم كانوا رجالًا، ولكن يذخر اليوم عالم الاستعراب الإسباني بالكثير من النساء. سأقوم بالحديث تباعًا فى هذا المقال عن أبرز المستعربات الإسبانيات، واللاتي يتضح من دراسة حياتهن كيف كان الالتحاق النسائي بالجامعة بطيئًا جدًّا.

خواكينا إيجواراس

كانت تلميذة لإميليو جارثيا جومس في الفترة التي عمل فيها الأخير بجامعة غرناطة في الفترة من 1930 حتى 1935. كانت أطروحتها للدكتوراة تحت إشراف إميليو عن كتاب الفلاحة للشاعر الأندلسى المتعدد المواهب ابن ليون المتوفى في 1349 في مدينة آلميريا، والتي نشرت في عام 1975.

ولدت بنابارا ولكنها جاءت مع أسرتها إلى غرناطة عندما كانت تبلغ عامين، ثم قضت كل حياتها بها لاحقًا. التحقت بالجامعة في عام 1918 لدراسة الفلسفة والآداب وظلت تفخر بكونها أول فتاة تلتحق بالجامعة، وهو الأمر الذى كان محرمًا على النساء فى إسبانيا قبل عام 1910.

أنهت دراستها في عام 1922, ثم عملت مدرسًا مساعدًا في كلية الفلسفة والآداب، وكانت أول سيدة تصبح عضو هيئة تدريس في جامعة غرناطة. في عام 1930, عملت رغم المعارضة في قسم الأرشيف والمكتبات والآثار, ثم عينت مديرة لمتحف الآثار والأنثربولوجيا في غرناطة واستمرت بهذا المنصب حتى تقاعدها في 1967. عملت بمدرسة الدراسات العربية مسئولة عن المكتبة ومدرس مساعد في قسم فقه اللغة منذ عام 1963.

قامت في الفترة من 1940 حتى 1965 بتدريس الكثير من المواد المتعلقة بالدراسات العربية. ورغم أنها لم تؤلف الكثير من الكتب فإنها تركت بصمات لا تمحى في التدريس بسبب شخصيتها الكريمة الآسرة. فكانت تعطي دروسًا مجانية في اللغة العربية لمن يريد الاستزادة بعيدًا عن المقررات الجامعية. أطلقت مدينة غرناطة اسمها على أحد شوارعها تكريمًا مستحقًّا لها. كان لموتها صدى كبير في وسائل الإعلام والأوساط الجامعية.

سوليداد خيبرت فينيش

توفيت في عام 2000 ولكن لم يذكر النعي عام ميلادها. أتمت دراستها الجامعية عندما انتهت الحرب الأهلية والتي كانت أسرتها فيها مناصرة لجبهة فرانكو. تزاملت مع كل من إلياس تيريس، وماركوس مارين، والذي سيصبح لاحقًا أستاذًا لتاريخ الأدب العربي القديم والأدب الأندلسي بجامعة كومبلوتنسي بمدريد, وأيضًا لبيلار ليون المتخصصة في تاريخ اليهود في شبه جزيرة إيبيريا.

تتلمذت على يد كل من ميجيل أسين بالاسيوس، والعلامة الكبير إميليو جارثيا جومس، والذي أشرف على أطروحتها للدكتوراة، والتي كانت عن شاعر آلميريا ابن خاتمة الأنصارى، والتي جرت مناقشتها عام 1952 ثم نشرت بعد ذلك.

بدأت عملها أستاذة بجامعة كومبلوتنسي بمدريد في 1944، ثم جامعة برشلونة، ثم عادت مرة أخرى لمدريد في عام 1977 وظلت بها حتى تقاعدت في عام 1986. كرمتها مجلة «رفوف» المختصة بالدراسات العربية في عام 2001.

تتلمذ على يديها الكثيرون ممن سيقومون لاحقًا بتطوير حقل الاستعراب الإسباني في العقود الأخيرة من عهد فرانكو وبداية عصر الديمقراطية من بينهم العديد من النساء مثل روسا كونية وخوسيفه أنكاراجا.

تزوجت سوليداد في عام 1962 من خواكين بالبي، والذي عمل أستاذًا للغة العربية بجامعة كومبلوتنسي أيضًا.

مانويلا مانثاناريس (1910– 2004)

بدأت دراستها بعد أن استقرت أسرتها في غرناطة عام 1928، وتتلمذت على يد العلامة إميليو جارثيا جومس. نالت درجة الليسانس في 1031، ثم حصلت على منحة من مدرسة الدراسات العربية، حيث بدأت في إعداد أطروحتها للدكتوراة، والتي لم تتمها للأسف بسبب الحرب الأهلية. شاركت في الرحلة البحرية الجامعية الشهيرة بالبحر المتوسط في عام 1933. تم نفيها هي وزوجها بعد الحرب وتنقلا بين بلجيكا وكولومبيا والولايات المتحدة، حيث عملت بقسم اللغات الرومانسية والجرمانية بكلية الآداب الحرة بجامعة ديترويت. وتمكنت في النهاية من إتمام رسالتها للدكتوراة، وكان ذلك في جامعة ميتشجن، والتي خرج منها كتابها المهم «المستعربون الإسبان في القرن التاسع عشر» والذي قام المعهد العربي الإسباني للثقافة بنشره في عام 1972 ثم تمت ترجمته للغة العربية في عام 2003 من قبل المركز القومي للترجمة بمصر.

أنخيلا بارنيس (1912)

ناقشت في عام 1936 أطروحتها للدكتوراة، والتي كانت عن كتاب سدرة المنتهى لابن واسيه وكانت تحت إشراف العلامة الكبير ميجيل آسين بالاسيوس، ولكنها للأسف لم تمارس العمل الأكاديمي، وذلك بسبب موقفها المناصر للجمهورية.

إسميرالدا خيخون ثاباتا (1913- 1968)

درست الفلسفة والآداب بمدريد في 1933، وشاركت مثل مانويلا مانثاناريس بالرحلة البحرية الجامعية الشهيرة بالبحر المتوسط والتي يبدو أنها تركت الكثير من الذكريات في كل هذا الجيل. حصلت على منحة لدراسة أطروحتها للدكتوراة في مدرسة الدراسات العربية. التحقت بعد الحرب بالعمل في قسم الأرشيف والمكتبات والآثار ثم عملت لاحقًا في مكتبة القصر الملكى بمدريد في 1944.

حصلت أيضًا على منحة من إيران لدراسة اللغة الفارسية، وذلك كي تتمكن من فهرسة المخطوطات الفارسية بمكتبة القصر الملكي وأيضًا بمكتبة الإسكوريال. توفيت في طهران في ظروف غامضة ودفنت هناك أيضًا.

خواكينا ألباراثين (1921- 2011)

أتمت دراستها الجامعية بعد الحرب الأهلية في غرناطة وتخصصت في دراسة فترة الحماية الإسبانية بالمغرب. قامت بالتدريس الجامعي في 1974، وتخصصت في دراسة الملابس التقليدية بالمغرب وأيضًا دراسة المخطوطات العربية بغرناطة.

روسا كونيه (1926- 2002)

أتمت دراستها في 1966، وناقشت أطروحتها للدكتوراة في 1969. عملت أستاذة بجامعة كومبلوتنسي حتى تقاعدها وذاع صيتها كأحد أبرع المتخصصين في تاريخ الطب الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد