تشكل الأحزاب ذات التوجهات المتخصصة في موضوع معين، جزءًا لا يتجزأ من الواقع السياسي في بعض دول العالم الديمقراطية، ففي كل انتخابات برلمانية تعقد في هذه الدول، تتشكل أحزاب وتحالفات ذات طابع تخصصي مختلف عن الأحزاب التقليدية ذات الطابع الأيديولوجي الشامل. ومن جملة هذه الأحزاب، ظهرت أحزاب القراصنة (Pirate Parties) لتشكل واقعًا سياسيًّا جديدًا في بعض الدول، وبالأخص دول شمال أوروبا.

 

الفكرة والنشأة

تعنى أحزاب القراصنة بالأساس بالشئون الرقمية والحاسوبية، وتسعى للدفع بإصلاحات جذرية في القوانين المتعلقة بشؤون الملكية الفكرية الرقمية، وبراءات الاختراع الرقمية، بالإضافة إلى حماية الخصوصية.

تأسست أول أحزاب القراصنة في السويد، على يد رائد الأعمال “ريكارد فالكفينغ” في عام 2006. موقع الحزب عند إنشائه تلقى ملايين الزيارات، وقفزت أعداد المنتسبين للحزب بشكل سريع خلال عدة أشهر. تأسيس الحزب، فتح الباب لتشكيل أحزاب مشابهة في عدة دول أخرى مثل النمسا، والولايات المتحدة، وألمانيا. خاض حزب القراصنة السويدي الانتخابات البرلمانية لعام 2006، وحصل على 34,918 صوتًا بنسبة 0.63%، مما جعله بعيدًا عن تخطي عتبة النسبة اللازمة للتمثيل في البرلمان (4%)، إلا أنها كانت بداية مبشرة للحزب.

 

المشاركة السياسية حول العالم

حاليًا الحزب ممثل في البرلمان الأوروبي بمقعد واحد عن ألمانيا نالته الشابة ذات الـ29 ربيعًا “جوليا ريدا”، بعد أن خسرت السويد المقعدين اللذين كانت قد نالتهما في انتخابات 2009. أما بالنسبة للبرلمانات المحلية، فإن أيسلندا الدولة الوحيدة التي يتمثل بها حزب القراصنة في البرلمان حاليًا، حيث حصل حزب القراصنة الأيسلندي في انتخابات 2013 على ثلاثة مقاعد من أصل 63 مقعدًا برلمانيًّا. الحزب الأيسلندي كان قد فجر مفاجأة في مارس 2015 من خلال نتائج الاستطلاع الوطني، حيث حصل الحزب على المركز الأول بنسبة 23.9% من آراء المستطلعين، مما جعله أول حزب في تاريخ أيسلندا منذ الاستقلال يزيح حزب الاستقلال الأيسلندي عن صدارة الاستطلاعات، حيث حصل حزب الاستقلال على نسبة 23.4% من آراء المستطلعين بفارق 0.5 بالمئة. وستجرى الانتخابات البرلمانية التالية في أيسلندا في العام القادم.

عربيًّا، هنالك محاولات لتأسيس أحزاب مشابهة، إلا أن المحاولة الأبرز هي في تونس. حيث حصل حزب القراصنة التونسي على الترخيص في عام 2012. من مؤسسي هذا الحزب الناشط السياسي الشاب والمدون سليم عمامو، الذي تسلم حقيبة وزارة “الرياضة والشباب” في الحكومة الانتقالية المؤقتة التي تشكلت بعد “الثورة التونسية” في يناير 2011، واستقال بعدها بأربعة أشهر احتجاجًا على قيام الحكومة بحجب بعض المواقع الإلكترونية.

 

أممية أحزاب القراصنة

كغيرها من بقية الأحزاب، شكلت أحزاب القراصنة تنظيمًا دوليًّا يجمع أحزاب القراصنة تحت مظلة واحدة بمسمى “أممية أحزاب القراصنة”. تأسست الأممية في مؤتمر عقد في بروكسل عاصمة بلجيكا في الفترة من 16 أبريل إلى 18 أبريل. ضمت الأممية في أوج قوتها أحزابًا من 40 دولة، بالإضافة إلى عدة أحزاب مراقبة. وتتمثل المشاركة العربية في تونس والمغرب.

شهد عام 2015 عدة استقالات من الأممية، أغلبها لأسباب تتعلق بعدم فاعلية الأممية في التغيير والإصلاح، عدا عن أن البيروقراطية قد وجدت طريقًا لها في داخل الأممية، مما جعل أحزاب القراصنة في أستراليا، وبريطانيا، وأيسلندا، والسويد تستقيل، فيما علق حزب القراصنة البلجيكي عضويته.

 

الموقع في الطيف السياسي

تشكل بعض الأحزاب معضلة عند محاولة وضعها في منطقة محددة من الطيف السياسي (يمين- وسط- يسار). وتطرح أفكار ومبادئ أحزاب القراصنة تساؤلات عن الموقع الأمثل لوضع هذه الأحزاب في الطيف السياسي. فالبعض يصنفها كأحزاب وسط ليبرالية، والبعض الآخر يضعها في إطار أحزاب يسار- الوسط الديمقراطية الاجتماعية، وهناك من يضعها في قائمة تنظيمات وأحزاب اليسار الراديكالي ويقارن مبادئها بمبادئ الأيديولوجيات اللاسلطوية (الأناركية)، والاشتراكية التحررية، واليسار الجديد. ولكن بشكل عام تسعى أحزاب القراصنة لعزل نفسها عن هذه التصنيفات كي تستقطب الأعضاء من مختلف التوجهات السياسية. وقد قامت أحزاب القراصنة بالتحالف في بعض المناسبات مع أحزاب أخرى مثل الأحزاب الخضراء البيئية، والأحزاب العمالية اليسارية في الانتخابات والكتل البرلمانية؛ رغبةً في الاندماج بشكل أفضل في الحياة السياسية ولكسب الخبرات.

تختلف أحزاب القراصنة حول العالم في بعض الجزئيات عن بعضها، بحيث توجد تصورات مختلفة عند كل حزب في كل دولة، لكن الإطار العام لمبادئ هذه الأحزاب يدور حول حرية الحصول على المعلومات ومشاركتها، والديمقراطية المباشرة، والحقوق المدنية، والشفافية، ومكافحة الفساد، والخصوصية.

تعد تجربة أحزاب القراصنة حديثة العهد في السياسة العالمية، وقد انبثقت عن دخول التكنولوجيا الرقمية إلى كافة جوانب حياتنا حتى أصبحت قضايا مثل حرية المعلومات، وحيادية الإنترنت، والخصوصية قضايا محورية. وما ظهور مواقع مثل “ويكي ليكس” وكشف الغطاء عن أنظمة مراقبة سرية مثل قضية “إدوارد سنودن” إلا أمثلة حية على ذلك.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد